سبتمبر 3, 2026
LOGO

أميمة محفوظ

غالباً ما نجد بعض الشباب اليوم يقولون إن الحب فقد جزءا كبيرا من رمزيته وإن الحب الحقيقي أصبح أكثر ندرة، بل إن بعضهم يذهب أبعد من ذلك حين يرى أن الحب كما عرفناه وتخيلناه لم يعد موجودا أصلا إلا في المسلسلات التركية. وفجأة! أصبحت الأغلبية تفهم في الحب وتريد التكلم عنه، وتتغنى به، وتبحث عن معانيه، وتناقش أسباب فشله، وكأننا نحاول استعادة شيء فقدنا ملامسته في الواقع.

لكن قبل أن نتساءل عن اختفاء الحب أو ندرته، ربما علينا أن نطرح سؤالا أساسيا: هل كل ما نطلق عليه اسم الحب هو حب فعلا؟ وهل الحب شعور فقط أم مهارة يجب التعلم لها؟

فقد اضحى أكثر يسرا أن نخلط بين الحب والإعجاب، وبين الحب والانجذاب، وبين الحب والتعلق، بل وبين الحب والخوف من الوحدة. وقد نمنح بعض السلوكيات العاطفية تسميات رومانسية، رغم أنها قد تكون في حقيقتها تعبيرا عن الاحتياج أو التملك العاطفي لا غير. إذا لا تكمن المشكلة دائما في أننا لم نعد نحب، وإنما في أننا لم نتعلم من الأساس كيف نحب.

ولعل أبرز مثال نستشهد به عبارة محمود درويش في كتابه حضرة الغياب، يقول: «لا يكفي أن تحب، بل عليك أن تعرف كيف تحب». وبعيدا عن بعدها الأدبي، تفتح هذه العبارة مجالا مهما للتفكير في الحب باعتباره أكثر من مجرد مشاعر عاطفية، بل باعتباره معرفة و ممارسة وسلوكا يحتاج إلى قدر من الوعي والتعلم.

فإذا نظرنا للموضوع من منظور علم النفس، سنجد أن الإنسان لايدخل العلاقة العاطفية بوصفه صفحة بيضاء، وإنما يحمل معه تاريخه الشخصي، وتجارب طفولته، وصورته عن ذاته وأنماط ارتباطه بالآخرين، إضافة إلى تصوراته وتوقعاته حول العلاقة العاطفية. ولهذا فإن الطريقة التي نحب بها قد تكون مرتبطة بدرجات مختلفة بما تعلمناه سابقا وبما استقبلناه في الطفولة عن الحب والثقة والاهتمام والأمان.

فقد يحب الإنسان شخصا فعلا ومع ذلك يؤذيه، ليس بالضرورة لأنه يريد إيذاءه، وإنما لأنه لا يمتلك الأدوات النفسية والتواصلية التي تمكنه من التعبير عن حبه بطريقة صحية. فقد يحب لكنه لا يعرف كيف يصغي. وقد يهتم لكنه يترجم اهتمامه إلى مراقبة وسيطرة. وقد يخاف فقدان الآخر فيتحول خوفه إلى غيرة مفرطة أو إلى سلوك تملكي. وقد يعتقد أن التضحية المستمرة دليل على الحب، بينما قد تتحول هذه التضحية في بعض الحالات إلى إلغاء للذات وإهمال للحاجات الشخصية.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الشعور بالحب وممارسة الحب.

فالحب بوصفه شعورا قد يبدأ بانجذاب أو تعلق أو رغبة في القرب من الشخص، لكنه لا يكتمل بمجرد وجود هذه المشاعر. لكي يتحول إلى علاقة ناضجة، يحتاج إلى سلوكيات أكثر نضجا تتجاوز مجرد الشعور: كالاحترام، والإصغاء، والتواصل، والقدرة على إدارة الخلاف، واحترام الحدود الشخصية، والاعتراف باختلاف الآخر، وتحمل قدر من المسؤولية تجاه العلاقة. فأن تحب شخصا لا يعني أن تمتلكه، وأن تخاف عليه لا يعني أن تراقبه، وأن تحتاج إليه لا يعني أن تلغي استقلالك من أجله. كما أن القرب العاطفي لا يفترض بالضرورة ذوبان الحدود بين شخصين، فالعلاقة الصحية ترتكز إلى حد كبير على القدرة على الجمع بين الاحترام والاستقلال، والارتباط والحفاظ على الذات.

وربما يساعدنا علم النفس هنا أيضا على فهم سبب شعور كثير من الناس بأن الحب أصبح أقل استقرارا من السابق. فالإنسان قد يدخل علاقة عاطفية وهو يحمل صورة مثالية عن الطرف الآخر، في مرحلة يغلب عليها الانجذاب والإسقاط والتوقع. ثم، عندما تبدأ الشخصية الحقيقية في الظهور، وتظهر الاختلافات والعيوب والتناقضات، قد يشعر بأن الطرف الآخر تغير أو أن الحب نفسه بدأ يتراجع.

لكن ربما لم يتغير الشخص بقدر ما تغيرت الصورة الذهنية التي كنا نحملها عنه.

ففي بدايات العلاقات، قد لا نحب الشخص كما هو تماما، وإنما نحب أحيانا ما نراه فيه وما نتخيله عنه، وما نرغب في أن يكون عليه. وحين تصطدم هذه الصورة بالواقع، نكتشف أن العلاقة تحتاج إلى الانتقال من مرحلة المثالية إلى مرحلة أكثر واقعية. مرحلة يصبح فيها الآخر إنسانا كاملا له نقاط قوة وضعف، وله احتياجات وحدود واختلافات.

ومن هنا، يصبح استمرار الحب مرهونا بالقدرة على إدارة الاختلاف.

وهذا يقودنا أيضا إلى الطريقة التي تشكل بها الثقافة والمجتمع تصوراتنا عن الحب. فنحن لا نتعلم الحب فقط من تجاربنا الشخصية، بل نتعلمه أيضا من الأسرة، والأصدقاء، والأدب، والسينما، والأغاني، ووسائل التواصل الاجتماعي. وبذلك تتشكل لدينا ما يمكن تسميته تمثلات اجتماعية للحب… أي مجموعة من الأفكار والصور والمعايير التي تحدد في أذهاننا كيف ينبغي أن يكون الحب، وكيف ينبغي أن يتصرف المحب، وما الذي نعدّه دليلا على الحب.

ومن ثم، قد يعتقد الشخص أو يفسر الغيرة الشديدة على أنها تعبير عن الحب، بينما قد يراها آخر شكلا من أشكال انعدام الثقة أو التملك. وقد يرى أحدهم أن التضحية المستمرة هي قمة الإخلاص، بينما قد يرى فيها آخر خطرا على التوازن النفسي داخل العلاقة. وقد يفسر شخص التعلق الشديد بوصفه حبا عميقا، في حين يكون هذا التعلق في بعض الحالات مرتبطا بالخوف من الهجر أو الوحدة أكثر من ارتباطه بالحب نفسه.

إذن، المشكلة ليست دائما في وجود الحب أو غيابه، وإنما في كيفية تعريفنا له وفهمنا له وممارستنا له.

ولعل “الثقافة المعاصرة” ساهمت في رفع سقف توقعاتنا العاطفية، بحيث أصبحنا ننتظر علاقة تمنحنا السعادة المستمرة، والتفاهم الكامل، والشغف الدائم، وكأن العلاقة الناجحة هي تلك التي تخلو من التوتر والخلاف والملل. وعندما يصطدم الواقع بهذه الصورة المثالية، قد نستنتج بسرعة أن الحب انتهى.

لذلك، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل ما زال هناك حب؟ بل هل ما زلنا نعرف كيف نحب؟

هل نمتلك الوعي الكافي لتمييز الحب عن التعلق؟ وهل نستطيع أن نحب دون أن نمتلك؟

ربما الحب لم يختف، وربما لم يصبح نادرا بالضرورة، وإنما تغيرت علاقتنا به وتغيرت الطريقة التي نفهمه ونبحث عنه ونحكم عليه من خلالها.

فالحب ليس مجرد شعور يظهر في لحظة، وإنما تجربة إنسانية تتطلب معرفة بالنفس، ووعيا بالآخر، وقدرة على التواصل، واحتراما للحدوده، واستعدادا لتحمل المسؤولية. إنه ليس فقط أن تشعر بشيء تجاه شخص ما، بل أن تعرف كيف تحول هذا الشعور إلى ممارسة إنسانية ناضجة.

إذا قد لا يكون الحب هو الذي تغير، وإنما نحن الذين اختزلناه طويلا في الشعور والمسلسلات وما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يحتاج لكي يستمر إلى وعي ومهارة وممارسة. وربما كان درويش يختصر هذه الفكرة كلها حين قال: “لا يكفي أن تحب، بل عليك أن تعرف كيف تحب”.