
سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
تقول حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي إن العراق “آمن اقتصادياً”، هذه نصف الحقيقة النصف الآخر الذي لا يُقال في البيانات الرسمية هو أن رواتب 8 ملايين عراقي لم تعد مرتبطة بالنفط، بل مرتبطة بمعادلة واحدة هي حصر السلاح بيد الدولة.
لم يعد الأمر اقتصاداً، بل أصبح شرطاً سياسياً لبقاء النظام المالي نفسه على قيد الحياة.
لفهم ما قد ينتظرنا، لا بد من العودة إلى فترة الحصار الاقتصادي في تسعينات القرن الماضي خلال فترة عقوبات لوكربي الدولية على نظام القذافي.
عانت ليبيا آنذاك من شح حاد في السيولة وضغوط اقتصادية شديدة. لم تكن المشكلة مجرد نقص في الموازنة، بل انهيار في منظومة الدفع نفسها:
تأخرت رواتب القطاعات والشركات العامة لأسابيع وأشهر.
لم يكن هناك نظام مالي منتظم، بل إدارة عشوائية للأزمة.
لقد تم تجميد جدول المرتبات الأساسي لسنوات طويلة عبر القانون رقم 15 لسنة 1981، فبقيت الرواتب متدنية وثابتة، واستعاضت الدولة عن رفعها بدعم السلع عبر الجمعيات والأسواق المركزية.
النتيجة كانت تحويل الموظف من صاحب حق إلى متلقٍ لمنحة، وربط لقمة عيشه بالقرار السياسي الخارجي. فهل نعتمد النموذج الليبي زمن القذافي في العراق اليوم؟
الوضع في العراق اليوم يختلف عن ليبيا التسعينات من حيث الوفرة، لكنه يتشابه معها من حيث الهشاشة الهيكلية.
النفط العراقي يباع بالدولار، والدولار يودع في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والسيولة الدولارية تطلق بموافقة وزارة الخزانة الأمريكية، ونظام التحويلات الـ SWIFT يمر عبر رقابة مباشرة من واشنطن ولندن.
وهنا تكمن الخطورة التي أشير إليها:
أي اضطراب في ملفات النفط والسيولة والعملات الصعبة والسلاح، سيضع الدولة العراقية أمام تحديات وجودية.
بمعنى أوضح: الولايات المتحدة لا تتعامل مع ملف حصر السلاح كملف أمني داخلي عراقي فقط، بل كشرط لاستمرار انسيابية النظام المالي. وفي حال عدم حصر السلاح ضمن التوقيتات المحددة، فإن أدوات الضغط لن تكون عسكرية، بل مالية.
أولى هذه الأدوات هي فرض عقوبات أو قيود على المصارف، أو تأخير تحويلات الدولار، أو وضع العراق تحت رقابة مالية مشددة.
ولكن ماذا يعني ذلك للراتب؟
التوجه الأمريكي الحالي واضح: أي فرض عقوبات على العراق، حتى لو كانت جزئية ومحدودة على كيانات مسلحة، سيؤدي تلقائيا إلى أن تصبح عملية دفع الرواتب مشكلة.
لماذا؟
اولا. أزمة سيولة: 90% من رواتب الدولة العراقية تعتمد على تحويل إيرادات النفط من الدولار إلى الدينار. أي تجميد أو تأخير في التحويل يعني عجز الخزينة عن توفير السيولة النقدية.
ثانيا .أزمة ديون: العراق مرتبط بديون داخلية وخارجية والتزامات مع صندوق النقد والبنك الدولي. أي عقوبات سترفع كلفة الاقتراض وتجمد خطوط الائتمان.
ثالثا. تأخر الرواتب يعني توقف السوق، وتوقف السوق يعني انهيار القطاع الخاص، وانهيار القطاع الخاص يعني عودة الدولة للتوظيف الوهمي كما حدث في ليبيا.
القضية إذن، كما وصفها أحد المصادر، “حساسة جداً، وليست قضية ثانوية أو مجالاً للمزايدات أو الشعبوية.
أمام هذا الواقع، لا تملك الحكومة العراقية ترف الانتظار. والإجراءات المتوقعة ستكون على مسارين: سياسي عاجل، واقتصادي وقائي.
في المسار السياسي نزع فتيل العقوبات و تسريع ملف حصر السلاح بيد الدولة كرسالة طمأنة للمجتمع الدولي والخزانة الأمريكية.
وفتح قنوات تفاوض مباشرة مع واشنطن لفصل ملف الرواتب والغذاء عن ملف العقوبات، وضمان استثناء البنك المركزي العراقي من أي إجراءات.
أضف لذلك تحييد ملف النفط عن الصراع السياسي الداخلي.
في المسار الاقتصادي خطة طوارئ الرواتب تتم وفق:
تنويع سلة العملات: تقليل الاعتماد المطلق على الدولار في التحويلات التجارية، وتوسيع التعامل باليورو والدرهم واليوان مع دول مثل الإمارات والصين.
وانشاء صندوق سيادي للرواتب وتخصيص حساب طوارئ يضم رواتب 3 إلى 6 أشهر ممولة مسبقاً من فائض النفط، لا يمس إلا بقانون، على غرار الصناديق السيادية الخليجية.
كذلك العمل على إصلاح هيكل الرواتب وإيقاف التوظيف العشوائي، والبدء بتنفيذ قانون الخدمة المدنية الموحد، وربط الراتب بالإنتاجية بدلاً من إبقائه عبئاً ثابتاً متضخماً. العودة الجزئية للدعم السلعي؟ وهو السيناريو الأخطر والمشابه لليبيا. في حال شحت السيولة، قد تلجأ الدولة مؤقتاً لدعم السلة الغذائية والوقود كبديل عن زيادة الرواتب أو حتى كتعويض عن تأخرها.
وهذا هو جوهر النموذج الليبي الذي يجب تجنبه.
الرواتب في العراق اليوم مؤمنة، لكن أمانها ليس ذاتياً. هو أمان مشروط باستقرار خارجي. الدرس الليبي يقول لنا إن الدولة التي تفقد نظامها المالي المنتظم بسبب الحصار، لا تعود إليه بسهولة، وتجمد رواتب موظفيها لعقود.
المستقبل لا تحدده وزارة المالية وحدها، بل تحدده قدرة الدولة على أن تكون وحدها من يملك السلاح، وبالتالي وحدها من يملك القرار المالي.





