
قيس قاسم وزوجته سلوى جواد، المصدر: القناة الثانية الدنماركية
إيهاب مقبل
كشفت القناة الثانية الدنماركية في تقرير نشرته في 2 سبتمبر أيلول 2026 عن قضية زوجين عراقيين قالت إنهما تمكنا على مدى نحو 16 عامًا من الوصول إلى أنظمة اللجوء والإعانات الاجتماعية في كل من الدنمارك والسويد، رغم أن حياتهما كانت مرتبطة بالدنمارك طوال معظم هذه الفترة. وأثارت القضية ردود فعل سياسية واسعة، قبل أن تصل سريعًا إلى البرلمان الدنماركي، حيث طالب نواب الحكومة بالتحقيق في مدى انتشار حالات مماثلة.
ويتعلق التحقيق بقيس قاسم، البالغ من العمر 52 عامًا، وزوجته سلوى جواد، البالغة 53 عامًا، اللذين وصلا من العراق إلى الدنمارك في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وحصلا على الإقامة الدائمة فيها. ووفقًا لما أوردته القناة الثانية، ظل الزوجان مرتبطين بعنوان في الدنمارك منذ وصولهما إليها، بينما تم لاحقًا تقديم معلومات مختلفة للسلطات السويدية.
طلب لجوء في السويد باسم مختلف
بحسب التحقيق، توجهت سلوى جواد إلى السويد عام 2010 وقدمت طلب لجوء مستخدمة اسمًا مختلفًا، وأبلغت السلطات السويدية بأنها وصلت مباشرة من العراق وأن حياتها كانت مهددة. وتم قبول طلب اللجوء، ثم حصل قيس قاسم لاحقًا على الموافقة على طلب لمّ شمل الأسرة في السويد.
وبعد سنوات، حصل الزوجان أيضًا على الجنسية السويدية، في حين كانت لهما، وفق الوثائق التي عرضتها القناة الثانية، صلة مستمرة بالدنمارك.
وتقول القناة الثانية إنها تمكنت من خلال مئات الوثائق الصادرة عن السلطات السويدية من توثيق التناقضات في رواية الزوجين. كما زار صحفيو القناة عددًا من العناوين التي قدمها الزوجان في السويد، وقال أشخاص يقيمون في تلك العناوين إنهما لم يسكنا هناك.
إعانات من دولتين في الوقت نفسه
الجانب الأكثر إثارة للجدل في القضية يتعلق بالإعانات الاجتماعية. فقد سجل قيس قاسم وسلوى جواد نفسيهما لدى السلطات السويدية المختصة بالتوظيف كعاطلين عن العمل، وهي الجهة التي تؤدي دورًا مشابهًا لمراكز التوظيف في الدنمارك، ومن خلال ذلك أصبح بإمكانهما الوصول إلى إعانات سويدية.
وتقول القناة الثانية إنها لا تستطيع إثبات جميع المدفوعات التي حصل عليها الزوجان فعليًا من السويد، إلا أن سلوى جواد نفسها أقرت في مقابلة مع القناة بأنها حصلت على أموال من السويد في الوقت الذي كانت تتلقى فيه معاش التقاعد المبكر في الدنمارك.
وعندما سُئلت عن سبب توجهها إلى السويد، قالت إن الدنماركيين عاملوها بصورة غير عادلة وإن زوجها قيس قال لها إن عليها الذهاب إلى السويد.
وأوضحت كذلك أنها شعرت بأنها كانت «مراقبة من قبل الدنماركيين»، وأن «حالتي النفسية تحطمت تمامًا»، وذلك بعد أن حُكم عليها عام 2006 بالسجن دون وقف التنفيذ بسبب العنف وسوء المعاملة تجاه ابنة زوجها.
وقالت سلوى جواد إن زوجها أخبرها بأن أحدًا لن يكتشف الأمر، وإن بإمكانها أن تكون هادئة تمامًا.
أرسلا ابنهما إلى السويد بمفرده
كما تناول تحقيق القناة الثانية قضية ابن الزوجين، الذي أرسله والده من الدنمارك إلى السويد عام 2009 لتقديم طلب لجوء. وبحسب رواية الابن، أعطاه والده تعليمات باستخدام اسم عائلة مزيف والقول إنه جاء مباشرة من العراق، رغم أنه كان يعيش في الدنمارك.
وكانت هذه المعلومات هي التي دفعت القناة الثانية إلى التحقيق فيما إذا كان قيس قاسم وسلوى جواد قد اتبعا الأسلوب نفسه عندما تقدمت سلوى بطلب اللجوء في السويد عام 2010.
ويعيش الزوجان حاليًا في الدنمارك، لكن السلطات السويدية تلقت معلومات تفيد بأنهما غادرا السويد وسافرا إلى العراق. وهما لم يعودا متزوجين.
كما ذكرت القناة الثانية أن قيس قاسم أُدين بارتكاب جرائم عنف بحق كل من ابنه وابنته، في حين أُدينت سلوى جواد بارتكاب جريمة عنف بحق ابنة زوجها.
الاشتباه بوجود حالات أخرى
بحسب ينس فيدستيد-هانسن، أستاذ القانون وخبير شؤون اللجوء، فإن القضية تثير «مشكلات قانونية حقيقية وخطيرة».
وقال للقناة الثانية إن ما حدث كان ممكنًا لأن السلطات في إحدى الدول لم تكن تعرف ظروف الزوجين في الدولة الأخرى، ولم تكن تعرف ما الذي كانت تفعله سلطات الدولة الأخرى.
وليس من غير القانوني بحد ذاته تقديم طلب لجوء في دولتين من دول الاتحاد الأوروبي، لكن تقديم معلومات كاذبة أو تزوير وثائق للحصول على الإقامة أو المزايا العامة يشكل مخالفة قانونية.
وقال أندرس فيستيسن، المتحدث باسم حزب الشعب الدنماركي للشؤون القانونية: «لدي شك في أن هذه الظاهرة أكثر انتشارًا، ويجب التحقيق في الأمر».
ويستند فيستيسن في شكوكه إلى تصريحات أدلى بها الكاتب يعقوب علي. فقد كتب يعقوب علي في مقال بصحيفة B.T.، تعليقًا على الفيلم الوثائقي للقناة الثانية، أن التحايل للحصول على إقامة في دولتين يُعد ظاهرة معروفة في أوساط العراقيين في الدنمارك.
لماذا لم تكتشف السلطات الأمر؟
توضح القناة الثانية، أنه عندما يتقدم شخص بطلب لجوء في الاتحاد الأوروبي، تُؤخذ عادةً بصمات أصابعه وتُسجل في قاعدة بيانات يمكن للدول الأعضاء الرجوع إليها.
لكن البصمات تُحذف بعد عشر سنوات لأسباب تتعلق بحماية البيانات الشخصية. كما لا يتم أخذ بصمات الأصابع عند إجراء لمّ شمل الأسرة بالطريقة نفسها.
وفي حالة سلوى جواد، لم تكن بصماتها متاحة في قاعدة البيانات عندما تقدمت بطلب اللجوء في السويد، لأنها كانت قد انتقلت في السابق إلى الدنمارك عن طريق لمّ الشمل مع قيس قاسم.
وفوق ذلك، كان قد مر أكثر من عشر سنوات بين لمّ شملها في الدنمارك وتقديمها طلب اللجوء في السويد، ولذلك حتى لو كانت قد أعطت بصماتها في الدنمارك، لكانت قد حُذفت من قاعدة البيانات.
القضية تصل إلى البرلمان الدنماركي
لم تتوقف تداعيات التحقيق عند حدود وسائل الإعلام. ففي 4 سبتمبر أيلول 2026، وبعد يومين فقط من نشر تقرير القناة الثانية، تقدم نواب في البرلمان الدنماركي بأسئلة رسمية إلى الحكومة بشأن القضية.
فقد طالب النائب نيك زيمرمان من حزب الشعب الدنماركي وزير العمل بالكشف عما إذا كانت السلطات قد أعادت فتح ملف معاش التقاعد المبكر الخاص بسلوى جواد، وما إذا كانت ستبحث إمكانية مطالبتها بإعادة الأموال التي حصلت عليها، أو إحالة القضية إلى الشرطة. كما سأل عن سبب عدم اكتشاف السلطات في وقت سابق احتمال حصولها على إعانات دنماركية وسويدية في الوقت نفسه.
وفي الوقت نفسه، قدم نواب من حزب الديمقراطيين الدنماركيين سؤالًا إلى وزير الهجرة والاندماج حول عدد الحالات المشابهة التي تعرفها الحكومة والسلطات الدنماركية، خصوصًا الحالات التي يحصل فيها أشخاص لديهم إقامة في الدنمارك على إقامة أو جنسية في دولة أوروبية أخرى من دون علم السلطات الدنماركية.
وهكذا تحولت القضية من تحقيق تلفزيوني إلى موضوع رسمي أمام البرلمان، مع دعوات للتحقق مما إذا كان الأمر يتعلق بحالة منفردة أم بمشكلة أوسع في أنظمة اللجوء والرعاية الاجتماعية.
مطالب بسحب الإقامة ومعاش التقاعد
وطالب سياسيون الحكومة بالنظر في إمكانية سحب تصاريح الإقامة والمزايا التي حصل عليها الزوجان إذا ثبت ارتكابهما مخالفات قانونية، إلى جانب بحث إمكانية استرداد الأموال التي دُفعت لهما.
وقال مورتن داهلين، المتحدث باسم الحزب الليبرالي لشؤون الأجانب، إن الحكومة يجب أن تبحث في كيفية سحب تصريح الإقامة ومعاش التقاعد المبكر من الشخصين إذا ثبت أنهما خدعا النظام.
وفي المقابل، تؤكد سلوى جواد أنها لم تكن تعرف أن ما فعلته غير قانوني، وقالت إنها كانت تعتمد على ما أخبرها به زوجها.
وزير الهجرة الدنماركي يريد التحدث مع نظيره السويدي
وعلّق وزير الهجرة والاندماج الدنماركي مورتن بودسكوف (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) على المعلومات التي كشفتها القناة الثانية، معلنًا أنه يريد مناقشة القضية مع نظيره السويدي.
وقال بودسكوف، وفقًا لما نقلته القناة الثانية: «أشعر بغضب حقيقي عندما أسمع كيف قام الزوجان، ببرود وبشكل ساخر، بخداع مجتمعنا والكذب من أجل الحصول على تصريح إقامة في السويد بهدف الاستيلاء على إعانات لا يحق لهما الحصول عليها».
ولا تزال العواقب القانونية النهائية للقضية غير محسومة، إذ يتعين على السلطات المختصة تحديد ما إذا كانت هناك جرائم أو مخالفات تستوجب الملاحقة أو سحب بعض الحقوق والمزايا.
قضية عدنان الأسدي تعيد إلى الواجهة ملفًا أقدم
وتعيد قضية الزوجين العراقيين إلى الذاكرة قضية عراقية أقدم أثارت جدلًا في الدنمارك عام 2009، وكانت مرتبطة بـ عدنان هادي نوري الأسدي، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز المسؤولين الأمنيين في العراق وشغل منصب الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية العراقية.
وكان الأسدي قد انتقل إلى الدنمارك في أواخر الثمانينيات قبل عودته إلى العراق بعد عام 2003، ثم تولى مناصب حكومية وأمنية رفيعة، وأصبح لاحقًا عضوًا في البرلمان العراقي أيضًا.
وفي سبتمبر أيلول 2009، نشرت وسائل إعلام دنماركية، من بينها صحيفة إكسترا بلادِت، تقريرًا حول الأسدي وعائلته. وأفاد التقرير بأن الأسدي، الذي كان يحمل الجنسية الدنماركية ويشغل منصبًا رفيعًا في وزارة الداخلية العراقية، كان يحصل على دخل مرتفع في العراق، بينما كانت زوجته وأطفاله الثلاثة يقيمون في كوبنهاغن ويحصلون على مساعدات اجتماعية ودعم للسكن من البلدية الدنماركية.
وقد أعادت مصادر أرشيفية نقل مضمون التقرير، الذي وصف القضية باعتبارها واحدة من حالات أثارت التساؤلات في ذلك الوقت حول استفادة سياسيين عراقيين ذوي مناصب ودخول في العراق من أنظمة الإعانات الدنماركية.
من قضية فردية إلى سؤال عن النظام
أبرز ما تطرحه قضية قيس قاسم وسلوى جواد أمام السلطات الدنماركية لا يتعلق فقط بمصير الزوجين، بل بقدرة أنظمة تبادل المعلومات بين الدول الأوروبية على منع حصول الشخص نفسه على حقوق ومزايا في أكثر من دولة، مستندًا إلى معلومات مختلفة أو غير صحيحة يقدمها للسلطات.
ولهذا السبب، لم يقتصر النقاش السياسي في الدنمارك على الإجراءات المحتملة بحق الزوجين، بل اتسع ليشمل احتمال وجود حالات أخرى مشابهة، ولا سيما في أوساط الجالية العراقية، بعدما أشار التحقيق التلفزيوني إلى أن استخدام وثائق أو معلومات مزورة قد يكون عاملًا في بعض هذه الحالات. وطالب نواب السلطات بتحديد مدى انتشار مثل هذه الوقائع، والكشف عما إذا كانت هناك ثغرات في أنظمة تبادل المعلومات بين الدنمارك والدول الأوروبية الأخرى، وخصوصًا السويد.
وبذلك، تحولت قصة بدأت بتحقيق صحفي بثته القناة الثانية في 2 سبتمبر أيلول 2026 إلى قضية سياسية وصلت إلى البرلمان الدنماركي بعد يومين فقط، وأعادت في الوقت نفسه إلى الواجهة تساؤلات أوسع حول قدرة أنظمة الرعاية الاجتماعية وتبادل المعلومات بين الدول الأوروبية على منع الاستفادة غير المشروعة من الحقوق والمزايا في أكثر من دولة.
المراجع
«احتالا على الدنمارك والسويد لمدة 16 عامًا.. والآن تطالب أحزاب باتخاذ إجراءات»، القناة الثانية الدنماركية، 2 سبتمبر أيلول 2026.
https://www.tv2east.dk/slagelse/har-bedraget-danmark-og-sverige-i-16-ar-nu-kraever-partier-indgreb-54581
«سؤال برلماني بشأن قضية سلوى جواد»، البرلمان الدنماركي، 4 سبتمبر أيلول 2026.
https://www.ft.dk/samling/20252/almdel/beu/spm/149/index.htm
«سؤال حول حالات حصول أشخاص على إقامة أو جنسية في دولة أخرى دون علم السلطات الدنماركية»، البرلمان الدنماركي، 4 سبتمبر أيلول 2026.
https://www.ft.dk/samling/20252/almdel/UUI/spm/347/index.htm
«خبر حول حصول عائلة السياسي العراقي عدنان الأسدي على مساعدات اجتماعية في الدنمارك»، صحيفة إكسترا بلادت، 2009.
https://ekstrabladet.dk/nyheder/samfund/article4207666.ece
انتهى




