
Oplus_16908288
خالد الغريباوي
في الحروب الكبرى لا تقاس قوة الدول فقط بحجم ما تمتلكه من طائرات وصواريخ وسفن وقواعد عسكرية، وإنما بقدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية قابلة للتحقق. فقد تبدأ الحرب بتفوق عسكري واضح، لكن مسارها قد يتغير عندما يتحول الصراع من معركة لإلحاق الضرر بالخصم إلى معركة لإجباره على تقديم التنازلات. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة المشهد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تبدو واشنطن أمام اختبار استراتيجي يتجاوز حدود الميدان العسكري.
الرئيس دونالد ترامب استخدم خلال الحرب أدوات القوة الأمريكية بأقصى درجاتها تقريباً، من القوة الجوية والبحرية والضربات بعيدة المدى إلى الحصار والضغط على الملاحة والاستعانة بشبكة الحلفاء والشركاء في المنطقة. ومع ذلك فإن التفوق العسكري لم يتحول حتى الآن إلى النتيجة السياسية التي كانت واشنطن تراهن عليها، أي إخضاع إيران أو إسقاط نظامها أو إجبارها على القبول بالشروط الأمريكية.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية. فالولايات المتحدة ما زالت قادرة على توجيه ضربات عسكرية شديدة، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحديد الطريق الذي يقود من هذه الضربات إلى نهاية سياسية للحرب. وكلما طال أمد المواجهة، أصبحت الخيارات الأمريكية المتبقية أكثر كلفة وأكثر خطورة.
لقد نجحت إيران في نقل جزء مهم من مركز الثقل الاستراتيجي للحرب من الأراضي الإيرانية إلى الممرات البحرية. وأصبح مضيق هرمز ورقة ضغط تتجاوز البعد العسكري إلى الاقتصاد العالمي، لأن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة ينعكس على أسعار النفط والطاقة وسلاسل الإمداد وحركة رؤوس الأموال، ولا يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة وإنما يمتد إلى حلفائها في الخليج وأوروبا وآسيا.
ولهذا فإن فتح مضيق هرمز بالقوة ليس قراراً عسكرياً بسيطاً. فإعادة الملاحة إلى طبيعتها قد تتطلب عمليات بحرية وجوية واسعة ومستمرة، وقد تؤدي إلى مزيد من التصعيد بدلاً من إنهائه. وبذلك تتحول المسألة من سؤال عسكري حول القدرة على فتح المضيق إلى سؤال استراتيجي حول كلفة المحافظة على أمنه بعد فتحه.
أما الانتقال إلى استخدام قوات برية أمريكية على نطاق واسع داخل إيران، فهو خيار أكثر تعقيداً وخطورة. فإيران ليست ساحة عسكرية محدودة، وإنما دولة كبيرة ذات جغرافيا واسعة وقدرات صاروخية ومسيّرات وشبكات عسكرية وأمنية قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة. ولذلك فإن أي انتشار بري أمريكي واسع قد يفتح مرحلة جديدة من الحرب ويجعل الخسائر البشرية والسياسية أكثر حضوراً في الحسابات الأمريكية.
وفي المقابل، لا تحتاج إيران بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي على الولايات المتحدة. فالمعيار الإيراني للنجاح يمكن أن يكون مختلفاً تماماً؛ يكفي أن تمنع واشنطن من تحقيق أهدافها السياسية، وأن ترفع كلفة الحرب، وأن تجعل القواعد والقوات والمصالح الأمريكية في المنطقة تحت ضغط مستمر، وأن تدفع الإدارة الأمريكية في النهاية إلى البحث عن تسوية تحفظ لها مخرجاً سياسياً.
وتزداد صعوبة الموقف الأمريكي مع اتساع دائرة الصراع إقليمياً. فالتطورات في البحر الأحمر وباب المندب، وتصاعد تقدم الحوثيين والسيطرة على الساحل الغربي للبحر الأحمر حيث باب المندب بالكامل، يمكن أن يضيفا جبهة ضغط أخرى على الولايات المتحدة وحلفائها. وإذا تزامن الضغط على مضيق هرمز مع اضطراب الملاحة في باب المندب، فإن الحرب تتحول من مواجهة إيرانية أمريكية إلى أزمة استراتيجية تمس أمن الطاقة والتجارة العالمية في القريب العاجل.
وهنا تدخل السياسة الداخلية الأمريكية بقوة في الحسابات العسكرية. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، لم تعد الحرب مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالاقتصاد وأسعار الطاقة وثقة الناخبين بأداء الإدارة. ولذلك فإن حديث ترامب عن انتهاء الحرب بعد الانتخابات يحمل في الوقت نفسه رسالة إلى إيران ورسالة إلى الداخل الأمريكي، مفادها أن الحرب لن تتحول إلى صراع مفتوح بلا نهاية.
لكن ربط نهاية الحرب بموعد انتخابي يحمل مخاطرة سياسية أيضاً، لأن عدم القدرة على إنهاء الحرب في الموعد المعلن قد يحول هذا الوعد من عنصر قوة إلى نقطة ضعف، خصوصاً إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة واستمرت الخسائر أو اتسعت دائرة المواجهة.
وفي إسرائيل لا تختلف الصورة كثيراً من حيث ارتباط الحرب بالحسابات السياسية. فنتنياهو يحتاج إلى تقديم الحرب باعتبارها إنجازاً أمنياً واستراتيجياًحتى لايخسر الانتخابات المقبلة، بينما تحتاج واشنطن إلى منع تحولها إلى استنزاف طويل. وقد تزداد أهمية هذه الفجوة إذا بدأت المصالح السياسية الأمريكية والإسرائيلية تتباعد بشأن توقيت إنهاء الحرب وشكل التسوية المطلوبة.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيداً من المراحل السابقة. إيران قد تلجأ إلى زيادة الضغط على القواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها، ليس بالضرورة بهدف تحقيق انتصار عسكري مباشر، وإنما بهدف رفع كلفة الحرب إلى المستوى الذي يجعل استمرارها سياسياً أكثر صعوبة على الإدارة الأمريكية.
وهذا يقودنا إلى جوهر المأزق الاستراتيجي الذي يواجهه ترامب: الولايات المتحدة لم تفقد قدرتها العسكرية، لكنها قد تواجه مشكلة في تحويل هذه القدرة إلى نصر سياسي واضح. فالقوة الأمريكية تستطيع تدمير الأهداف، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تفرض على إيران شكل النهاية التي تريدها واشنطن.
وفي مثل هذه الحروب يصبح الزمن عاملاً من عوامل القوة. الولايات المتحدة تراهن على الحسم والضغط السريع، بينما تستطيع إيران أن تراهن على الاستنزاف وإطالة أمد الأزمة وتوسيع كلفتها الإقليمية والدولية.
لذلك فإن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون محصورة في الأجواء الإيرانية أو في مواقع الصواريخ والقواعد العسكرية، بل ستدور أيضاً في مضيق هرمز وباب المندب وأسواق النفط، وفي الحسابات السياسية داخل واشنطن وتل أبيب، وصولاً إلى صناديق الاقتراع.
وربما تكون المفارقة الأهم أن ترامب لا يواجه اليوم مشكلة في القدرة على مواصلة الحرب، وإنما في القدرة على إنهائها بالشكل الذي يريد. فكلما استمرت الحرب، ازدادت فرص إيران في تحويل الزمن إلى أداة ضغط، وازدادت معها الكلفة الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي النهاية، فإن النصر في الحروب لا يقاس بعدد الأهداف التي دُمرت، وإنما بالقدرة على تحقيق الأهداف السياسية التي بدأت الحرب من أجلها. وإذا لم تستطع القوة العسكرية أن تنتج تسوية سياسية بشروط مقبولة، فإن التفوق العسكري نفسه قد يتحول تدريجياً من مصدر قوة إلى عبء استراتيجي.


