
إقليم كوردستان إلى أين؟ لنغلق أبواب الواسطة ونفتح أبواب العدالة !
بقلم / يحيى هركي ـ كاتب وصحفي ـ المانيا
نلوم المواطن لأنه يبحث عن الواسطة ونلومه لأنه يحاول الهروب من بعض الرسوم ونلومه عندما يبحث عن طريق مختصر لإنجاز معاملته لكننا ننسى أحياناً أن نسأل السؤال الأهم من الذي دفع هذا المواطن أصلاً إلى البحث عن الباب الخلفي عندما أغلقنا في وجهه الباب الأمامي.
هذه ليست دعوة لتبرير الغش ولا للدفاع عن الفساد بل دعوة للبحث عن أصل المرض قبل مهاجمة أعراضه لأن الفساد لا يولد دائماً في جيب المواطن بل قد يولد أولاً في قانون معقد وفي رسوم تثقل الناس وفي دائرة تجعل المعاملة البسيطة تحتاج أياماً وفي نظام يجعل صاحب العلاقة أقوى من صاحب الحق.
في إقليم كوردستان نريد من المواطن أن يحترم القانون وهذا حق لكن علينا في المقابل أن نصنع قانوناً يستطيع المواطن أن يحترمه فعندما تكثر الضرائب والرسوم والتعقيدات وعندما يصبح تحويل سيارة أو بيع بيت أو فتح مطعم أو تأسيس مشروع أو إنجاز معاملة عادية رحلة بين المكاتب والتواقيع فإن بعض الناس سيبدأون حتماً بالبحث عن واسطة أو ثغرة أو طريق آخر.
والأخطر من ذلك عندما يشعر التاجر أو صاحب المشروع أن رأس المال والعمل والكفاءة لا تكفي وأنه يحتاج إلى حماية أو علاقة أو شخص صاحب نفوذ يقف خلفه أو يدخل معه شريكاً حتى يستطيع أن يعمل بأمان فهنا لا يعود السؤال لماذا يبحث المواطن عن الواسطة بل لماذا صنعنا نظاماً جعله يشعر أنه لا يستطيع العيش من دونها.
أنا لا أبرر من يغش ولا من يسرق ولا من يخالف القانون عمداً فالخطأ يبقى خطأ والمواطن يتحمل مسؤولية أفعاله لكن المسؤولية الأكبر تقع على من يملك القدرة على تغيير النظام ولا يغيره وعلى من يستطيع أن يجعل القانون سهلاً وعادلاً ثم يتركه معقداً.
الحكومة الناجحة لا تحارب الفساد بالعقوبات والشعارات وحدها بل تجفف الأرض التي ينمو فيها الفساد وتجعل الطريق القانوني أرخص وأسرع وأسهل من الطريق غير القانوني.
ولو كنت مستشاراً لحكومة إقليم كوردستان لنصحتها بأن تبدأ من حياة المواطن اليومية فتقلل الرسوم والأعباء غير الضرورية وتبسط معاملات تسجيل السيارات والعقارات والمطاعم والشركات وتحول أكبر عدد ممكن منها إلى معاملات إلكترونية وتعلن الرسوم والشروط بوضوح وتمنع تدخل أصحاب النفوذ في تجارة الناس ومشاريعهم وتجعل المواطن قادراً على الحصول على حقه من دون أن يعرف مسؤولاً أو حزباً أو صاحب واسطة.
عندها فقط تستطيع الحكومة أن تقول للمواطن احترم القانون لأنها جعلت القانون يحترمه ولا تستخدم الواسطة لأنها أغلقت باب الواسطة وفتحت أمامه باب الحق.
وأقول لأحبائي وأبناء جلدتي في إقليم كوردستان إننا إذا أردنا فعلاً محاربة الفساد فلا يكفي أن نطارد المواطن بعد وقوع الخطأ بل علينا أن نملك الشجاعة لنعود خطوة إلى الوراء ونسأل من صنع الظروف التي دفعت الناس إليه.
لا تصنعوا ألف عقبة أمام المواطن ثم تسألوه لماذا بحث عن ثغرة ولا تجعلوا الواسطة أسرع من القانون ثم تستغربوا لماذا طرق الناس بابها ولا تثقلوا التاجر بالرسوم والتدخلات ثم تسألوه لماذا يبحث عن طريق للنجاة
الدولة القوية ليست الدولة التي يخاف مواطنها من القانون بل الدولة التي يثق مواطنها بالقانون لأنها جعلته طريقاً إلى حقه لا عقبة أمامه.
فإذا أردنا مواطناً نزيهاً علينا أولاً أن نبني نظاماً يساعده على أن يبقى نزيهاً وإذا أردنا القضاء على الواسطة فعلينا ألا نكتفي بمحاربة من يستخدمها بل علينا أن نبني دولة لا يحتاج فيها الإنسان إلى واسطة أصلاً.
لا أكتب لأنتقد فقط بل أكتب لأغيّرلأن أبناء كوردستان يستحقون دولة تحترم كفاءتهم وكرامتهم وحقوقهم ولأن الإصلاح ممكن والفساد ليس قدراً.
#إقليم_كوردستان #الإصلاح #العدالة #مكافحة_الفساد #لا_للواسطة #سيادة_القانون #يحيى_هركي



