
بقلم … عصام الصميدعي
هل يتخلى الشرق الأوسط عن الغرب؟ سؤال فلسفي يطرحه أصحاب الوعي التحليلي. لننظر إلى فلسفة إدارة الدولة في العراق وإيران، ومن وضع مسلماتها التطبيقية؛ فالمعروف عالمياً أن بريطانيا هي من رسمت الحدود، وأدارت الأنظمة النقدية والقوانين ومخططات البنى التحتية والجيوش والخدمات، حتى إن اللغة كانت تُدرّس بالإنجليزية. كما أن تلك الإدارة كانت متسقة في منظورها الفكري مع المعتقدات الدينية والحرية الشخصية، وغير مقيدة بالوعي الآلي الذي تفرضه العقيدة المادية في إدارة الدولة، والتي تحصر الإنسان في فلسفة الواقع الإنتاجي.
لذا، نجد أن معظم دول الشرق الأوسط تميل إلى المعتقد الغربي الليبرالي؛ لأنه لا يعتمد على صياغة “الوعي البرهاني” الذي يستمد قوته من الطبيعة والتطبيق فقط، حيث يُنظر للإنسان كآلة في ديناميكية حياة نحو الأفضل تنتهي بنهاية وجوده في الدنيا. وهذا عكس الفكر السماوي الشرقي القائم على أن الإنسان في حالة اختبار إلهي، مما يجعله مرتبطاً بعقيدة الثواب والعقاب.
وهنا بيت القصيد: هل يتجه الشرق الأوسط إلى العقيدة الوسطية التي تفرضها الصين والولايات المتحدة؟ مع ملاحظة الفوارق بين رؤية تبحث عن اللذة والمتعة والرفاهية والمنفعة، ورؤية تفرض على الإنسان أن يكون منتجاً ذا وعي آلي ناضج، يتحتم عليه العمل ليعيش وإلا كان الفناء مصيره.
إن شعوب الشرق الأوسط لا تقبل بفرض عقيدة “الآلة” عليها؛ لأنها نظمت حياتها أساساً على البعد الميتافيزيقي الذي يؤمن بالخلود في حياة ما بعد الموت، وهو ما يتناسب مع الفكر الرأسمالي الذي وفر مجالاً لاستغلال هذا المنحى ضمن فلسفة الأخلاق النفعية. لذا، أقول إنه من المحال أن يتجه الشرق الأوسط لتبني الفكر البروليتاري الصيني كبديل للمعتقد الليبرالي الغربي، رغم أن الأخير -بأغلبه- شيطاني براغماتي، إلا أنه يظل متوافقاً مع الميول العقائدية للمنطقة؛ مما جعل شعوبها تميل للغرب في كل شيء، باعتباره حضارة عابرة للحدود تتناسب مع العقل الإدراكي السائد.




