سبتمبر 16, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية الفرق بين الهلوع والجزوع، حيث يُمثلان صفتين للنفس البشرية عند مواجهة الشدائد والابتلاءات، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الشمول والشدة والتعبيرات السلوكية: الهلوع (أصل الطبع وشدة الخوف والحرص) المفهوم: هو شدة الحرص مع أقصى درجات الجزع والتبرم، فهو طبع ونفسية تجتمع فيها شدة الخوف عند النوازل وشدة المنع والإمساك عند الرخاء. الأصل والصفة: مأخوذ من “الهَلَع”، وهو الخوف الشديد والحرص الذي لا يستقر معه صاحبه، بل يجعله مضطرباً متقلباً. الاستعمال القرآني: ورد في وصف خِلْقة الإنسان وجبلّته النفسية إذا خلا من الإيمان واليقين، حيث فسره القرآن الكريم نفسه بالآيتين التاليتين له مباشرة: “إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا” (المعارج 19-21). الجزوع (سلوك انفعالي عند وقوع الشر) المفهوم: هو عدم الصبر على المكروه والتأفف الشديد وحيرة النفس عند نزل البلاء، بحيث يضعف صاحبه عن حبس نفسه أو التماسك. الأصل والصفة: مأخوذ من “الَجَزَع” وهو القطع (وكأن الصبر قد انقطع)، فالجزوع يظهر انفعاله جزعاً وصراخاً أو يئساً بمجرد أن يمسه الشر. الاستعمال القرآني: جاء الجزع في القرآن إما تفسيراً وتفصيلاً لجانب من جوانب الهلع كما في آيات سورة المعارج، أو مقابل الصبر: “سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ” (إبراهيم 21). خلاصة الفرق: الهلوع صفة شاملة للذات والطبع المتردد بين حالة الشر وحالة الخير (يجزع عند الشر ويمسك عند الخير)، بينما الجزوع هو حظر وصورة انفعالية خاصة تظهر عند حلول الشر والضر فقط كرد فعل لضعف الصبر وانقطاعه. فـ “الجزوع” جزء ومظهر من مظاهر “الهلوع”.

يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في دراساته للبيان واللغة الفروق الدلالية والقرآنية بين العصابة والشرذمة، حيث يعبر اللفظان عن تجمع أو جماعة من الناس، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في العدد، والتلاحم، والنظرة التقييمية للجماعة: العصابة (جماعة متلاحمة وقوية) المفهوم: هي الجماعة المتعصبة أو المتعاضدة التي يشد بعضها بعضاً، وتطلق عادة على العدة والعدد القوي من الرجال (ما بين العشرة إلى الأربعين وقيل أكثر). الأصل والصفة: مأخوذة من “العَصْب” وهو الشد والربط، فسميت عصابة لأن أعضاءها يشدون أزر بعضهم البعض ويشكلون قوة متماسكة. ولا تحمل الصفة بالضرورة معنى السوء لغوياً، بل تعني الجماعة القوية المتماسكة (وإن استُعملت حديثاً في الإجرام). الاستعمال القرآني: وردت في القوة والعدد المتماسك الذي يُعتمد عليه: “قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ” (يوسف 14) إشارة إلى قوتهم وتلاحمهم كإخوة. “إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ” (النور 11) أي جماعة متكتلة متآمرة. الشرذمة (جماعة قليلة وحقيرة) المفهوم: هي القطعة القليلة التافهة من الناس أو الشراذم المتفرقة التي لا وزن لها ولا قيمة. الأصل والصفة: مأخوذة من “الشَّرْذَمَة” وهي البقية القليلة من الشيء أو الثوب الممزق، فالشرذمة تحمل في أصل معناها التقليل، والتذقير، والانقطاع عن الأصل، وعدم الأهمية. الاستعمال القرآني: وردت على لسان فرعون في تقليله من شأن بني إسرائيل واسترخاص عددهم وقوتهم: “إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ” (الشعراء 54) استُعملت هنا في مقام الاستخفاف والتحقير من حجم العدو وعدده. خلاصة الفرق: العصابة (أو العصبة) تُطلق على الجماعة المتلاحمة والقوية التي يشد بعضها بعضاً وتملك عصبة وقوة، بينما الشرذمة تُطلق على الجماعة القليلة والمستحقرة المتفرقة التي لا تُشكل ثقلاً ولا يُحسب لها حساب.

يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية الفرق بين الخطابة والمحادثة، حيث يعبر اللفظان عن أشكال من التواصل والتكلم، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الاتجاه، والهدف، وطبيعة المخاطَب: الخطابة (تواصل في اتجاه واحد للإقناع والتأثير) المفهوم: هي إلقاء القول من متكلم واحد نحو جمع أو مخاطَب في مقام المواجهة والتأثير، بغرض الموعظة، أو الإقناع، أو إقامة الحجة. الأصل والصفة: مأخوذة من “الخَطْب” وهو الأمر العظيم، فالخطابة تكون عادة في شأن ذي بال، وتتميز بالاستعلاء الإيماني أو البياني، وتدفق القول من طرف واحد (المتكلم) دون انتظار رد فورِي أو مقاطعة من المستمع. الاستعمال القرآني: جاءت في سياق الخطاب الإلهي أو إلقاء الحجج والمواعظ: “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ” (فصلت 33). “فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا” (فصلت 11). المحادثة (تفاعل وتبادل بين طرفين) المفهوم: هي الأخذ والرد في الكلام بين شخصين أو أكثر على سبيل المشاركة والتداول والأنس. الأصل والصفة: مأخوذة من “الحديث” و”الحدوث”، وتقتضي المشاركة والتبادل (صيغة تفاعل/مُفاعلة)، فالحديث يجري بين طرفين يتناوبان الاستماع والحديث، وغالباً ما تكون في الشؤون اليومية أو الاستيضاح والتبسط. الاستعمال القرآني: ورد أصل “الحديث” و”المحاورة” في سياق التراجع والتداول بين طرفين: “وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا” (المجادلة 1) إشارة إلى التبادل والأخذ والرد في القول. “قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ” (الكهف 37). خلاصة الفرق: الخطابة هي توجيه القول من طرف واحد نحو الجمهور أو المخاطَب للتأثير والإقناع في أمر جليل، بينما المحادثة هي تفاعل وتبادل مزدوج في الكلام بين طرفين يتناوبان القول والإنصات.