
ضياء المهندس
يمكن معالجة أزمة السلاح خارج إطار الدولة من دون الذهاب إلى صدام عسكري، بل إن الصدام ينبغي أن يكون آخر خيار وليس نقطة البداية. وفي الحالة العراقية تحديداً، المشكلة ليست تقنية فقط؛ إنها خليط من الأمن والسياسة والشرعية والمصالح الاقتصادية والهواجس الإقليمية.
الدستور العراقي واضح جداً: القوات المسلحة تخضع للسلطة المدنية، ويحظر تشكيل ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، كما أن وضع سياسة الأمن الوطني وإنشاء القوات المسلحة وإدارتها من الاختصاصات الاتحادية.
وفي 2026 ظهرت بالفعل مؤشرات على إمكانية الحل التفاوضي؛ فقد أعلنت قوى وفصائل مسلحة استعدادها لوضع السلاح تحت سيطرة الدولة أو فصل الأجنحة العسكرية عن النشاط السياسي، بينما بدأت الحكومة إجراءات عملية للدمج وإنهاء الارتباطات السياسية للتشكيلات المسلحة.
ما هو الحل الواقعي؟
أرى أن العراق يحتاج إلى “صفقة وطنية للانتقال من تعدد مراكز القوة إلى دولة المؤسسات”، تقوم على عدة مراحل:
1. وقف لغة التهديد المتبادل
لا تبدأ الحكومة بعبارة “سنصادر السلاح بالقوة”، ولا تبدأ الفصائل بعبارة “لن نسلم السلاح مهما كان الثمن”.
الطرفان بحاجة إلى إعلان مبدأ واحد:
لا غالب ولا مغلوب… الدولة هي الرابح.
فالهدف ليس إذلال الفصائل أو تفكيكها بصورة انتقامية، وإنما نقل القوة العسكرية تدريجياً من التنظيمات إلى المؤسسات الدستورية.
وهذا مهم جداً لأن بعض التحليلات الحالية تحذر من أن فرض العملية بمنطق المنتصر والمهزوم قد يؤدي إلى مواجهة، بينما يكون الحوار التدريجي أكثر واقعية.
2. التمييز بين “السلاح” و”صاحبه”
هذه نقطة جوهرية.
لا ينبغي التعامل مع آلاف المقاتلين وكأنهم جميعاً مشكلة أمنية.
يمكن إنشاء برنامج وطني بثلاثة مسارات:
من يريد الاستمرار بالخدمة: يدمج في القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية وفق شروط مهنية موحدة.
من يريد العمل السياسي: يترك النشاط العسكري ويتحول إلى العمل السياسي المدني.
من يريد الخروج من العمل العسكري نهائياً: يحصل على برنامج تقاعد أو إعادة تأهيل أو تدريب مهني وفرص عمل.
وبذلك يصبح الخيار:
سياسة بلا سلاح، أو سلاح داخل الدولة.
وهو مبدأ سبق أن طُرح عراقياً بصيغ قريبة من هذا الاتجاه.
3. دمج الأفراد وليس التنظيمات
هذه ربما أهم نقطة.
الخطأ هو أن نقول:
“ندمج الفصيل داخل الدولة.”
الأصح:
“ندمج المقاتل المؤهل داخل الدولة، وننهي الازدواجية التنظيمية.”
أي لا يبقى للحزب أو الفصيل:
قيادة عسكرية مستقلة
مخازن أسلحة مستقلة
أجهزة استخبارية مستقلة
مصادر تمويل عسكري مستقلة
قرار حرب وسلم مستقل.
المقاتل يصبح عراقياً تابعاً للمؤسسة العسكرية، وليس تابعاً لزعيم سياسي.
4. إنشاء “هيئة وطنية لإدارة الانتقال”
تكون برئاسة رئيس الوزراء، وتضم ممثلين عن:
وزارة الدفاع
وزارة الداخلية
الحشد الشعبي
البرلمان
القضاء
ممثلين عن القوى السياسية
خبراء أمنيين وقانونيين مستقلين.
وتكون مهمتها إدارة الانتقال وليس فرضه بالقوة.
وتضع جدولاً زمنياً واضحاً لتسجيل السلاح والأفراد والمقار والآليات، وتحديد ما يدخل في المؤسسات الرسمية وما يجب تسليمه.
وهذا قريب من الاتجاه الذي بدأت به الحكومة فعلاً عبر لجنة مركزية تضم ممثلين عن الدفاع والداخلية والحشد والجهات القانونية.
المعلومات العراقية
5. معالجة “مخاوف الفصائل” وليس السلاح فقط
السؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومة على الفصيل هو:
لماذا تتمسك بالسلاح؟
قد تكون الإجابات:
الخوف من عودة الإرهاب.
الخوف من طرف سياسي آخر.
الخوف من الخارج.
فقدان النفوذ.
فقدان الوظائف والمكانة.
الخوف من الملاحقة القانونية.
الاعتقاد بأن الدولة غير قادرة على حمايتهم.
لذلك يجب أن تقدم الحكومة ضمانات قانونية وسياسية حقيقية، باستثناء الجرائم التي يثبتها القضاء.
فالذي يترك السلاح طوعاً يجب ألا يشعر أنه سلّم نفسه للمجهول.
6. قانون واضح للسلاح والتمويل السياسي
لا يكفي الحديث عن تسليم البنادق.
يجب تنظيم:
السلاح + التمويل + المقرات + الشركات + الأجهزة الأمنية + النشاط السياسي.
لأن أخطر صورة ليست أن يحمل السياسي بندقية، وإنما أن يكون لديه:
حزب سياسي + جناح مسلح + مؤسسة اقتصادية + شبكة إعلامية + جهاز أمني.
هذه تصبح دولة داخل الدولة.
7. ضمان عدم استخدام القوات الحكومية ضد الخصوم السياسيين
وهذا شرط أساسي لنجاح العملية.
على الحكومة أن تقول للفصائل:
“سأطلب منكم تسليم السلاح، لكنني في المقابل أتعهد بأن القوات المسلحة لن تكون أداة لتصفية الخصوم السياسيين.”
وهنا تصبح الدولة حَكَماً وليس طرفاً في الصراع.
8. اتفاق سياسي عراقي ـ عراقي
ينبغي ألا يظهر الملف وكأنه:
الحكومة العراقية تنفذ أجندة أمريكية ضد الفصائل.
لأن ذلك سيحوّل القضية من:
سلاح الدولة
إلى:
مقاومة التدخل الخارجي.
ولهذا فإن أفضل صيغة هي أن يكون القرار عراقياً بالكامل، حتى لو كانت هناك ضغوط دولية.
وهذا تحديداً أصبح أحد عناصر النقاش الحالي؛ إذ يؤكد مراقبون أن نجاح العملية يحتاج إلى أن تُفهم باعتبارها قراراً سيادياً عراقياً لا إملاءً خارجياً.
9. لا تسليم شامل وفوري للسلاح
أعتقد أن هذا غير واقعي.
الأفضل هو التدرج:
المرحلة الأولى: وقف أي نشاط مسلح مستقل.
المرحلة الثانية: تسجيل الأفراد والأسلحة والمقار.
المرحلة الثالثة: فصل السياسي عن العسكري.
المرحلة الرابعة: دمج المؤهلين.
المرحلة الخامسة: تسليم الأسلحة الثقيلة والصاروخية والطائرات المسيّرة للدولة.
المرحلة السادسة: إغلاق المخازن والمقار العسكرية غير الرسمية.
المرحلة السابعة: الانتقال إلى احتكار الدولة الكامل للقوة المسلحة.
10. ما الذي يجب ألا تفعله الحكومة؟
هناك أربعة أخطاء قد تشعل حرباً داخلية:
المداهمات المفاجئة الشاملة.
إهانة قادة الفصائل أو جمهورهم.
ربط نزع السلاح بطرف خارجي.
محاولة نزع السلاح من الجميع دفعة واحدة.
فالهدف هو تفكيك منظومة السلاح خارج الدولة، لا تفجير المجتمع العراقي بسببها.
وأقترح صيغة عراقية مختصرة للحل
يمكن أن يسمى المشروع:
“مبادرة الدولة الواحدة والسلاح الواحد”
وتقوم على معادلة بسيطة:
السلاح للدولة + السياسة للسياسيين + القضاء للجميع + الحماية لكل العراقيين.
وتتعهد الدولة في المقابل بـ:
لا استهداف سياسي + لا انتقام + لا إقصاء + لا ملاحقة خارج القضاء + ضمان حقوق المقاتلين + دمج المؤهلين + احترام التضحيات التي قدمت في مواجهة الإرهاب.
وفي المقابل تتعهد القوى المسلحة بـ:
إنهاء النشاط العسكري المستقل + فصل العمل السياسي عن العسكري + تسليم الأسلحة الثقيلة + الخضوع الكامل للقائد العام للقوات المسلحة + عدم استخدام السلاح في الصراع السياسي.
والنتيجة:
الحل ليس أن تقول الحكومة للفصائل: “سلّموا سلاحكم وإلا…”، ولا أن تقول الفصائل للدولة: “هذا سلاحنا ولن نعطيه.”
الحل الأكثر واقعية هو أن تصل الأطراف إلى معادلة:
“تعالوا نبني دولة قوية تحميكم، حتى لا تحتاجوا إلى سلاح يحميكم منها أو من غيرها.”
وهذا هو الطريق الذي يمكن أن يحول ملف السلاح من قنبلة موقوتة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة العراقية.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
