
إيهاب مقبل
قال رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال زيارته إلى برلين يوم الثلاثاء، 15 سبتمبر أيلول 2026، إن العراقيين في ألمانيا وجدوا «كرامتهم محفوظة»، وإن الألمان «عاملوه كأنه صاحب البيت والألمان الضيوف»، مؤكداً أن العراقي «لم يعامل كلاجئ أو مواطن من الدرجة الثانية».
لا شك أن من حق رئيس الوزراء أن يشيد بالعلاقات العراقية ـ الألمانية، وأن يعبّر عن امتنانه لما قدمته ألمانيا للعراقيين. كما أن تجارب العراقيين في ألمانيا ليست واحدة؛ فهناك من بنى حياته هناك ونجح في الدراسة والعمل والاستقرار. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخطاب الدبلوماسي إلى صورة عامة قد يفهم منها أن ألمانيا بلد مفتوح وسهل أمام من يريد طلب اللجوء.
هذه الصورة لا تتطابق مع واقع اللجوء الألماني، ولا سيما في عام 2026.
أولاً، عبارة «لم يعامل كلاجئ» غير دقيقة من الناحية القانونية. فاللاجئ في ألمانيا هو بالفعل شخص يتمتع بوضع قانوني وحقوق محددة، لكنه يخضع أيضاً لإجراءات اللجوء والإقامة والقيود المرتبطة بوضعه. وكون الإنسان لاجئاً لا يعني أنه «مواطن من الدرجة الثانية»، كما أن الاعتراف به لا يعني أنه أصبح مواطناً ألمانياً.
وثانياً، التجربة العراقية نفسها تثبت أن الصورة أكثر تعقيداً. ففي تقرير نشرته مؤسسة دويتشه فيله الألمانية «DW» عام 2016، تحدث عراقيون عن الانتظار في مراكز اللجوء، وعن ظروف معيشية صعبة، وعن بطء إجراءات الإقامة. وفي المقابل، تحدث عراقيون آخرون عن شعورهم بالأمان في ألمانيا ورفضهم العودة إلى العراق. أي أن التجربة كانت ـ ولا تزال ـ متنوعة، وليست القصة الواحدة التي توحي بها عبارة «صاحب البيت والألمان الضيوف».
تروي اللاجئة العراقية ليلى لـDW عربية معاناتها في ألمانيا: «ما عشته هنا في ألمانيا مأساة حقيقية لن أنساها ما حييت. عشنا أياماً وليال دون طعام أو شراب، وعوملنا معاملة سيئة. صحيح أن ألمانيا فتحت باب اللجوء أمامنا، ولكنها لم تستقبلنا استقبالاً حسناً. ألمانيا دمرت حياتنا». وهذه شهادة فردية من تقرير صحفي، ولا ينبغي تعميمها على جميع العراقيين، لكنها في الوقت نفسه تكفي لإظهار أن التجربة لم تكن واحدة ولا وردية للجميع.
وقال اللاجئ العراقي ناجح المرزوقي، البالغ من العمر 55 عاماً، في التقرير نفسه: «اعتقدت أن حياتي ستكون أفضل في ألمانيا، ولكنني فوجئت بالعكس». كما تحدث عن تغييره مخيمات اللجوء وتقاسم غرفة مع لاجئين آخرين. ومرة أخرى، هذه شهادة شخصية لا تصلح وحدها لإصدار حكم على ألمانيا، لكنها تتناقض بوضوح مع تقديم تجربة العراقي في ألمانيا على أنها تجربة موحدة من الاحترام والراحة والاستقرار.
والأهم: واقع ألمانيا اليوم، لا ألمانيا عام 2015 أو 2016
وفق مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني «Destatis»، بلغ عدد المواطنين العراقيين المقيمين في ألمانيا 254,065 شخصاً في 2 أبريل نيسان 2026. وهذا الرقم يتعلق بحاملي الجنسية العراقية، وليس بجميع الأشخاص من أصول عراقية، وبالتالي لا ينبغي استخدامه باعتباره رقماً دقيقاً لجميع ذوي الأصل العراقي في ألمانيا.
ورقم 254,065 مواطناً عراقياً لا يعني 254,065 لاجئاً. فإحصاءات السكان بحسب الجنسية تشمل العراقيين المقيمين بصرف النظر عن الطريقة التي دخلوا بها ألمانيا أو نوع إقامتهم. كما تظهر بيانات التجنيس الألمانية أن 13,792 من حاملي الجنسية العراقية السابقة حصلوا على الجنسية الألمانية في عام 2025.
أما بيانات طالبي الحماية فتقدم صورة مختلفة. ووفق مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني، بلغ عدد العراقيين المصنفين ضمن طالبي الحماية 69,900 شخص ممن كان عام دخولهم الأول إلى ألمانيا بين 2017 و2024، وذلك في بيانات الوضع حتى 31 ديسمبر كانون الأول 2025. ويظهر الجدول كذلك 16,460 حالة مفتوحة، و38,570 حالة ضمن الحماية المعترف بها، و14,875 حالة في خانة الرفض.
وبالنسبة إلى من كان أول دخولهم إلى ألمانيا في عام 2025، تسجل البيانات 1,770 عراقياً ضمن طالبي الحماية، منهم 215 شخصاً لديهم حماية معترف بها، و130 في خانة الرفض وفق الجدول الإحصائي. ويشير مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني إلى أن بعض طالبي الحماية الذين وصلوا في 2025 ربما لم يكونوا قد سُجلوا بالكامل حتى نهاية العام، ولذلك لا ينبغي تحويل هذه الأرقام إلى «نسبة قبول» للجوء العراقي في 2025.
ألمانيا نفسها تشدد سياسة الهجرة
والأهم بالنسبة إلى العراقي الذي يفكر في الهجرة اليوم هو أن السياسة الألمانية ليست نسخة من سياسة عام 2015. فقد أعلنت الحكومة الألمانية في يوليو تموز 2025 أن طلبات اللجوء انخفضت 43% في النصف الأول من 2025 مقارنة بالنصف الأول من 2024، كما أعلنت استمرار الرقابة على الحدود، وتعليق لمّ شمل أسر المستفيدين من الحماية الفرعية، وإلغاء مسار التجنيس السريع، والعمل على توسيع قائمة دول المنشأ الآمنة.
وهذا لا يعني أن ألمانيا أغلقت باب اللجوء، ولا يعني أن كل طلب عراقي سيرفض. لكنه يعني شيئاً بالغ الأهمية: سياسة الهجرة واللجوء شهدت تشديداً، ومن الخطأ إعطاء انطباع بأن ألمانيا تنتظر العراقيين الراغبين في طلب اللجوء.
لذلك، فإن المشكلة في تصريح رئيس الوزراء ليست في مدح ألمانيا، ولا في الاعتراف بأن ألمانيا احتضنت عراقيين ومنحت بعضهم الحماية والأمان، وإنما في التعميم وتقديم صورة قد تكون مضللة للعراقي الذي يبحث عن اللجوء، خصوصاً إذا دفعته هذه الرسائل إلى الاعتقاد بأن ألمانيا بلد مفتوح وسهل أمامه.
عندما يسمع شخص في العراق أن العراقيين «لم يُعاملوا كلاجئين»، وأنهم «أصحاب البيت»، وأن ألمانيا توفر لهم الكرامة والفرص، فقد تصل إليه الرسالة بصورة مختلفة تماماً عن المقصود الدبلوماسي: «بدلاً من انتظار حل مشكلات بلدك العراق، اذهب إلى ألمانيا، البلد الصناعي، اطلب اللجوء، وستجد بلداً مستعداً لاستقبالك». وهذه، حتى إن لم تكن هي الرسالة المقصودة، قد تكون إحدى النتائج التي يتركها الخطاب عندما تُقدَّم التجربة بصورة عامة ومثالية من دون توضيح شروط اللجوء وقيوده ومخاطره.
وهذه نتيجة خطرة إذا أدت إلى اتخاذ قرار مصيري بناءً على خطاب سياسي لمصالح اقتصادية بدلاً من الاطلاع على شروط اللجوء وظروف الإقامة وإمكانات العمل واحتمال رفض الطلب وما يترتب على ذلك قانونياً.
ومن المهم أيضاً عدم الخلط بين الهجرة والعمل والدراسة من جهة، واللجوء من جهة أخرى. اللجوء ليس برنامجاً عاماً للهجرة إلى ألمانيا، وإنما نظام حماية قانوني له شروط وإجراءات محددة.
إن تقدير ألمانيا والعلاقات العراقية ـ الألمانية لا يحتاج إلى تجميل الواقع. بل إن الاحترام الحقيقي للشعب العراقي يقتضي أن يحصل العراقي الذي يفكر في الهجرة على معلومات كاملة: ألمانيا بلد يمكن أن يوفر فرصاً حقيقية، لكنه أيضاً بلد لديه قوانين وإجراءات وضوابط، وسياسة هجرة شهدت تشديداً في عدد من المجالات.
لذلك، لا ينبغي قراءة كلام الزيدي باعتباره دليلاً على أن ألمانيا «تنتظر العراقيين» كلاجئين. إنه خطاب دبلوماسي في مناسبة اقتصادية؛ أما قرار الهجرة واللجوء فهو قرار شخصي بالغ الخطورة، ينبغي أن يبنى على القانون والبيانات الحالية، لا على العبارات الاحتفالية.
والنقد هنا ليس كرهاً بألمانيا؛ بل هو محاولة لمنع أن تتحول الإشادة بالعلاقات بين بلدين إلى معلومة مضللة لشخص قد يدفع آلاف الدولارات ويخاطر بمستقبله وحياته ظناً منه أن الطريق إلى ألمانيا مضمون أو سهل.
فالعراقي يستحق الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة: ألمانيا قد تكون مكاناً لبناء حياة جديدة لمن يدخلها بالطريق القانوني ويحصل على حق الإقامة، لكنها ليست وعداً باللجوء، وليست طريقاً مضموناً للخلاص، ولا يمكن تقديمها بوصفها وطناً بديلاً عن العراق.
المراجع
لماذا يغادر مئات العراقيين ألمانيا بعد رحلة عذاب؟، مؤسسة دويتشه فيله الألمانية «DW»، يناير كانون الثاني 2016.
https://www.dw.com/ar/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D8%AA%D8%AE%D9%84%D9%89-%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A6%D9%88%D9%86-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B9%D9%86-%D8%AD%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7/a-19004192
السكان الأجانب حسب الجنس وبعض الجنسيات المختارة، مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني «Destatis»، ديسمبر كانون الأول 2025.
https://www.destatis.de/DE/Themen/Gesellschaft-Umwelt/Bevoelkerung/Migration-Integration/Tabellen/auslaendische-bevoelkerung-geschlecht.html
التجنيس حسب الفئات العمرية وأبرز الجنسيات السابقة، حسب القارة، مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني، 2025.
https://www.destatis.de/EN/Themes/Society-Environment/Population/Migration-Integration/Tables/naturalisations-age-groups-selected-former-citizenship.html
الأشخاص الباحثون عن الحماية حسب وضع الحماية وسنة الدخول الأولى وبلد المنشأ، مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني، 2025.
https://www.destatis.de/DE/Themen/Gesellschaft-Umwelt/Bevoelkerung/Migration-Integration/Tabellen/schutzsuchende-ersteinreisejahr-schutzstatus.html
رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي يشارك في ملتقى حوار الأعمال الذي عقد في برلين، المكتب الاعلامي لرئيس مجلس الوزراء، 15 سبتمبر أيلول 2026.
انتهى


