سبتمبر 20, 2026
LOGO

حينَ يعودُ الغائب إلى السّماء

إقبال جمال صوفان

رياحٌ شديدة ، وأمطارٌ غزيرة، الأشجار تتمايل ، الثمار تتساقط ، القلب يُغسل من عناء الأيام، والرُّوح تُطهّر من وجعِ الأحزان، النوافذ تُفتحُ على صوتِ الأذان ، لتهبّ نسائم البرد على غرفةٍ يملؤها الانتظار، هناك حيث لا أحد سِوى سجادة، مسبحة، مصحف، بابٌ مُغلق، وأمٌّ  لم تبرح المكان ، تُردد بصوتٍ منخفض جداً:  “ياربّ انصرهم، ثبّت أقدامهم، سدد رميهم، فكَّ أسرهم، واحرسهم بعينگ الّتي لا تسهى ولا تنام ” كانت الأم تعلم أن الدعاء الذي تردّده كل ليلة سيأتيها جوابه على هيئة خبرٍ يختبر صبر قلبها، وأن الباب الذي طالما انتظرت أن يُفتح، سيفتح ذات يومٍ على وجوهٍ صامتة، وعيونٍ مليئة بالدّموع، كانت تعلم أن الانتظارَ سَيطول ككلِ مرة ويعقبه لقاء عظيم يُطفي نار الشَّوق المُشتعلة لفلذة كبدها، لكنّ هذهِ المرة كان غياباً أبدياً لن تعود بعده الخطوات إلى البيت، ولن يُسمع بعده صوت المفتاح عند الباب، غيابٌ يُمزق الأحشاء ويُغرِق المآقي.

جاء الخبر الموجع عبر صوتٍ كان خارج تلك الغرفة يقول :”هنيئاً هنيئاً له، للهِ ماأعطى وللهِ ماأخذ هذا ماكان يتمناه” حينها أدركت الأم أن موعدَ الاختبار قد حان وقته، رفعت عينيها إلى السماء طويلاً وكأنها تبحث عن وجهِ ولدها بين النّجوم المُضيئة الّتي قد سبقته، أما دموعها فكانت شلالات لم تتوقف من فيض الفقد، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:”الحمدلله في السراء والضراء..اللهم إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى” كانت تبكي بحرقة، لكنه ليس بكاء أمٍّ خسرت ابنها فحسب؛ بل كان بكاءً بدموع قلبٍ يحاول أن يجمع مابين وجع الفراق، وطمأنينة الثقة بالله الذي اصطفى قمرها شهيداً في سبيله.

تذكّرت الأم كل التفاصيل الّتي تخصّه منذ حملها به وحتى رحيله عنها في تِلك اللحظة ، طفولته، شبابه، وجهاده، تذكّرت سجّادته التي كان يصلّي عليها، مصحفه الذي كان يتركه مفتوحاً، تذكّرت شهامته وهيبته، ملازمهُ وكُتبه، حسه وحضوره، وأخيراً صوته الجهادي الذي كان يُنشد دائماً : ” ودعيني يادياري ودعيني ودعيني بالفرح دار السعادة” وفعلاً ودّعهُ دارهُ الفسيح المكسوّ بالدموعِ، والحجارة الّتي كادت أن تنطق بـ ” ودعتُك ودعتُك ياشهيد”رحل إلى ربهِ مؤكداً أنِّ كُلّ نفسٍ ذائقة الشّهادة بعد الجهاد إن نوت، وأن كُلّ روحٍ ستلقى السعادة إن مضت.

وفي المساء عادت الأم إلى المكان ذاته، السجادة المسبحة، المصحف، والنافذة المفتوحة على السماء لكن شيئاً واحداً كان قد تغيّر، لم تعد تنتظر عودته، كانت تعرف الآن أنه لم يعد إليها، بل عاد إلى خالقه، وضعت يدها على صدرها، وأغمضت عينيها قائلة :”اللهم اجمعني بهِ في جنّتك”عاد المطر وهطل من جديد، فتنهّدت وسط دموعها، وقالت: “لعلّ السماء اليوم تغسِل الطريق الذي صعدَ إليه ابني ”

#اتحاد_كاتبات_اليمن