سبتمبر 26, 2026
1-10

إيهاب مقبل

لم يكن المشهد الذي رافق كلمة بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر أيلول مجرد لحظة بروتوكولية عابرة. فما إن اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي منصة الأمم المتحدة حتى بدأت وفود عشرات الدول بمغادرة القاعة، وسط صيحات احتجاج وتصفيق من الوفد الإسرائيلي، فيما تحولت القاعة إلى صورة سياسية تختصر حجم الاعتراض الدولي على حكومة نتنياهو وسياساتها في فلسطين والمنطقة.

وقد جاءت هذه المقاطعة الجماعية في أعقاب أسبوع شهد خطابات دولية عديدة انتقدت بشدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، الأمر الذي جعل مغادرة القاعة رسالة سياسية ورمزية لا يمكن تجاهلها.

الدول العربية التي غادرت
بحسب القائمة التي نشرها مسؤولون إسرائيليون، كانت الدول العربية المدرجة ضمن الدول التي كانت مقاعدها خالية أو غادرت مع بداية الخطاب: مصر، سوريا، فلسطين، الأردن، لبنان، العراق، السعودية، قطر، الكويت، عُمان، اليمن، السودان، تونس، الجزائر، ليبيا، موريتانيا، الصومال وجزر القمر.

ومن المهم هنا القول إن هذا الموقف لا يعني أن جميع هذه الدول الثماني عشرة قامت بالانسحاب بالمعنى الحرفي؛ فالمصدر نفسه يقر بأن القائمة تشمل دولاً لم تكن وفودها موجودة في القاعة أصلاً. لكن دولاً عديدة شهدت بالفعل خروج ممثليها عند بدء خطاب نتنياهو، وهو ما وثقته الصور والتغطيات الدولية.

المفارقة العربية الصارخة
في الجهة المقابلة، بقيت وفود عربية في القاعة، أبرزها الإمارات والبحرين والمغرب. كما ذكرت تقارير أن البحرين كانت من الدول التي بقي ممثلها داخل القاعة أثناء الخطاب.

وهنا يحق للرأي العام العربي أن يطرح سؤالاً مباشراً: ما الرسالة التي أرادت هذه الحكومات إيصالها ببقاء ممثليها للاستماع إلى نتنياهو، في الوقت الذي اختارت فيه دول عربية أخرى عدم حضور الخطاب أو مغادرة القاعة؟

لا يعني البقاء في القاعة تلقائيًا تأييد كل ما يقوله نتنياهو، كما أن الانسحاب لا يثبت وحده تغييرًا في سياسة أي حكومة. لكن الفارق في المشهد السياسي واضح، ومن حق شعوب هذه الدول الثلاث أن تطالب حكوماتها بتفسير مواقفها، خصوصًا عندما تتحدث رسميًا عن رفض الاحتلال والدفاع عن حقوق الفلسطينيين.

الدول الإسلامية: مواقف متباينة
على المستوى الأوسع، شملت قائمة الدول التي كانت مقاعدها خالية أو غادرت وفوداً من العالم الإسلامي، بينها تركيا، إيران، باكستان، أفغانستان، بنغلاديش، إندونيسيا، ماليزيا، بروناي، المالديف، تركمانستان، أوزبكستان وقيرغيزستان، إضافة إلى عدد من الدول العربية والإفريقية ذات الأغلبية المسلمة.

وفي المقابل، بقيت دول إسلامية أخرى داخل القاعة، من بينها الإمارات والبحرين والمغرب وأذربيجان وكازاخستان وطاجيكستان وألبانيا بحسب القوائم المتداولة.

ويكشف هذا التباين أن التقارب في الخطاب الرسمي بشأن القضية الفلسطينية لا يعني بالضرورة تطابقًا في الممارسة الدبلوماسية. فحين يصل الأمر إلى مواجهة نتنياهو داخل قاعة الأمم المتحدة، تظهر حسابات وتحالفات ومقاربات مختلفة بين دول العالم الإسلامي.

لم يكن الاعتراض عربياً وإسلامياً فقط
ولم يقتصر المشهد على الدول العربية والإسلامية، إذ شملت القائمة المتداولة وفودًا من إفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي وأوروبا، في مؤشر على أن المواقف الرافضة لسياسات الحكومة الإسرائيلية لم تكن محصورة في نطاق جغرافي أو سياسي واحد.

ومن أمريكا اللاتينية والكاريبي وردت أسماء سورينام، بنما، فنزويلا، أنتيغوا وبربودا، بليز، بربادوس، كولومبيا، دومينيكا، نيكاراغوا، بيرو، سانت لوسيا، الباهاما، بوليفيا، كوبا، غيانا، البرازيل وتشيلي.

ومن أوروبا وردت مقدونيا الشمالية، سان مارينو، سلوفينيا، البوسنة والهرسك، إسبانيا وإيرلندا.

كما تضمنت القائمة دولاً إفريقية مثل جنوب إفريقيا، السنغال، أنغولا، الكونغو، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ليبيريا، إريتريا، تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى، مدغشقر، النيجر، بوتسوانا، أوغندا، ليسوتو، إسواتيني، غينيا الاستوائية، موزمبيق، ناميبيا وكينيا.

السؤال الذي يبقى بعد خلو القاعة
إن أقوى ما في مشهد الأمم المتحدة ليس عدد المقاعد الخالية، وإنما الدلالة السياسية التي حملتها. فقد اختارت دول كثيرة، كل لأسبابها، ألا تجعل خطاب نتنياهو يمر أمامها كحدث دبلوماسي عادي.

وفي المقابل، فإن بقاء بعض الحكومات العربية والإسلامية داخل القاعة يضعها أمام مسؤولية سياسية وإعلامية أكبر: أن تشرح لشعوبها والشعوب العربية والإسلامية لماذا اختارت البقاء، وما الذي يعنيه ذلك في سياستها تجاه الدولة اليهودية والقضية الفلسطينية.

لقد خرجت وفود كثيرة من القاعة، وبقيت وفود أخرى. وبين الصورتين ظهر انقسام عربي وإسلامي ودولي يستحق النقاش بلا مواربة. أما السؤال الذي سيظل مطروحاً على الحكومات فهو بسيط ومباشر: عندما وقف نتنياهو أمام العالم، أين وقفتم أنتم؟ ولماذا؟

بالفيديو: لحظة مغادرة عدد من الوفود قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بدء نتنياهو إلقاء كلمته.

انتهى