
شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي
تختزل بعض العبارات المكثفة تحولات معرفية كبرى في تاريخ الفكر. تمثل مقولة أبي يزيد البسطامي: “أخذ الناس العلم من الأموات ونحن أخذنا العلم من حي لا يموت” تعبيراً صريحاً عن تمايز بين مناهج تلقي المعرفة النصية التقليدية ومنهج الإدراك الصوفي المباشر.
وتفكك هذه المقولة التأسيسية طبيعة المصادر التي يعتمد عليها الإنسان للوصول إلى الحقيقة. فالنصف الأول، “أخذ الناس العلم من الأموات”، يعبر عن المنهج النقلي والاستدلالي الذي يعتمد على الأسانيد والمخطوطات وتناقل الروايات عبر الأجيال، حيث يرتهن الباحث لما أنتجه الأسلاف وقيدوه في متونهم. أما النصف الثاني، “ونحن أخذنا العلم من حي لا يموت”، فيشير إلى المنهج الكشفي الصوفي، حيث تتجاوز المعرفة، في هذا التصور، وسائط الزمان والمكان والتلقين البشري، لتصبح تدفقاً معرفياً مباشراً ينبثق من الذات الإلهية (الحي القيوم) إلى قلب العارف المستعد لتلقي هذا الفيض.
وتبرز هذه المقولة التمييز الصوفي بين “علم الظاهر” (الموصوف بالارتهان للسلف) و”علم الباطن” أو “الذوق” (الموصوف بالحيوية والتجدد). ويرى المتصوفة، بناءً على هذا التوجيه، أن الاقتصار على القوالب الحسية والمقولات المنطقية المتوارثة قد يحد من قدرة العقل الإنساني على الارتقاء نحو المعقولات والمجردات التي لا تدرك بالتحليل البرهاني وحده، بل تتطلب في تصورهم مجاهدة النفس وتطهير مرآة القلب لتتجلى فيها الصفات الإلهية.
ولتجسيد هذا التباين المعرفي، يمكن تخيل باحث يدرس ظاهرة فلكية عبر قراءة كتب ألفها فلكيون سبقوه بقرون، محافظاً على معادلاتهم ونصوصهم، يقابله مراقب يقف في قلب الصحراء، ينظر مباشرة عبر مرصده نحو النجوم ليتلقى وميضها الآني في اللحظة ذاتها. فالأول يعتمد على تراث سابق، والثاني يعتمد على مشاهدة مباشرة آنية.
وتتقاطع هذه المقولة للبسطامي مع الرؤية المعرفية لشهاب الدين السهروردي، الذي وظف هذا المفهوم في تأسيس الحكمة الإشراقية. فقد أسس السهروردي موقفه النقدي من المنطق الأرسطي انطلاقاً من مبدأ قريب من هذا، مصرحاً بأن قواعد أرسطو (الأموات) غير كافية لمنح اليقين الداخلي في تصوره، وأن البراهين المنطقية مرحلة تدريبية ينبغي تخطيها للوصول إلى العيان المباشر والمعرفة الذوقية (الحي لا يموت) التي لا تتخللها، بحسب رؤيته، شكوك الاستدلال.




