
د. فاضل حسن شريف
تُعدّ إغاثة الملائكة للمؤمنين وتأييدهم من المفاهيم القرآنيّة البارزة التي تُظهر لطف الله ورحمته بعباده الصالحين، حيث يتنوّع هذا العون بين التأييد الميداني في الحروب، والتثبيت المعنوي، والحفظ، والاستغفار. صور إغاثة الملائكة للمؤمنين في القرآن الكريم: 1. الإمداد والتثبيت في المعارك: أمدّ الله المؤمنين بالملائكة لتثبيتهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم في المواقف الحرجّة: في غزوة بدر: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ” (الأنفال 9). “إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ” (الأنفال 12). في غزوة أحد: “إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمِدْدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ” (آل عمران 124-125). في غزوة حنين والأحزاب: “وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا” (التوبة 26). 2. التثبيت والبشرى عند الخوف والموت: تتنزل الملائكة على المؤمنين المستقيمين لرفع الخوف والحزن عن قلوبهم وتبشيرهم بالجنة، ولا سيما عند لحظات الاحتضار والشدّة: “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ” (فصلت 30-31). 3. الحفظ والرعاية الإلهية: سخّر الله ملائكة مُكلفة بحفظ الإنسان وحراسته بأمر الله من المكاره والحوادث التي لم يُقَدَّر عليه الوقوع فيها: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ” (الرعد 11). 4. الاستغفار والدعاء للمؤمنين: تتولى الملائكة المقربة والدعوة للمؤمنين بالرحمة والمغفرة والوقاية من العذاب: “الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ” (غافر 7). شروط تنزل إغاثة الملائكة للمؤمنين: أوضحت الآيات القرآنية أن تنزل العون والمؤازرة من الملائكة مرتبط بشروط وعوامل إيمانية، أهمها: الاستغاثة واللجوء إلى الله: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ” (الأنفال 9). الصبر والتقوى: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا” (آل عمران 125). الاستقامة على الحق: “قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا” (فصلت 30).
تتوسّع الروايات والأحاديث المأثورة عن النبي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام في بيان مفهوم إغاثة الملائكة للمؤمنين، إذ لا تقتصر هذه الإغاثة في مدرستهم على الحروب والمعارك التاريخية فحسب، بل تُعتبر حقيقة إيمانية مستمرة ترافق المؤمن في حياته اليومية، وعند شدائده، وفي لحظات احتضاره وما بعد موته. فيما يلي أبرز أبعاد وصور إغاثة الملائكة للمؤمنين عند أهل البيت: 1. التثبيت والحراسة من المكاره والشرور: تؤكد مرويات أهل البيت أن الله تعالى يوكّل بالعبد المؤمن ملائكةً يذبّون عنه المكره ويحفظونه من غوائل الدّهر وإيذاء الشياطين. الحفظ بأمر الله: في تفسير قول الله تعالى: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ” (الرعد 11)، يُروى عن الإمام محمد الباقر عليه السلام: “يُحْفَظُ بأمر الله في حفرةٍ أو جدارٍ أن يقع عليه، أو شيءٍ أن يصيبه، حتى إذا جاء القَدَر خَلُّوا بينه وبين القَدَر”. طرد أذاة الشياطين: ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أن العبد المؤمن إذا كاد أن يزلّ أو يقع في همّ، أمدّه الله بملائكة تُلقي في قلبه السكينة واليقين وتطرد عنه وساوس الشياطين. 2. الإعانة والدعاء في الشدائد وقضاء الحوائج: تُبيّن الروايات أن للملائكة دوراً فعالاً في إعانة المؤمنين عندما يضيق بهم الأمر أو يسعون في قضاء حوائج إخوانهم: النصرة عند الاستغاثة: ورد في التراث الدُّعائي لأهل البيت (كأدعية الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام): “وَالطَّائِفَةُ مِنْ مَلَائِكَتِكَ الَّذِينَ اخْتَصَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَالْمُوَكَّلُونَ بِالْحَفَظَةِ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ لِأَهْلِ الإِيمَانِ”. حفّ مجالس الذكر والعلم: تُروى أحاديث متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليه السلام بأن الملائكة تحفّ المؤمنين الذين يجتمعون على طاعة الله أو طلب العلم، وتضع أجنحتها لهم خضوعاً واستغفاراً، وتستجيب لدعائهم في كشف الكربات.
3. الإغاثة والحماية عند الموت والاحتضار: تُعدّ لحظة الموت من أشدّ اللحظات على الإنسان، وهنا تبرز إغاثة الملائكة بأمر الله لتثبيت المؤمن: دفع الشيطان عند الاحتضار: يُذكر عن أهل البيت أن إبليس يرسل أعوانه عند الموت ليُشكّكوا العبد في دينه، فتنزل ملائكة الرحمة وتطرد الشياطين عنه وتُلهمه الشهادة والتثبيت. البشارة والتأنيس: تبثّ الملائكة في روح المؤمن الطمأنينة وتُبشّره بالرضوان، وترافقه في قبره لتؤنس وحشته وتُثبّته عند سؤال الملكين (نكير ومنكر). 4. الإمداد والجهاد تحت قيادة الأنبياء والأوصياء: ترتبط ملائكة النصرة في الفكر الولائي بالقيادة الإلهية، فالملائكة التي أمدّ الله بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر وأحد لم تُرفع إلى السماء نهائياً بل هي مُعدّة للحق: نصرة القائم من آل محمد عجل الله فرجه: تشير الروايات المأثورة إلى أن الملائكة المُنزلين (كميكائيل وجبرائيل وإسرافيل)، بالإضافة إلى ملائكة بدر، ينزلون لنصرة الإمام المهدي عجل الله فرجه عند ظهوره لإقامة العدل وإغاثة المستضعفين. ملائكة كربلاء: تذكر المرويات أن هناك آلافاً من الملائكة (الحافّين) الموكلين بقبر الإمام الحسين عليه السلام، يستغفرون لزوّاره ويُعينون المؤمنين المواظبين على زيارته والتمسك بنهجه. خلاصة العوامل المؤدية لنيل إغاثة الملائكة عند أهل البيت: صدق الإيمان والولاء: التقوى والتزام أمر الله وأهل بيته. قضاء حوائج المؤمنين: فإن من سعى في حاجة أخيه المؤمن سخر الله له ملائكة تحوطه وتدعوله. الدعاء والإخلاص عند الكرب: الالتجاء إلى الله بالدعاء الصادق يُعجّل بنزول أسباب اللطف والسكينة.
يتناول الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في تفسيره الشهير (التبيان في تفسير القرآن) (وهو أول تفسير جامع عند الإمامية) موضوع إغاثة الملائكة للمؤمنين بأسلوب تحليلي يجمع بين اللغة، والرواية، والبحث العقلي والكلامي. يركز الشيخ الطوسي عند تفسيره لآيات الإمداد والنصرة (خاصة في سورتي آل عمران والأنفال) على بيان كيفية هذه الإغاثة، وحقيقتها، والأغراض الإلهية منها: 1. حقيقة الإمداد بالنصرة (غزوة بدر وأحد) عند تفسير قوله تعالى: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ” (الأنفال 9): معنى الإغاثة والإمداد: يوضح الطوسي أن “الاستغاثة” هي طلب الغوث والنصرة عند الشدة، وأن “الإمداد” هو إعانة الجيش بزيادة القوة والعدد دفعة بعد دفعة (مُردِفين أي يتبع بعضهم بعضاً). هل قاتلت الملائكة بالفعل؟ ينقل الشيخ الطوسي الآراء في المذهب ويكرر وجهة نظره بأن الملائكة شاركت في القتال بالفعل يوم بدر لإغاثة المؤمنين، ولم يكن دورهم مجرد تكثير السواد أو التثبيت المعنوي فحسب. واستشهد بالروايات التي تذكر أن بعض المسلمين كانوا يسمعون أسطواط الملائكة ورؤوس المشركين تندرّ (تقع) قبل أن تصل إليها سيوف المسلمين. 2. كيفية تثبيت الملائكة لقلوب المؤمنين: في تفسير قوله تعالى: “إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا” (الأنفال 12): يبين الشيخ الطوسي أن تثبيت الملائكة للمؤمنين وقع على وجهين: التثبيت المعنوي (الإلقاء في القلوب): أن الملائكة تخاطب المؤمنين وتُلقي في قلوبهم اليقين بالنصر، وتُقلل في أعينهم عدد العدو، فتزول عنهم الهيبة والرعب. المشاركة الميدانية: حضورهم معهم في المعركة ليشاهد المؤمنون أن معهم جنداً من السماء، فيقوى أزرهم ويثبتوا في القتال.
3. المعنى العقلي لكون النصر من عند الله: في تفسيره لقوله تعالى: “وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ” وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ” (آل عمران 126) (الأنفال 10): يشير الشيخ الطوسي إلى دقيقة كلامية مهمة، وهي أن إرسال الملائكة وإغاثتهم لم يكن لأن الله عاجز عن نصر المؤمنين بغيرهم، ولا لأن الملائكة هي التي تخلق النصر بنفسها. وإنما جعل الله نزول الملائكة “بشرى” لطمأنة قلوب المؤمنين وسكون نفوسهم، ولتكون سبباً ظاهرياً يتأنس به البشر، بينما النصر الحقيقي والفعلي هو بتمكين الله وقدرته. 4. التنزّل والبشارة عند الموت والاستقامة: عند تفسير قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا” (فصلت 30): يذكر الطوسي أن تنزّل الملائكة بالبشارة والإغاثة هنا يكون عند الموت (الاحتضار) وفي القبور وعند البعث. يغاث المؤمن بالتثبيت والدفع عنه، فتؤمنه الملائكة من الخوف مما هو قادم عليه (الآخرة)، وتطرد عنه الحزن على ما تركه في الدنيا (الأهل والولد)، وتُبشره بالجنة والأنس. 5. الحفظ والرعاية (المعقّبات): في تفسير قوله تعالى: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ” (الرعد 11): ينقل الشيخ الطوسي عن مرويات أهل البيت (لا سيما عن الإمام الباقر والإمام الصادق) أن الله جعل للمؤمن ملائكة يتعاقبون عليه (بالليل والنهار) يحفظونه من الهدم، والغرق، والردى، وشرور السباع والحوادث التي لم يُمضِ الله فيها القضاء المحتوم، فإذا جاء القدر المخوف خلّوا بينه وبين القدر. خلاصة رأي الشيخ الطوسي في (التبيان)ك يرى الشيخ الطوسي أن إغاثة الملائكة لطف إلهي يستوجب الصبر والتقوى والاستقامة، وتتنوع هذه الإغاثة بين: نصرة مادية ومعنوية في الحروب (كقتالهم وتثبيتهم للمؤمنين في بدر). لطف وتأنيس في اللحظات الحرجة (كالاحتضار والقبور). حراسة ودفع للمكاره في الحياة الدنيا بأمر الله وقدره.
