
قراءة نقدية في ظاهرة تجييش الجماهير العراقية دفاعاً عن المصالح الإيرانية، وإشكالية ازدواجية المواقف السياسية، وحدود التضامن الديني في الدولة الوطنية
رياض سعد
تمهيد: حين تتقدم قضايا الآخرين على قضايا الوطن
تثير ردود الأفعال التي أعقبت قرار تعليق الرحلات الجوية بين العراق وإيران، امتثالاً للعقوبات الأمريكية المفروضة على شركات الطيران الإيرانية، جملةً من التساؤلات السياسية والوطنية والأخلاقية بشأن طبيعة العلاقة بين التضامن الديني والمذهبي من جهة، والسيادة الوطنية ومصالح الدولة والمواطن من جهة أخرى.
فما إن أُعلن القرار حتى انطلقت حملات إعلامية، وظهرت دعوات إلى تحشيد الجماهير العراقية، ولا سيما من أبناء المكوّن الشيعي، للنزول إلى الشارع والضغط على الحكومة العراقية من أجل التراجع عنه، والسماح للطائرات الإيرانية بالهبوط في المطارات العراقية. ولم تقف بعض المطالبات عند هذا الحد، بل تجاوزتها إلى الدعوة لإغلاق المطارات العراقية، بل وإسقاط الحكومة، تضامناً مع الجانب الإيراني.
وقد أوضحت الحكومة أن مخالفة القرار الأمريكي قد تعرض العراق ومطاراته ومؤسساته المالية والاقتصادية لعقوبات وضغوط خارجية، بما ينعكس سلباً على مصالح الدولة وحياة المواطنين… ؛ ومع ذلك، لم تلقَ هذه التحذيرات قبولاً لدى بعض الجهات والشخصيات التي واصلت التعبئة ضد القرار، وكأن تبعاته المحتملة لا تعني العراقيين، أو كأن مسؤولية حماية مصالح العراق ينبغي أن تتراجع أمام مقتضيات التضامن مع دولة أخرى.
وليست هذه الواقعة معزولة عن سياق أوسع؛ فقد شهد العراق، في مناسبات عديدة، مواقف وتحركات سياسية وشعبية انطلقت لمناصرة إيران في قضايا إقليمية ودولية مختلفة، حتى إن بعض الأصوات ذهبت إلى التصريح باستعدادها للتضحية بالعراق ومصالحه من أجل إيران.
وهنا تبرز الإشكالية التي تستحق التفكيك والتحليل: كيف يتحول التضامن مع دولة أجنبية، مهما كانت الروابط الدينية أو المذهبية التي تجمع بعض مواطني العراق بها، إلى معيار للحكم على وطنية العراقيين ومواقفهم؟!
ولماذا يصبح الدفاع عن مصالح العراق موضع تشكيك، في حين يُمنح الدفاع عن مصالح الآخرين صفة الموقف المبدئي والأخلاقي؟!
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي التمييز بين التعاطف الإنساني المشروع، والتضامن الديني أو القومي أو المذهبي، وبين المصالح الوطنية والسيادة السياسية؛ فهذه دوائر متمايزة، ولا يجوز الخلط بينها أو استخدام إحداها ذريعةً لإهدار الأخرى.
المبحث الأول: التضامن الديني والمذهبي لا يلغي منطق الدولة ومصالحها
المطلب الأول: بين التعاطف الإنساني والالتزام الوطني
ليس من المستغرب أن تتعاطف الشعوب مع بعضها بعضاً، أو أن تتضامن الجماعات الدينية والقومية مع قضايا تمس أبناءها في بلدان أخرى… ؛ فالعرب يتضامنون مع القضية الفلسطينية، والمسلمون يهتمون بمعاناة المسلمين في ميانمار وغيرها، والمسيحيون يتابعون أوضاع الجماعات المسيحية التي تتعرض للاضطهاد في بعض البلدان الآسيوية والأفريقية.
وهذه المواقف، في أصلها، تعبير عن روابط إنسانية ودينية وثقافية لا تستدعي الإنكار أو المصادرة… ؛ كما أن من حق العراقي أن يتعاطف مع الشعب الإيراني، وأن يرفض العقوبات التي تلحق الأذى بالمدنيين، وأن يعبر عن رأيه في السياسات الأمريكية والإيرانية وسواهما.
لكن التعاطف شيء، والتفريط بمصالح الوطن شيء آخر؛ والتضامن مع شعب لا يعني بالضرورة تأييد سياسات حكومته، مثلما أن رفض العقوبات لا يستلزم مطالبة الدولة العراقية بتحمل تبعاتها أو تعريض شعبها لمخاطر اقتصادية ومالية وأمنية إضافية.
فالدولة الوطنية ليست جمعيةً خيرية عابرة للحدود، ولا ينبغي أن تتحول مواردها ومؤسساتها ومطاراتها إلى أدوات لخدمة سياسات الدول الأخرى، بصرف النظر عن طبيعة الروابط التي تجمعها بها.
المطلب الثاني: السياسة الخارجية بين المبادئ والواقعية
تُظهر التجارب الدولية أن الدول، بما فيها الدول التي تربطها علاقات دينية أو ثقافية وثيقة بشعوب أخرى، تتخذ قراراتها الخارجية استناداً إلى اعتبارات متعددة، في مقدمتها الأمن القومي والمصالح الاقتصادية الوطنية والسيادة السياسية.
وإيران نفسها تقدم أمثلة على هذا المنطق السياسي الواقعي؛ فقد وقفت إلى جانب أرمينيا المسيحية في مراحل من نزاعها مع أذربيجان الشيعية ، رغم أن الأخيرة دولة ذات أغلبية شيعية، الأمر الذي يبين أن الانتماء المذهبي لا يمثل بالضرورة المحدد الحاسم للسياسة الخارجية.
كما شهدت العلاقات الإيرانية مع حركة طالبان الارهابية المتشددة (( الناصبية الحاقدة على الشيعة )) ، ومع شخصيات وتنظيمات أخرى ذات خلفيات أيديولوجية تكفيرية وسلفية متباينة، صوراً من التواصل والتعامل فرضتها اعتبارات سياسية وأمنية متغيرة.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه السياسات متطابقة في دوافعها أو نتائجها، بل إن المغزى منها هو أن الدول تتعامل مع الوقائع وفق حسابات مصالحها، لا وفق روابط العقيدة وحدها.
ومن هنا، يحق للعراقيين أن يتساءلوا: لماذا يُطلب من العراق أن يتخلى عن منطق المصالح الوطنية الذي تعتمده سائر الدول، وأن يجعل من التضامن المذهبي التزاماً سياسياً يتقدم على أمنه واقتصاده وسيادته؟!
المطلب الثالث: ازدواجية المعايير في تقييم المواقف الوطنية
تكمن المفارقة في أن المنطق الذي يُعد مشروعاً عندما تتبناه إيران أو غيرها من الدول، يصبح موضع إدانة حين يتعلق الأمر بالعراق.
فحين تدافع دولة عن مصالحها، يُقدَّم موقفها بوصفه ممارسة طبيعية لسيادتها، أما حين يطالب عراقي بتجنيب بلاده ويلات العقوبات والحروب والأزمات، فقد يُتهم بالأنانية أو الانعزال أو التخلي عن واجبات التضامن…!!
بل إن مفردة «الوطنجي» باتت تُستخدم في بعض الخطابات السياسية والإعلامية على نحو تهكمي، وكأن الغيرة على العراق والدفاع عن مصالحه تهمة تستوجب الاعتذار...!!
وهذه المفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح الانتماء الوطني عبئاً على صاحبه، بينما بات الانحياز إلى مصالح الدول الأخرى دليلاً على النبل والوفاء؟!
إن الوطنية لا تعني العداء للشعوب الأخرى، ولا تستلزم التنكر للروابط الإنسانية والدينية، لكنها تعني، في حدها الأدنى، أن يكون المواطن معنياً بمصير وطنه، وأن يضع أمنه واستقراره وحقوق أبنائه في صدارة اهتماماته.
المبحث الثاني: تجييش الجماهير وتحويل القضايا الخارجية إلى أزمات داخلية
المطلب الأول: من الاختلاف السياسي إلى التعبئة الجماهيرية
من حق المواطنين الاعتراض على قرارات حكوماتهم، ومن حقهم التظاهر السلمي والمطالبة بتغيير السياسات التي يرونها ضارة بمصالحهم… ؛ غير أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول القضايا الخارجية إلى أدوات لتعبئة الجماهير العراقية ضد مؤسسات الدولة، من دون نقاش جاد للعواقب التي قد تترتب على تلك التحركات.
فبدلاً من تقديم رؤية متكاملة توازن بين مصالح العراق وعلاقاته الإقليمية والدولية، يجري أحياناً اختزال المسألة في شعارات عاطفية تستثير الانتماءات المذهبية، وتصور القرار الحكومي وكأنه موقف عدائي من إيران أو من زوارها، لا إجراء تتصل به اعتبارات قانونية وسياسية واقتصادية.
وهكذا تنتقل القضية من دائرة النقاش الموضوعي إلى دائرة الاستقطاب العاطفي، ويصبح المواطن مطالباً بالاختيار بين التضامن مع إيران أو الوقوف ضدها، وكأن ثمة تعارضاً حتمياً بين احترام الشعب الإيراني وحماية المصالح العراقية.
المطلب الثاني: توظيف الرموز الدينية في الخطاب السياسي
من بين الشعارات التي برزت في سياق هذه الأزمة الدعوة إلى جعل النجف الأشرف عاصمة عالمية أو إسلامية، وإلى تعزيز مكانتها بوصفها مركزاً دينياً يستقطب الزائرين من مختلف البلدان.
ولا شك في أن النجف الاشرف تمتلك مكانة علمية ودينية وتاريخية راسخة، وأن تطوير بنيتها السياحية والخدمية والاقتصادية يمثل مصلحة عراقية مشروعة… ؛ لكن ينبغي التمييز بين توظيف هذه المكانة في مشروع وطني ينهض بالمدينة وأهلها، وبين استدعائها في سياق سياسي قد يؤدي إلى تمييع الحدود بين الانفتاح الديني والسيادة الوطنية.
فالنجف الاشرف ليست بحاجة إلى الانتقاص من خصوصيتها العراقية كي تؤدي دوراً عالمياً، كما أن الانفتاح على الزوار لا يعني إلغاء حق الدولة في تنظيم حركة الطيران، أو فرض القوانين، أو حماية أمنها ومصالح مواطنيها.
إن تحويل الرموز الدينية إلى أدوات ضغط سياسي لا يخدم بالضرورة تلك الرموز، بل قد يضعها في قلب صراعات لا تتصل بجوهر رسالتها العلمية والروحية.
المطلب الثالث: خطاب الرفق بالزائرين وحدود المسؤولية العراقية
يرفع بعض المعترضين شعار الرفق بالزوار الإيرانيين، ويصورون تعليق الرحلات الجوية وكأنه انتقاص من مكانتهم أو تضييق على حقهم في زيارة العتبات المقدسة.
غير أن احترام الزائرين وتوفير الخدمات لهم لا يعني أن تتحمل الدولة العراقية وحدها جميع الأعباء، أو أن تتنازل عن اعتبارات الأمن والسيادة والالتزامات الدولية.
فالزيارة الدينية يمكن أن تستمر عبر المنافذ البرية، التي اعتاد كثير من الزوار استخدامها، كما أن المطارات الإيرانية القريبة من الحدود العراقية، ومنها مطارات عبادان وإيلام وكرمانشاه، يمكن أن تشكل منافذ بديلة للوصول إلى العراق، وفق الترتيبات القانونية والأمنية المعمول بها.
وبذلك، فإن تعليق الرحلات لا يعني بالضرورة إغلاق أبواب العراق أمام الزوار، وإنما يطرح مسألة تنظيم وسائل النقل بما ينسجم مع الظروف القائمة.
والأجدر بالخطاب الديني والإنساني أن يبحث عن حلول تحفظ كرامة الزائر وحقوقه، من دون أن يحوّل الدولة المضيفة إلى طرف ملزم بتجاوز قوانينها والتزاماتها أو تعريض شعبها للمخاطر.
المبحث الثالث: المطارات العراقية بين المردود الاقتصادي والالتزامات الدولية
المطلب الأول: حقيقة المكاسب والخسائر المالية
أثار قرار تعليق الرحلات الجوية جدلاً بشأن الخسائر الاقتصادية المحتملة التي قد يتكبدها العراق، وذهبت بعض التصريحات إلى الحديث عن خسائر شهرية تصل إلى مئة مليون دولار.
غير أن مثل هذه الأرقام تستوجب التحقق والتدقيق، والتمييز بين إجمالي حركة الأموال المرتبطة بالرحلات الجوية، والإيرادات الصافية التي تدخل خزينة الدولة العراقية، والأرباح التي تحققها شركات الطيران الأجنبية.
فليس كل مبلغ يُنفقه المسافر في العراق إيراداً حكومياً، كما أن قيمة التذاكر التي تتقاضاها شركات الطيران الإيرانية لا تُعد تلقائياً مكسباً اقتصادياً للعراق.
ومن الضروري، في هذا السياق، الكشف عن حجم الإيرادات الفعلية التي تحققها المطارات العراقية من الرحلات الإيرانية، بما يشمل رسوم الهبوط والخدمات الأرضية والمناولة وغيرها، ومقارنتها بالتكاليف المباشرة وغير المباشرة، وبالمخاطر التي قد تنشأ عن مخالفة العقوبات.
إن النقاش الاقتصادي الرصين لا يقوم على الأرقام المتداولة في الحملات الإعلامية، بل على بيانات رسمية شفافة تتيح للمواطن معرفة حقيقة المكاسب والخسائر.
علمًا أن الطائرات التي تنقل الإيرانيين والعراقيين من العراق وإليه، ومن إيران وإليها، تابعة لشركات طيران إيرانية؛ فالأرباح تذهب إلى إيران، بينما يقتصر دور العراق على تقديم الشراب والطعام والسكن المجاني، بل إن بعض وسائل النقل مجانية، ولا سيما تلك التابعة للعتبات الدينية، فضلًا عن استلام المبالغ المالية من المرجعيات والمؤسسات الدينية بحجة الخمس والحقوق الدينية؛ في حين ينظر العراقي إلى موارده الدينية نظرة اليتيم البائس الذي حُرم من مال أبيه…!
وقد انتشر خبر في وسائل الإعلام يفيد بوجود استثناء للخطوط الجوية العراقية لنقل الزائرين من مطار النجف الأشرف وإليه، إلا أن الجانب الإيراني رفض ذلك، وأصرّ على ضرورة نقل الزوار عن طريق شركات الطيران الإيرانية… ؛ وهذا الأمر، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على أمرين لا ثالث لهما:
الأول: تحقيق المكاسب المادية والمعنوية لإيران وحدها، من دون اكتراث بالشعارات الدينية والإنسانية التي يرفعها البعض… .
والثاني: أن تلك الطائرات الإيرانية قد لا تقتصر مهمتها على نقل المسافرين، بل ربما تنقل بعض المواد الممنوعة؛ وإلا، فلماذا تعارض إيران نقل الزوار بواسطة الخطوط الجوية العراقية، إن كانت غايتها خدمة الزوار وتيسير الزيارة الدينية؟!
المطلب الثاني: هل يمكن أن يتحول الامتثال إلى حماية للمصلحة الوطنية؟
قد يبدو الامتثال للعقوبات الأمريكية، في ظاهره، تنازلاً عن حرية القرار العراقي، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة بشأن حدود السيادة الوطنية ومدى استقلال السياسة الخارجية.
لكن السيادة لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها ومؤسساتها ومواردها من الأضرار المحتملة.
فإذا كان تجاوز قرار دولي أو أمريكي معين قد يؤدي إلى فرض عقوبات مالية أو قيود مصرفية أو ضغوط اقتصادية على العراق، فإن واجب الحكومة يقتضي دراسة هذه الاحتمالات وموازنتها بالمنافع المتوقعة من مخالفة القرار.
ولنفترض، على سبيل المثال، أن العراق يحقق عشرة ملايين دولار شهرياً من حركة الطيران الإيرانية، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على قيمة الإيرادات المفقودة، بل يجب أن يتناول حجم الخسائر المحتملة إذا أدى تجاوز القرار إلى إجراءات عقابية أوسع.
وقد تكون الخسائر المحتملة أكبر بكثير من الإيرادات المباشرة التي يسعى العراق إلى الحفاظ عليها، ولا سيما إذا امتدت التداعيات إلى القطاع المصرفي والتجارة الخارجية والتحويلات المالية.
ومن ثم، فإن اتخاذ القرار لا بد أن يستند إلى دراسة متكاملة للمخاطر، لا إلى ردود أفعال عاطفية أو حسابات سياسية ضيقة.
المطلب الثالث: المطارات العراقية ليست امتداداً للمصالح الإيرانية
إن من حق العراق أن يسعى إلى تطوير مطاراته، وتعزيز حركة الطيران الدولية، واستقطاب السياح والزوار من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الزوار الإيرانيون.
لكن من غير المنطقي ربط مستقبل المطارات العراقية باستمرار الرحلات الإيرانية وحدها، وكأن هذه المرافق لا تستطيع أداء دورها الاقتصادي والسياحي إلا من خلال شركات الطيران الإيرانية.
فمطار النجف الدولي، على سبيل المثال، يقع في مدينة تمتلك مقومات دينية وتاريخية وسياحية قادرة على استقطاب الزوار من بلدان متعددة… ؛ ومن المفترض أن يكون تطويره قائماً على تنويع شركات الطيران، وتوسيع شبكة الوجهات، وتعزيز الخدمات، وفتح المجال أمام المنافسة وفق القوانين العراقية.
كما أن بإمكان الخطوط الجوية العراقية، متى توافرت الترتيبات القانونية والتشغيلية اللازمة، أن تؤدي دوراً أكبر في نقل الزوار والطلبة والمرضى والمسافرين بين البلدين، بما يتيح للعراق الاستفادة من حركة النقل الجوي بدلاً من اقتصارها على شركات أجنبية.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة السياسات السابقة لقطاع الطيران، والتحقيق في أسباب محدودية دور الناقل الوطني، ومدى كفاءة إدارة المطارات، وحقيقة الإيرادات والنفقات، ومساءلة الجهات المعنية عن أي تقصير أو سوء إدارة تثبته التحقيقات والبيانات الرسمية.
فرب ضارة نافعة، إذا ما استُثمرت الأزمة في إعادة النظر في قطاع النقل الجوي وتعزيز استقلاليته وكفاءته الاقتصادية.
المبحث الرابع: ازدواجية المواقف السياسية وتبادل الأدوار بين السلطة والمعارضة
المطلب الأول: من المسؤول عن القرار الحكومي؟
يثير موقف بعض قوى الإطار التنسيقي، التي تحاول إحراج الحكومة الاتحادية بسبب قرار تعليق الرحلات الجوية مع إيران، تساؤلات بشأن المسؤولية السياسية عن القرار، ولا سيما أن هذه القوى تشارك في تشكيل الحكومة وتملك نفوذاً سياسياً داخل مؤسسات الدولة.
فمن الذي شكّل الحكومة؟ ومن الذي رشّح رئيس الوزراء علي فالح الزيدي؟ أليست القوى السياسية نفسها التي تتصدر اليوم مشهد الاعتراض جزءاً من المنظومة التي أنتجت السلطة التنفيذية؟
إذا كانت هذه القوى ترفض القرار فعلاً، وتمتلك الأدوات السياسية التي تتيح لها التأثير فيه، فلماذا لا تستخدم تلك الأدوات عبر المؤسسات الدستورية، بدلاً من الاكتفاء بالمؤتمرات الصحفية والتصريحات الإعلامية والتحشيد الجماهيري؟
إن استضافة المسؤولين المعنيين في البرلمان، ومناقشة القرار، وتقديم البدائل، وتحمل المسؤولية السياسية عن نتائجه، كلها وسائل متاحة أمام القوى التي تمتلك حضوراً مؤثراً في العملية السياسية.
المطلب الثاني: المسؤولية السياسية لا تتجزأ
إذا كانت القوى المعترضة مقتنعة بضرورة إعادة فتح المطارات أمام الرحلات الإيرانية، فمن حق المواطنين أن يطالبوها بإعلان موقف رسمي واضح، وتقديم تصور عملي لكيفية تجاوز العقوبات وتجنب تبعاتها المحتملة.
أما محاولة دفع الحكومة أو رئيس الوزراء إلى تحمل المسؤولية وحدهما، مع التنصل من تبعات القرار أو التظاهر بالوقوف خارج دائرة السلطة، فتؤدي إلى إرباك الرأي العام وإضعاف مبدأ المساءلة السياسية.
فلا يجوز أن تكون الجهة السياسية شريكاً في صناعة القرار حين يخدم مصالحها، ثم تتحول إلى معارض له عندما تترتب عليه أعباء أو تبعات غير شعبية.
إن وضوح المواقف، والاعتراف بالمسؤولية، وتقديم البدائل القابلة للتنفيذ، هي الأسس التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين القوى السياسية والحكومة والمواطنين.
المطلب الثالث: انتقائية المواقف من العلاقات الدولية
ومن مظاهر التناقض في بعض الخطابات السياسية أن تُبارك اللقاءات المباشرة بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، في حين تُوجَّه الانتقادات إلى لقاءات رئيس الوزراء العراقي بالمسؤولين الأمريكيين، وكأن التواصل الدبلوماسي مقبول عندما تمارسه دولة أخرى، ومرفوض عندما تمارسه الحكومة العراقية...؟!
كما يُلاحظ أن بعض الأصوات ترفع سقف الاحتجاج على القيود الأمريكية المفروضة على الطيران الإيراني، لكنها لا تُظهر المستوى نفسه من الاهتمام تجاه القيود الأوروبية المفروضة على الطيران العراقي، أو تجاه الأضرار التي قد تلحق بالمواطن العراقي نتيجة تلك القيود…!!
ولا يعني ذلك أن جميع القرارات الأمريكية أو الأوروبية متماثلة في طبيعتها أو آثارها، بل إن المطلوب هو اعتماد معيار واضح في تقييم السياسات الخارجية، يقوم على دراسة آثارها على العراق والعراقيين، بعيداً عن الانتقائية التي تجعل مصلحة دولة خارجية موضع اهتمام دائم، بينما تُهمَل مصالح الدولة العراقية.
المبحث الخامس: السياسة الإيرانية ومبدأ المعاملة بالمثل
المطلب الأول: المصالح الإيرانية أولاً
إن من حق إيران، كأي دولة أخرى، أن تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية، لكن من حق العراق أيضاً أن يتعامل مع سياسات جيرانه انطلاقاً من مصالحه الوطنية، لا من افتراضات عاطفية بشأن طبيعة العلاقات الثنائية.
وقد أثار إغلاق مضيق هرمز، وما ارتبط به من تداعيات على حركة النفط والتجارة، تساؤلات عراقية بشأن مدى مراعاة المصالح العراقية في القرارات الإيرانية، ولا سيما أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على منافذ التصدير البحرية.
كما أن ملف المياه يمثل مثالاً آخر على تعقيد العلاقة بين البلدين؛ إذ تتداخل فيه الاعتبارات الجغرافية والبيئية والسياسية، وتبرز الحاجة إلى اتفاقات عادلة تضمن حقوق العراق المائية وتحفظ مصالح السكان في المناطق المتضررة.
فعندما اقتضت المصلحة الإيرانية إغلاق مضيق هرمز، لم تكترث إيران بمصالح العراق، فضلًا عن دول الخليج؛ فالمعيار الذي يحكم تحركاتها وسياساتها هو مصلحة إيران والإيرانيين فحسب… ؛ لذا، عمدت إلى مطالبة حركة طالبان بضرورة إطلاق مياه نهر هلمند، الذي ينبع من أفغانستان ويصب في الأراضي الإيرانية، وتحديدًا في المناطق التي يقطنها أبناء الطائفة السنية، في حين قطعت العديد من الروافد المائية التي تنبع من أراضيها وتصُب في المناطق الشيعية العراقية.
إلا أن هذا المنطق السياسي، الذي يؤمن به كل سياسي وطني في العالم، يُسفَّه ويُحارَب عندما يتعلق الأمر بالعراق والعراقيين؛ إذ يريد الجميع من العراقي أن يُحرق بلاده أو يتنازل عن ثرواته من أجل سواد عيون الآخرين!
وتكشف هذه الملفات أن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تُدار بالاستناد إلى وحدة المذهب وحدها، وأن المصالح الوطنية قد تتباين حتى بين الدول التي تجمعها روابط دينية وثقافية وثيقة.
المطلب الثاني: حين تتعارض الشعارات مع المصالح
إذا كانت إيران تتخذ قراراتها وفق حسابات مصالحها، فمن حق العراق أن يفعل الشيء نفسه، من دون أن يعني ذلك الإساءة إلى الشعب الإيراني أو الإضرار به.
فالعراق ليس مطالباً بأن يتحمل الأعباء الاقتصادية والسياسية لقرارات دولة أخرى، كما أن الدفاع عن المصالح العراقية لا ينبغي أن يُفسر باعتباره عداءً لإيران أو لشعبها.
والمعادلة التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين البلدين بسيطة في جوهرها: الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وصيانة السيادة، والتعاون في الملفات المشتركة، ومعالجة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية.
أما مطالبة العراق بالتضحية بمصالحه كلما اقتضت الظروف السياسية ذلك، فهي مطالبة تتعارض مع أبسط مبادئ العلاقات الدولية القائمة على استقلال الدول وتكافؤ حقوقها.
المبحث السادس: دروس من التاريخ — الموقف الإيراني من الطائرات العراقية عام 1991
المطلب الأول: بين الضرورة العسكرية والالتزامات الدولية
ليس من المستغرب أن يلتزم العراق بقرارات دولية أو يتخذ مواقف تفرضها ظروف سياسية وأمنية معقدة، حتى عندما تكون تلك المواقف موضع خلاف داخلي أو اعتراض شعبي.
وفي هذا السياق، تبرز واقعة الطائرات العراقية التي لجأت إلى المطارات الإيرانية خلال حرب الخليج الثانية عام 1991، في محاولة لتجنيبها القصف الجوي الذي شنته قوات التحالف الدولي.
فقد أرسل العراق عشرات الطائرات العسكرية والمدنية إلى إيران، وتورد بعض الروايات أن عددها تجاوز المئة طائرة، في خطوة اعتُبرت آنذاك إجراءً اضطرارياً لحمايتها من التدمير.
لكن إيران أعلنت تمسكها باحتجاز تلك الطائرات، مستندة إلى موقفها الرسمي من الحرب وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالعراق… , وقد أثار هذا الموقف جدلاً بشأن مصير الطائرات وأساس الاحتفاظ بها، خصوصاً بعد انتهاء العمليات العسكرية.
المطلب الثاني: ما الذي تكشفه الواقعة؟
إن استحضار هذه الحادثة لا يستهدف استدعاء العداء أو تصفية الحسابات التاريخية، وإنما يهدف إلى التذكير بأن الدول تتصرف وفق حساباتها السياسية والقانونية، حتى عندما تكون العلاقات بينها وبين الدول الأخرى محكومة بروابط جوار أو مصالح مشتركة.
فإذا كانت إيران قد اتخذت موقفاً متشدداً تجاه الطائرات العراقية في ظرف تاريخي معين، فإن ذلك يؤكد ضرورة أن يتعامل العراق مع علاقاته الخارجية على أساس المصالح والحقوق المتبادلة، لا على أساس افتراضات غير مشروطة عن التضامن أو الوفاء.
والدرس الأهم هو أن الدولة التي لا تحسن تقدير مصالحها، ولا تضع ضمانات واضحة لحقوقها، قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع أثمان باهظة نتيجة قرارات لم تكن تملك السيطرة الكاملة على تبعاتها.
المبحث السابع: السيادة العراقية وحدود التدخل الخارجي
المطلب الأول: هل تنشئ وحدة المذهب حقاً سياسياً عابراً للحدود؟
يثير هذا الملف سؤالاً جوهرياً يتجاوز أزمة الطيران إلى طبيعة الدولة الوطنية وحدود العلاقة بين الدين والسياسة: هل يحق لدولة أجنبية التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للعراق لمجرد وجود وحدة دينية أو مذهبية أو قومية بينها وبين شريحة واسعة من مواطنيه؟
وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فما الأساس القانوني أو الأخلاقي الذي يمنحها هذا الحق؟ وهل يمكن تعميم المبدأ نفسه على سائر الدول التي تجمعها روابط دينية أو مذهبية أو قومية مع جماعات داخل العراق؟
أما إذا كانت الإجابة بالنفي، فلماذا يُقبل التدخل حين يصدر عن دولة بعينها، ويُرفض حين يصدر عن دولة أخرى؟
إن وحدة الدين أو المذهب قد تشكل أساساً للتواصل الاجتماعي والثقافي والروحي، لكنها لا تنشئ، بذاتها، حقاً في ممارسة السلطة السياسية على مواطني دولة أخرى، ولا تمنح أي حكومة أجنبية وصاية على خياراتهم الوطنية.
المطلب الثاني: المواطن بين المرجعية الدينية والمواطنة السياسية
إن احترام المرجعيات الدينية ومكانتها الروحية لا يتعارض مع مبدأ المواطنة، كما أن الالتزام الديني لا يستلزم نقل الولاء السياسي من الدولة الوطنية إلى دولة أخرى.
وقد تناول عدد من رجال الدين والمفكرين، ومنهم السيد كمال الحيدري والشيخ محمد حيدر العاملي، موضوعات الدولة والمواطن والوطن والسيادة، في سياقات تؤكد أهمية التمييز بين الانتماء الديني والحقوق السياسية التي تنظمها الدولة والقانون.
ومن هنا، تبرز ضرورة مناقشة هذه المسائل بعيداً عن الأشخاص، وبعيداً عن الأحكام المسبقة، من خلال طرح الأسئلة الفكرية والقانونية الآتية:
هل تمنح وحدة الدين أو المذهب دولةً أجنبية حق التدخل السياسي في شؤون دولة أخرى؟
هل يجوز أن تتحول الروابط الدينية إلى أساس لتجاوز السيادة الوطنية؟
هل تتقدم المرجعية السياسية للمواطن على أساس المواطنة والقانون، أم يمكن نقلها إلى دولة أخرى بفعل الانتماء المذهبي؟
كيف يمكن الجمع بين حرية الاعتقاد واحترام المرجعيات الدينية من جهة، واستقلال القرار السياسي للدولة الوطنية من جهة أخرى؟
إن مناقشة هذه الأسئلة تمثل ضرورة فكرية ووطنية، لا دعوة إلى الخصومة الدينية أو المذهبية، ولا انتقاصاً من حق المواطنين في ممارسة شعائرهم أو التعبير عن معتقداتهم.
المبحث الثامن: العراق أولاً — نحو وعي وطني يتجاوز الاستقطاب
المطلب الأول: لا ينبغي أن يكون العراق آخر ما يُذكر
من المؤلم أن تحظى قضايا الدول الأخرى بمساحة واسعة من الاهتمام الإعلامي والشعبي، في حين لا تحظى قضايا العراق ومصالحه وحقوق أبنائه بالمستوى نفسه من الاهتمام.
فمن حق العراقي أن يتعاطف مع أي شعب، وأن يدافع عن المظلومين، وأن ينتقد حكومته، وأن يرفض السياسات التي يراها ظالمة أو مجحفة… ؛ لكن من حق العراق أيضاً أن يكون حاضراً في خطاب أبنائه، وأن تكون مصالحه وسيادته وأمنه واستقراره جزءاً أساسياً من مواقفهم اليومية.
إن الدفاع عن الوطن لا يعني كراهية الآخرين، كما أن تقديم المصلحة الوطنية لا يستلزم التنكر للروابط الإنسانية أو الدينية… ؛ بل إن المواطن الذي يحترم وطنه ويحرص على مصالحه يكون أقدر على بناء علاقات متوازنة مع الدول الأخرى، قائمة على الاحترام المتبادل لا على التبعية أو الارتهان.
المطلب الثاني: الوطنية ليست تهمة
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الوطنية، بعيداً عن محاولات تشويهه أو اختزاله في شعارات سياسية متغيرة.
فالوطنية ليست ادعاءً لفظياً، ولا أداةً لتخوين المخالفين، بل هي مسؤولية أخلاقية وسياسية تقتضي الدفاع عن حقوق المواطنين، ومساءلة السلطات، وحماية المال العام، وصيانة السيادة، والعمل على بناء دولة قادرة على اتخاذ قراراتها وفق مصالح شعبها.
ومن يطالب بتجنيب العراق الحروب والعقوبات والأزمات لا ينبغي أن يُتهم لمجرد أنه يضع مصالح بلاده في مقدمة أولوياته، كما أن من يتضامن مع شعب آخر لا ينبغي أن يُدان لمجرد تضامنه، ما دام لا يجعل ذلك التضامن ذريعةً للمطالبة بالإضرار بوطنه أو الانتقاص من حقوق مواطنيه.
إن المعيار العادل هو مدى اتساق المواقف مع مبادئ السيادة والمواطنة والمصلحة العامة، لا هوية الدولة التي يجري الدفاع عنها أو الانتماء الديني لمن يتبنى الموقف.
المطلب الثالث: مسؤولية النخب السياسية والدينية والإعلامية
تقع على عاتق النخب السياسية والدينية والإعلامية مسؤولية كبيرة في ترشيد الخطاب العام، وتجنب تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات هوياتية، أو استخدام العاطفة الدينية والمذهبية لتوجيه الجماهير نحو مواقف قد لا تدرك تبعاتها كاملة.
فبدلاً من تحريض المواطنين على مؤسسات الدولة، ينبغي فتح نقاش عام بشأن طبيعة القرار الحكومي، وأساسه القانوني، وتكاليفه الاقتصادية، والبدائل الممكنة، ومدى قدرة العراق على حماية مصالحه في ظل التوازنات الإقليمية والدولية.
كما ينبغي أن تتبنى وسائل الإعلام خطاباً نقدياً متوازناً، يتيح للمواطن الاطلاع على المعلومات والآراء المختلفة، بدلاً من الاكتفاء بتأجيج الانفعالات وتكريس الاستقطاب.
فالمجتمع الذي يُدفع باستمرار إلى اتخاذ مواقف عاطفية من قضايا الآخرين، من دون أن يمتلك رؤية واضحة لمصالحه الوطنية، يصبح أكثر عرضة للتجاذبات الخارجية وأقل قدرة على بناء مشروع سياسي مستقل.
خاتمة: العراق ليس ساحةً لتصفية حسابات الآخرين
إن أزمة تعليق الرحلات الجوية بين العراق وإيران ليست مجرد خلاف على حركة الطيران، بل إنها تكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بحدود التضامن الديني والمذهبي، وطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وموقع المصالح الوطنية في الخطاب السياسي العراقي.
وهي تضع العراقيين أمام أسئلة لا ينبغي الهروب منها: لماذا يُطلب من العراق أن يتحمل تبعات قرارات دول أخرى؟ ولماذا تُستثار الجماهير للدفاع عن مصالح خارجية، بينما لا تحظى الأزمات الداخلية بالمستوى نفسه من التعبئة؟ ولماذا يصبح الاعتراض على سياسات الحكومة واجباً وطنياً حين يتعلق الأمر بقضايا خارجية، بينما يُصوَّر الدفاع عن مصالح العراق وكأنه موقف انعزالي أو عدائي؟
إن رفض العقوبات التي تضر بالشعوب موقف يمكن الدفاع عنه إنسانياً وأخلاقياً، لكن ذلك لا يعفي الدولة العراقية من مسؤوليتها في حماية مواطنيها، ولا يمنح أي جهة حق مطالبتها بتعريض اقتصادها وأمنها واستقرارها لمخاطر إضافية.
كما أن احترام الشعب الإيراني لا يقتضي تأييد كل سياسات حكومته، تماماً كما أن نقد السياسة الأمريكية لا يعني بالضرورة رفض كل أشكال التعاون مع الولايات المتحدة، أو التخلي عن المصالح العراقية في العلاقات الدولية.
فالعلاقات بين الدول ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا على العواطف وحدها، ولا على افتراض أن وحدة الدين أو المذهب تمنح طرفاً حق الوصاية على الطرف الآخر.
العراق ليس ساحةً لمصالح الآخرين، ولا ينبغي أن يكون وطن العراقيين في المرتبة الثانية.
ومن يحب العراق لا يحتاج إلى أن يكره غيره، لكنه يدرك أن حماية وطنه وصيانة سيادته والدفاع عن حقوق مواطنيه ليست مواقف قابلة للتأجيل أو المساومة.
فليكن للعراق نصيب من أصوات أبنائه ومواقفهم واهتماماتهم؛ وليكن الدفاع عن مصالحه حاضراً في خطابهم كما يحضر الدفاع عن قضايا الآخرين.
العراق أولاً، لا بمعنى العداء للآخرين، بل بمعنى الوفاء للوطن الذي يجمعنا، والمسؤولية تجاه الشعب الذي نتقاسم معه المصير.



