أكتوبر 2, 2026
رياض سعد

دراسة في موارد الدولة العراقية بين الاقتصاد الريعي والإيرادات غير النفطية والاقتصاد الموازي والفساد المالي

رياض سعد

# المقدمة: بلد الثروات الهائلة ومفارقة العجز المالي

كيف يمكن لدولة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وتتمتع بموارد طبيعية وبشرية وجغرافية متنوعة، أن تظل أسيرة العجز المالي، وأن تتكرر فيها الأزمات المتعلقة بتمويل الرواتب والمشاريع والخدمات العامة؟!

 وكيف يمكن لبلد تتدفق إلى خزينته عشرات المليارات من الدولارات سنوياً أن يعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لقطاع واسع من مواطنيه؟!

إن هذا التساؤل لا ينطلق من افتراض أن العراق يفتقر إلى الموارد، بل من ضرورة البحث في طبيعة تلك الموارد، وحجمها، ومصادرها، وآليات تحصيلها، وأوجه إنفاقها، ومدى كفاءة المؤسسات المسؤولة عن إدارتها.

فالمشكلة الاقتصادية العراقية لا يمكن اختزالها في الاعتماد على النفط وحده، على الرغم من خطورة هذا الاعتماد، بل تتصل أيضاً بضعف تنويع الاقتصاد، ومحدودية الإيرادات غير النفطية، وتضخم النفقات التشغيلية، وتراجع الإنتاج المحلي، والتهرب الضريبي والجمركي، والفساد الإداري والمالي، فضلاً عن الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة التي تستنزف موارد الدولة وتضعف قدرتها على أداء وظائفها.

ولعل أخطر ما في هذه المفارقة أن المواطن العراقي يُطالَب باستمرار بتحمل أعباء الأزمات المالية، في حين لا تتوافر له دائماً معلومات واضحة ومتكاملة عن حجم الإيرادات العامة، وما تجبيه المؤسسات الحكومية، وما تخسره الخزينة بسبب الفساد والتهريب، وما تنفقه الدولة على مؤسساتها ومشاريعها.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي تسعى إلى تقديم صورة شاملة عن موارد الدولة العراقية، القانونية وغير القانونية، مع التمييز بين الأموال التي تدخل الخزينة العامة، وتلك التي تتداولها المؤسسات والشركات، والأموال التي تُستنزف بفعل الفساد والاقتصاد الموازي.

فليس الغرض من هذه الدراسة مجرد تعداد الموارد، وإنما طرح سؤال جوهري: إذا كانت الدولة تمتلك كل هذه المنافذ المالية والثروات، فلماذا لا ينعكس ذلك بصورة متناسبة على حياة العراقيين ومستوى الخدمات والتنمية؟

# الفصل الأول: بنية الاقتصاد العراقي ومصادر الإيرادات العامة

# أولاً: الاقتصاد الريعي والاعتماد على النفط

يُصنف الاقتصاد العراقي ضمن الاقتصادات الريعية التي تعتمد بدرجة كبيرة على تصدير الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط الخام… ؛  وقد أسهمت هذه البنية في جعل الموازنة العامة شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية، بحيث تتسع قدرة الدولة على الإنفاق عند ارتفاع الأسعار، وتتقلص عند انخفاضها.

وتكشف بيانات صندوق النقد الدولي عن استمرار هذا الاختلال الهيكلي… ؛  ففي عام 2024 بلغت الإيرادات الحكومية العراقية نحو 140.4 تريليون دينار، منها 128.7 تريليون دينار إيرادات نفطية، مقابل 11.7 تريليون دينار إيرادات غير نفطية، وفق بيانات الحسابات المالية الحكومية التي أوردها الصندوق.

وهذا يعني أن النفط ظل يمثل الغالبية الساحقة من الإيرادات الحكومية، في حين لم تتمكن الضرائب والرسوم وأرباح القطاعات الإنتاجية الأخرى من تشكيل قاعدة مالية موازية قادرة على تخفيف الاعتماد على المورد النفطي.

ولا تكمن المشكلة في امتلاك العراق ثروة نفطية كبيرة، بل في تحويل هذه الثروة إلى بديل عن بناء اقتصاد متنوع، بحيث أصبحت الدولة تعتمد على بيع مورد طبيعي ناضب لتمويل جهاز إداري واسع ونفقات متزايدة، بدلاً من توظيف عوائده في تأسيس قطاعات إنتاجية مستدامة.

# ثانياً: الإيرادات النفطية

تمثل الإيرادات النفطية المورد الرئيس للموازنة الاتحادية، وتشمل مجموعة من الأنشطة التي ينبغي النظر إليها بصورة متكاملة، لا باعتبار تصدير النفط الخام المصدر الوحيد للدخل النفطي.

ومن أبرز هذه الموارد:

1. تصدير النفط الخام إلى الأسواق العالمية.

2. بيع النفط الخام إلى المصافي المحلية.

3. تصدير المشتقات النفطية.

4. بيع البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض وزيت الوقود.

5. بيع الغاز الطبيعي والغاز السائل.

6. بيع المكثفات النفطية.

7. بيع الزيوت الصناعية والمنتجات النفطية الأخرى.

8. إيرادات الشركات النفطية الحكومية.

9. الضرائب المفروضة على أرباح الشركات النفطية.

10. عوائد بعض الخدمات والعقود والأنشطة التشغيلية النفطية.

وتتولى شركة تسويق النفط العراقية (سومو) إدارة عمليات تسويق النفط الخام وتصديره، فيما تضطلع الشركات التابعة لوزارة النفط بعمليات الإنتاج والاستخراج والنقل والتصفية والتوزيع.

غير أن وجود هذه الأنشطة لا يعني بالضرورة أن جميع إيراداتها تُضاف بصورة مباشرة ومستقلة إلى الخزينة الاتحادية؛ إذ تختلف آليات التحصيل والتحويل والمحاسبة بين المؤسسات والشركات، وهو ما يستوجب الرجوع إلى الحسابات الختامية والبيانات المالية التفصيلية لتحديد صافي ما يعود إلى الدولة.

وتشير الإحصاءات الرسمية والتصريحات الصادرة عن وزارة النفط العراقية إلى أن العراق يمتلك ملايين السيارات والمركبات، ويستهلك يومياً عشرات الملايين من لترات البنزين. ويمكن تلخيص الأرقام المتاحة على النحو الآتي:

# أولاً: كم عدد السيارات والمركبات في العراق؟

بحسب بيانات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية التابعة لوزارة التخطيط، حتى نهاية عام 2024:

| الفئة                                                         | العدد            |

| ————————————————————- | —————- |

| سيارات القطاع الخاص المسجلة في العراق، بما فيها إقليم كردستان | 8,287,604 سيارات |

| السيارات الحكومية والعامة والمختلطة                           | 157,159 مركبة    |

| الدراجات النارية التابعة للقطاع الخاص                         | 208,937 دراجة    |

| الدراجات النارية التابعة للقطاع الحكومي والعام والمختلط       | 3,210 دراجات     |

المصادر: تقرير إحصاء سيارات القطاع الخاص، وتقرير المركبات الحكومية والعامة والمختلطة .

ملاحظة: لا ينبغي جمع هذه الأرقام باعتبارها إحصاءً نهائياً لكل الآليات في العراق؛ فهي تتناول فئات محددة، ولا تشمل بالضرورة جميع المعدات والآليات التخصصية أو المركبات غير المسجلة.

وبذلك، فإن عدد السيارات الخاصة المسجلة وحدها يتجاوز 8.28 ملايين سيارة، فيما يتجاوز مجموع السيارات الخاصة والمركبات الحكومية والعامة المذكورة في الإحصاءات 8.44 ملايين مركبة.

# ثانياً: كم لتر بنزين يحتاج العراق يومياً؟

الاستهلاك اليومي المعلن للبنزين

# 32 مليون لتر

وفق تصريح مدير عام شركة توزيع المنتجات النفطية في 1 نيسان 2024.

الاستهلاك الأسبوعي 224 مليون لتر

الاستهلاك الشهري (30 يوماً) 960 مليون لتر

الاستهلاك السنوي 11.68 مليار لتر

وقد أكدت وزارة النفط، عبر شركة توزيع المنتجات النفطية، أن الاستهلاك اليومي يبلغ نحو 32 مليون لتر من البنزين بمختلف أنواعه، باستثناء إقليم كردستان في التصريحات المنشورة.

وفي تصريح لاحق، أشار مرصد «إيكوعراق» الاقتصادي إلى استهلاك يقارب 31 مليون لتر يومياً من البنزين، وهو ما يؤكد أن الاستهلاك يدور حول هذا المستوى، مع اختلاف الأرقام بحسب الفترة ومصدر التقدير.

# ثالثاً: ماذا تعني هذه الأرقام اقتصادياً؟

إذا قسمنا الاستهلاك اليومي البالغ 32 مليون لتر على عدد السيارات الخاصة المسجلة، البالغ نحو 8.28 ملايين سيارة، فسنحصل على متوسط حسابي يقارب 3.9 لترات يومياً لكل سيارة.

لكن هذا الرقم ليس استهلاكاً فعلياً لكل سيارة؛ فهو مجرد قسمة إجمالي الاستهلاك على عدد السيارات المسجلة، ولا يأخذ في الحسبان اختلاف معدلات الاستخدام، ولا استهلاك المركبات الحكومية، ولا الفوارق الجغرافية.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الطلب الكبير على البنزين في العراق، وما يترتب عليه من أعباء تتعلق بالإنتاج المحلي والاستيراد والدعم الحكومي، فضلاً عن الآثار البيئية والمرورية.

الخلاصة: العراق يمتلك أكثر من 8.28 ملايين سيارة خاصة مسجلة، ويستهلك نحو 31–32 مليون لتر من البنزين يومياً، أي ما يقارب 11.3–11.7 مليار لتر سنوياً، وفق معدلات الاستهلاك المعلنة. وهذه الأرقام تصلح أساساً لدراسة اقتصادية عن كلفة دعم الوقود، وحجم الاستيراد، وإيرادات الدولة المحتملة من سوق المشتقات النفطية.

إذا أردنا احتساب القيمة السنوية للبنزين الذي يستهلكه العراق، فعلينا التمييز بين سعر البيع للمواطن، وكلفة إنتاج البنزين أو استيراده، والقيمة الإجمالية للسوق؛ فهذه ثلاثة أرقام مختلفة، ولا يجوز الخلط بينها عند إعداد دراسة اقتصادية.

# أولاً: القيمة السنوية للبنزين بأسعار البيع للمواطن

وفق بيانات وزارة النفط المنشورة في نيسان 2024، يبلغ الاستهلاك اليومي نحو 32 مليون لتر، منها 82% من البنزين العادي بسعر 450 ديناراً للتر، و18% من البنزين المحسن والسوبر.

وبالاستناد إلى أسعار البيع المعلنة للأنواع المختلفة، يمكن وضع تقدير تقريبي للقيمة السنوية كما يأتي:

# القيمة السنوية التقديرية

على أساس استهلاك يتراوح بين 11.3 و11.7 مليار لتر سنوياً، وسعر صرف افتراضي قدره 1,310 دنانير للدولار.

|                                                     |                         |

| ————————————————— | ———————– |

| السيناريو                                           | القيمة بالدولار         |

| إذا بيع كل لتر بسعر 450 ديناراً                     | 3.88–4.02 مليارات دولار |

| إذا بيع كل لتر بسعر 522 ديناراً (متوسط تقديري)      | 4.50–4.66 مليارات دولار |

| إذا بيع كل لتر بسعر 594 ديناراً (متوسط تقديري أعلى) | 5.12–5.30 مليارات دولار |

| إذا بيع كل لتر بسعر 850 ديناراً                     | 7.33–7.59 مليارات دولار |

المتوسطان 522 و594 ديناراً هما سيناريوهان حسابيان، وليسا سعراً رسمياً موحداً؛ إذ يتوقف المتوسط الفعلي على توزيع الاستهلاك بين البنزين المحسن والسوبر.

وعليه، فإن القيمة السنوية التقريبية للبنزين المباع للمستهلكين، وفق مزيج الأسعار المدعومة، تقع في حدود 4.5 إلى 5.3 مليارات دولار، بحسب توزيع الكميات بين الأنواع المختلفة.

# ثانياً: ماذا لو احتسبنا البنزين بسعر الاستيراد؟

هنا تظهر أهمية التمييز بين ما يدفعه المواطن وما تتحمله الدولة.

فقد ذكرت وزارة النفط أن كلفة استيراد البنزين كانت تتراوح بين 800 و850 ديناراً للتر الواحد في تصريحها المنشور في نيسان 2024.

وباحتساب هذه الكلفة على كامل الكمية السنوية:

كلفة افتراضية لاستيراد كامل الاستهلاك السنوي

# 6.9–7.6 مليارات دولار

هذا تقدير افتراضي مبني على استيراد كامل الكمية، وليس فاتورة الاستيراد الفعلية؛ فالعراق ينتج جزءاً من احتياجاته محلياً.

وهذا الرقم لا يمثل بالضرورة خسارة الدولة أو مقدار الدعم؛ إذ يتطلب احتساب الدعم الفعلي معرفة كلفة إنتاج البنزين المحلي، وكلفة استيراد الكميات المستوردة فعلاً، وأسعار بيع كل نوع، فضلاً عن كلف النقل والتوزيع.

# ثالثاً: الخلاصة الاقتصادية

يمكن صياغة النتيجة على النحو الآتي:

إن استهلاك العراق السنوي من البنزين، الذي يناهز 11.3–11.7 مليار لتر، يمثل سوقاً ضخمة تتجاوز قيمتها خمسة مليارات دولار سنوياً عند احتساب أسعار البيع للمستهلكين وفق مزيج تقريبي من أنواع الوقود… ؛  أما إذا احتسبنا الكميات ذاتها وفق كلفة الاستيراد المعلنة، فإن قيمتها الافتراضية تقترب من سبعة مليارات ونصف المليار دولار… ؛  وتكشف هذه الأرقام عن حجم الأموال المتداولة في قطاع المشتقات النفطية، وعن ضرورة إخضاع عمليات الإنتاج والاستيراد والتوزيع والتسعير لرقابة مالية واقتصادية دقيقة، بما يضمن حماية المال العام وترشيد الدعم ومنع الهدر.

والأهم في هذا التقرير : لا يصح القول إن الدولة تخسر كامل الفرق بين كلفة الاستيراد وسعر البيع، لأن جزءاً من البنزين ينتج محلياً، ولأن حساب الدعم يتطلب بيانات تفصيلية عن كلفة الإنتاج والتوزيع، لا مجرد مقارنة سعر الاستيراد بسعر المضخة.

# الفصل الثاني: الإيرادات غير النفطية… الثروة المالية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي

إن الحديث عن اعتماد العراق على النفط لا ينبغي أن يحجب حقيقة امتلاكه شبكة واسعة من الإيرادات غير النفطية، تتوزع بين الضرائب والرسوم وأجور الخدمات وأرباح المؤسسات الحكومية وعوائد الأملاك والاستثمارات.

وتكمن أهمية هذه الموارد في أنها تمثل، من حيث المبدأ، قاعدة مالية قابلة للتطوير والتوسع، شريطة إصلاح منظومة الجباية، وتحديث الإدارة المالية، ومكافحة التهرب والفساد، وتحسين أداء المؤسسات العامة.

وقد قدّرت وزارة التخطيط العراقية، ضمن خطة التنمية الوطنية 2024–2028، الإيرادات غير النفطية للفترة المذكورة بنحو 79.1 تريليون دينار، منها 21 تريليون دينار ضرائب مباشرة، و16.8 تريليون دينار ضرائب غير مباشرة، و41.3 تريليون دينار من الإيرادات الأخرى. وهذه أرقام تقديرية للخطة وليست إيرادات متحققة بالفعل.

# أولاً: وزارة المالية والهيئات التابعة لها

تتولى وزارة المالية إدارة الخزينة العامة والإشراف على السياسة المالية وإعداد الموازنة، وتستند الإيرادات الداخلة في اختصاصها إلى مجموعة من الموارد، أبرزها:

* ضريبة الدخل على الأفراد والشركات.

* الضرائب العقارية.

* الضرائب على بعض السلع والخدمات.

* الرسوم المالية والطوابع.

* الإيرادات الجمركية التي تُحصّل عبر الجهات المختصة.

* استرداد الديون الحكومية.

* عوائد بعض أملاك الدولة.

* تحويلات أرباح المؤسسات والشركات العامة.

* الإيرادات المالية والإدارية الأخرى.

وتُعد الهيئة العامة للضرائب والهيئة العامة للكمارك من المؤسسات الأساسية في منظومة الإيرادات غير النفطية، نظراً إلى دورهما في تحصيل الضرائب والرسوم المستحقة على الأفراد والشركات والسلع المستوردة.

لكن فاعلية هذه الموارد لا تتوقف على حجم الضرائب المفروضة، بل على قدرة الدولة على تحصيلها بصورة عادلة ومنتظمة، ومنع التهرب والتحايل، وتوسيع قاعدة المكلفين، بدلاً من تحميل الفئات الملتزمة وحدها الأعباء المالية.

وقد سرق نور زهير، خلال الفترة الممتدة من أيلول عام 2021 إلى آب عام 2022، وبمعية فاسدين آخرين، مبلغاً يُقدّر بنحو 2.5 مليار دولار من أمانات الهيئة العامة للضرائب، سُحبت عبر خمس شركات...!!

# ثانياً: الرسوم الجمركية والمنافذ الحدودية

تمثل المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية أحد أهم منافذ الإيرادات غير النفطية، بالنظر إلى حجم الاستيراد الذي يحتاج إليه السوق العراقية.

وتشمل موارد هذا القطاع:

1. الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع المستوردة.

2. الرسوم المتعلقة بإجراءات التخليص الجمركي.

3. أجور الخدمات في المنافذ.

4. الغرامات المترتبة على المخالفات والتهرب الجمركي.

5. الرسوم المفروضة على حركة الشاحنات وفق القوانين النافذة.

6. الإيرادات المرتبطة ببعض الخدمات اللوجستية.

وتتضاعف أهمية هذه الموارد إذا ما أخذنا في الاعتبار أن كل عملية استيراد خاضعة للرسوم تمثل مورداً محتملاً للخزينة العامة.

ومن هنا، فإن أي تلاعب في تقدير قيم البضائع أو تصنيفها، أو إعفاء غير مستحق، أو إدخال غير قانوني للسلع، لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل قد يؤدي إلى حرمان الدولة من إيرادات مستحقة، فضلاً عن الإضرار بالتجارة النظامية والصناعة المحلية.

# ثالثاً: وزارة الداخلية

تحقق وزارة الداخلية إيرادات من الرسوم والغرامات القانونية المرتبطة بالخدمات التي تقدمها، ومنها:

* رسوم إصدار وتجديد جوازات السفر.

* رسوم البطاقة الوطنية.

* رسوم الإقامة.

* رسوم تسجيل المركبات.

* رسوم إجازات السوق.

* رسوم لوحات المركبات.

* الغرامات المرورية.

* بعض الرسوم الأمنية والإدارية.

وتتطلب معرفة الحجم الفعلي لهذه الإيرادات نشر بيانات دورية توضح إجمالي المبالغ المحصلة، والمبالغ المحولة إلى الخزينة العامة، والنفقات التشغيلية المرتبطة بتحصيلها.

# رابعاً: وزارة العدل

تشمل موارد المؤسسات العدلية:

* الرسوم القضائية.

* رسوم تسجيل العقارات ونقل ملكيتها.

* رسوم الكاتب العدل.

* رسوم الوكالات والتصديقات.

* أجور تنفيذ الأحكام.

* الرسوم المرتبطة ببعض المعاملات المدنية والإدارية.

وتُعد دوائر التسجيل العقاري والكاتب العدل من الجهات التي تتعامل مع معاملات مالية واسعة، الأمر الذي يجعل الشفافية في احتساب الرسوم وتحصيلها أمراً مهماً في حماية المال العام.

# خامساً: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

تتعدد الإيرادات المرتبطة بالمؤسسات التعليمية، ومنها:

* أجور الدراسة المسائية.

* أجور التعليم الموازي.

* أجور الدراسات العليا.

* رسوم الامتحانات.

* أجور إصدار الوثائق.

* إيرادات المستشفيات التعليمية.

* إيرادات الخدمات الاستشارية والبحثية.

* الرسوم القانونية المتعلقة بإجازات الجامعات والكليات الأهلية.

ويجب التمييز هنا بين الإيرادات التي تحصلها الجامعات الحكومية، وبين أجور التعليم الأهلي التي تعود إلى مؤسسات خاصة، فلا يصح احتساب كامل إيرادات القطاع الأهلي مورداً مباشراً للخزينة العامة.

# سادساً: وزارة التربية

تشمل موارد الوزارة:

* رسوم الامتحانات الخارجية.

* أجور إصدار الوثائق.

* إيجارات بعض العقارات والمرافق التابعة لها.

* عوائد استثمار بعض الممتلكات وفق القوانين النافذة.

# سابعاً: وزارة الصحة

تتضمن موارد المؤسسات الصحية الحكومية:

* أجور بعض الخدمات العلاجية.

* أجور العمليات والخدمات الخاصة.

* رسوم المختبرات والأشعة.

* رسوم الإجازات الصحية.

* إيرادات المستشفيات والمراكز الصحية.

* الرسوم المفروضة على بعض المؤسسات الصحية الأهلية.

ويقتضي تقييم هذه الإيرادات مراعاة طبيعة القطاع الصحي، والتمييز بين الخدمات العامة التي تمولها الدولة والخدمات المدفوعة التي تستوفي عنها أجوراً محددة.

# ثامناً: وزارة التجارة

تشمل موارد الوزارة والشركات التابعة لها:

* إيرادات بعض العقود التجارية.

* أجور الخزن في المخازن الحكومية.

* أرباح الشركات التابعة.

* إيرادات الأنشطة التجارية والخدمية.

* عوائد بيع بعض المنتجات والسلع الحكومية.

أما الحصة التموينية، فلا يجوز التعامل مع قيمتها الإجمالية بوصفها إيراداً صافياً للدولة؛ لأنها ترتبط بمنظومة دعم وتمويل وتوزيع تتضمن نفقات والتزامات مالية مقابلة.

# تاسعاً: وزارة الكهرباء

تشمل موارد القطاع الكهربائي:

* أجور استهلاك الكهرباء.

* أجور الاشتراكات.

* أجور نصب العدادات.

* أجور تجهيز المنشآت الصناعية والتجارية.

* الغرامات القانونية.

لكن الإيرادات المحصلة ينبغي أن تُقارن بكلفة الإنتاج والاستيراد والنقل والتوزيع والدعم الحكومي، لتحديد حجم العجز الفعلي في هذا القطاع.

# عاشراً: وزارة النقل وسلطة الطيران المدني

تتوزع موارد قطاع النقل على:

* أجور المطارات.

* رسوم استخدام المرافق الجوية.

* رسوم الملاحة الجوية وعبور الطائرات.

* أجور الموانئ.

* إيرادات النقل البحري.

* إيرادات النقل السككي.

* أجور الشحن والخدمات اللوجستية.

* رسوم التراخيص الفنية.

وتكتسب هذه الموارد أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للعراق وإمكاناته في النقل الإقليمي والتجارة العابرة للحدود.

# الحادي عشر: وزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات

تشمل الموارد المرتبطة بقطاع الاتصالات:

* رسوم تراخيص شركات الهاتف النقال.

* رسوم تراخيص شركات الإنترنت.

* أجور استخدام الطيف الترددي.

* رسوم البث الفضائي والإذاعي.

* إيرادات الخدمات البريدية.

* بدلات استخدام بعض البنى التحتية الحكومية.

وتتطلب معرفة حجم هذه الإيرادات التمييز بين الرسوم التنظيمية التي تستوفيها هيئة الإعلام والاتصالات، وإيرادات الشركات الحكومية العاملة في قطاع الاتصالات، والإيرادات التجارية للشركات الخاصة.

# الثاني عشر: وزارة البلديات وأمانة بغداد

تشمل موارد المؤسسات البلدية:

* رسوم إجازات البناء.

* رسوم المجاري والخدمات البلدية.

* إيجارات الأملاك البلدية.

* رسوم الأسواق والمواقف.

* رسوم الإعلانات.

* إيرادات المجازر والأسواق.

* غرامات التجاوزات والمخالفات.

* رسوم بعض المعاملات البلدية.

وتُضاف إليها عوائد تأجير واستثمار العقارات والأراضي البلدية وفق الأطر القانونية.

# الثالث عشر: وزارة الموارد المائية

تتضمن الموارد المرتبطة بهذا القطاع:

* رسوم استخدام المياه في بعض المشاريع.

* عوائد استثمار المنشآت التابعة.

* إيجارات بعض الأراضي والممتلكات.

*الغرامات والرسوم .

ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في تقدير هذه الإيرادات، لأن الوظيفة الأساسية للوزارة تتصل بإدارة الموارد المائية وحمايتها وتوفيرها، لا بتحقيق الأرباح التجارية.

# الرابع عشر: هيئة الاستثمار

تشمل مواردها:

* الرسوم القانونية المرتبطة بإجازات الاستثمار.

* بدلات الإيجار.

* عوائد استثمار الأراضي والممتلكات الحكومية.

* الرسوم الإدارية المقررة قانوناً.

لكن حجم الاستثمارات التي تجذبها الهيئة لا يمثل إيراداً حكومياً مباشراً، بل ينبغي التمييز بين قيمة الاستثمار الكلي وبين الرسوم والبدلات التي تحصلها الدولة منه.

# الخامس عشر: البنك المركزي العراقي والمصارف الحكومية

تتصل موارد البنك المركزي بعوائده المالية واستثماراته ونتائجه التشغيلية، وفق القوانين المنظمة لعمله.

أما المصارف الحكومية، ومنها:

* مصرف الرافدين.

* مصرف الرشيد.

* المصرف العراقي للتجارة.

فتحقق إيرادات من الخدمات المصرفية والاعتمادات والقروض والأنشطة المالية الأخرى، وقد تحول جزءاً من أرباحها إلى الدولة وفق القواعد المحاسبية والقانونية.

ولا يصح احتساب إجمالي ودائع هذه المصارف أو حجم معاملاتها بوصفها إيرادات حكومية؛ فالإيراد الحقيقي يتمثل في الأرباح الصافية والتحويلات الفعلية إلى الخزينة.

# السادس عشر: شركات القطاع العام

تمتلك الدولة شركات تعمل في مجالات متعددة، منها:

* الإسمنت والصناعات الإنشائية.

* الفوسفات والأسمدة.

* الكبريت.

* الصناعات الدوائية.

* الصناعات الكهربائية.

* الصناعات الغذائية.

* الصناعات التعدينية.

* الصناعات النسيجية.

* النقل والخدمات.

ويمكن لهذه الشركات أن تسهم في رفد الموازنة العامة، وتوفير فرص العمل، وتقليل فاتورة الاستيراد، شريطة أن تحقق أرباحاً فعلية وأن تعمل وفق معايير الكفاءة والإنتاجية.

لكن وجود شركة حكومية لا يعني بالضرورة أنها تحقق أرباحاً؛ فقد تكون بعض الشركات متعثرة أو خاسرة أو معتمدة على الدعم الحكومي، وهو ما يستوجب نشر حساباتها الختامية بصورة منتظمة.

# السابع عشر: السياحة والآثار والأوقاف

تتضمن الموارد المرتبطة بهذه القطاعات:

* رسوم دخول المواقع الأثرية.

* إيرادات بعض المنشآت السياحية الحكومية.

* الرسوم القانونية لإجازات الشركات السياحية.

* إيجارات العقارات الوقفية.

* عوائد استثمارات الأوقاف.

* إيرادات بعض الخدمات الوقفية.

وتشمل المؤسسات المعنية ديواني الوقف الشيعي والوقف السني، ودواوين أوقاف الديانات الأخرى، فضلاً عن المؤسسات السياحية والآثارية.

وينبغي مراعاة الطبيعة القانونية والمالية المستقلة لبعض هذه المؤسسات، وعدم افتراض أن جميع أموالها تدخل تلقائياً في الموازنة الاتحادية.

# الثامن عشر: هيئات ومؤسسات أخرى

تتوزع الإيرادات كذلك على جهات متعددة، من بينها:

* هيئة الأوراق المالية، من خلال رسوم التداول والإدراج والتراخيص.

* هيئة التقاعد، من خلال الاشتراكات والاستثمارات، مع مراعاة الالتزامات التقاعدية المقابلة.

* هيئة الحج والعمرة، من خلال الرسوم والأجور والخدمات الإدارية.

* هيئة المنافذ الحدودية، من خلال الإيرادات الداخلة في اختصاصها القانوني.

* هيئة النزاهة، فيما يتعلق بالمبالغ المستردة إلى الخزينة بموجب الإجراءات والأحكام القانونية.

* دوائر التسجيل العقاري، من خلال رسوم نقل الملكية والتسجيل.

* دوائر الكاتب العدل، من خلال رسوم الوكالات والتصديقات والعقود.

كما توجد موارد أخرى مرتبطة بالمحاجر والمقالع، وبيع الخردة والموجودات الحكومية المستهلكة، وتأجير العقارات، وتراخيص المصارف وشركات التأمين والصرافة والتحويل المالي، وتسجيل الشركات والعلامات التجارية وبراءات الاختراع.

# الفصل الثالث: الموارد غير المشروعة والاقتصاد الموازي

# أولاً: هل تمثل الأنشطة غير القانونية موارد للدولة؟

من الضروري التمييز بين مفهوم الإيرادات الحكومية ومفهوم الأموال المتداولة في الاقتصاد غير المشروع.

فالأموال الناتجة عن تهريب النفط أو غسل الأموال أو تجارة المخدرات أو الرشوة لا تُعد إيرادات قانونية للدولة، حتى لو كانت بعض هذه الأنشطة تجري داخل أراضيها أو عبر مؤسساتها أو بمشاركة أفراد من أجهزتها.

إنها أموال قد تتراكم لدى شبكات إجرامية أو جماعات نافذة أو أفراد متورطين في الفساد، بينما تتحمل الخزينة العامة والمجتمع تكاليفها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

ومن ثم، فإن دراسة هذه الأنشطة ينبغي أن تركز على ثلاثة جوانب:

1. حجم الأموال المتداولة في النشاط غير المشروع.

2. حجم الخسائر التي تتكبدها الدولة نتيجة التهريب والتهرب والفساد.

3. حجم الأموال التي تمكنت السلطات من ضبطها أو استردادها وإعادتها إلى الخزينة.

وهذه مؤشرات مختلفة لا يجوز دمجها في رقم واحد أو التعامل معها باعتبارها موارد مالية متاحة للحكومة.

# ثانياً: تهريب النفط والمشتقات النفطية

يمثل تهريب النفط والمشتقات النفطية أحد الملفات التي تستحق دراسة مستقلة، نظراً إلى ارتباطه بثروة استراتيجية تمثل المورد الرئيس للموازنة العامة.

وتتخذ عمليات التهريب صوراً متعددة، منها:

* تهريب المشتقات النفطية المدعومة إلى خارج الحدود.

* التلاعب بكميات الوقود المجهزة.

* التلاعب في عمليات النقل والتوزيع.

* الاستحواذ غير القانوني على المنتجات النفطية.

* التلاعب في العقود والمستندات المرتبطة بالتجهيز.

* استغلال الثغرات الرقابية في عمليات الخزن والنقل.

وتتمثل الخسارة الاقتصادية في قيمة المنتجات التي تُسرق أو تُباع خارج القنوات الرسمية، فضلاً عن خسارة الدعم الذي تتحمله الدولة، والرسوم والضرائب التي كان يمكن تحصيلها لو جرى تداولها بصورة قانونية.

لكن تحديد حجم الخسائر السنوية يتطلب الاستناد إلى بيانات وزارة النفط والجهات الرقابية والأحكام القضائية، لا إلى تقديرات متداولة دون تحديد الفترة الزمنية أو منهجية الحساب.

# ثالثاً: غسل الأموال

غسل الأموال هو عملية إخفاء المصدر غير المشروع للأموال وإدخالها في الدورة الاقتصادية أو المالية لإظهارها بمظهر الأموال القانونية.

وتكمن خطورته في أنه يسمح بتحويل عائدات الجرائم والفساد إلى أصول واستثمارات ومعاملات يصعب تتبع مصدرها الحقيقي.

ومن أبرز القنوات التي قد تُستغل في عمليات غسل الأموال:

* الشركات الوهمية.

* المعاملات التجارية الصورية.

* التلاعب بالفواتير.

* التحويلات المالية غير المشروعة.

* بعض الأنشطة العقارية.

* التلاعب في قيمة السلع المستوردة والمصدرة.

* استغلال الثغرات في أنظمة التحويل المالي.

ويؤدي غسل الأموال إلى إضعاف الثقة بالنظام المصرفي، وتشويه المنافسة الاقتصادية، وتسهيل انتقال عائدات الجريمة والفساد إلى قطاعات تبدو قانونية.

ومن المهم هنا التمييز بين قيمة التحويلات المشبوهة التي ترصدها الجهات المختصة، وقيمة الأموال التي ثبت قضائياً أنها ناتجة عن جرائم غسل الأموال؛ فليس كل تحويل مشبوه دليلاً نهائياً على ارتكاب جريمة.

# رابعاً: تجارة المخدرات

تُعد تجارة المخدرات من الأنشطة الإجرامية التي تخلق اقتصاداً موازياً قائماً على تداول الأموال خارج المنظومة القانونية.

ولا تقتصر آثارها على العائدات المالية التي تحققها الشبكات الإجرامية، بل تشمل أيضاً تكاليف المكافحة الأمنية والقضائية والصحية والاجتماعية.

وتؤدي هذه التجارة إلى:

* توسيع شبكات الجريمة المنظمة.

* استنزاف الموارد الأمنية.

* زيادة الأعباء على المؤسسات الصحية.

* إضعاف الإنتاجية الاقتصادية.

* تغذية الفساد والرشوة.

* خلق مصادر تمويل غير مشروعة.

ويقتضي تقدير حجم هذه الظاهرة الاعتماد على بيانات المضبوطات، والقضايا القضائية، والتقارير الرسمية، مع عدم الخلط بين قيمة المخدرات المضبوطة وحجم السوق الفعلي.

# خامساً: التهرب الضريبي والجمركي

يؤدي التهرب الضريبي والجمركي إلى حرمان الخزينة العامة من موارد مستحقة قانوناً.

ويشمل ذلك إخفاء الدخل، وتقديم بيانات غير صحيحة، والتلاعب بالفواتير، وإدخال البضائع بطرق غير قانونية، واستغلال الإعفاءات لأغراض لا تتفق مع الغاية التي منحت من أجلها.

وتتضاعف خطورة هذه الممارسات عندما تقترن بالرشوة أو التواطؤ الإداري، لأن المخالفة لا تعود عندئذٍ تصرفاً فردياً، بل تتحول إلى خلل مؤسسي يضعف قدرة الدولة على تحصيل حقوقها.

# سادساً: الرشوة والابتزاز والجبايات غير القانونية

تمثل الرشوة والابتزاز والجبايات المفروضة خارج الأطر القانونية أحد أشكال الاستحواذ غير المشروع على الأموال.

وتؤثر هذه الممارسات في النشاط الاقتصادي من خلال زيادة كلفة المعاملات، وتعطيل المشاريع، وإضعاف ثقة المستثمرين، وتحويل بعض الخدمات العامة إلى فرص للابتزاز المالي.

ولا تقتصر خسائرها على المبالغ التي يدفعها المواطن أو المستثمر، بل تمتد إلى تشويه العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإضعاف مبدأ المساواة أمام القانون.

# سابعاً: الفساد في العقود والمشاريع الحكومية

يُعد الفساد في العقود الحكومية من أكثر صور استنزاف المال العام تعقيداً، لأنه قد يتخذ شكلاً قانونياً ظاهرياً، بينما تنطوي ممارسته الفعلية على مخالفات مالية وإدارية.

ومن أبرز مظاهره:

* تضخيم الكلف التخمينية.

* إحالة العقود على أساس المحاباة.

* التلاعب بالمواصفات الفنية.

* تنفيذ المشاريع بصورة جزئية.

* صرف مستحقات عن أعمال غير منجزة.

* التلاعب في نسب الإنجاز.

* إبرام عقود غير ضرورية.

* التواطؤ بين بعض الموظفين والمقاولين.

وتتمثل الخسارة هنا في الفرق بين ما أنفقته الدولة وما حصلت عليه فعلياً من سلع أو خدمات أو مشاريع، فضلاً عن كلفة التأخير وتعطيل التنمية.

# الفصل الرابع: بالأرقام… ماذا تقول البيانات المالية عن موارد العراق؟

إن الأرقام هي الأداة الأساسية لفهم حقيقة الوضع المالي، وهي التي تتيح الانتقال من الانطباعات العامة إلى التحليل الاقتصادي القابل للتحقق.

وفيما يأتي بعض المؤشرات التي أمكن توثيقها من البيانات المنشورة:

# المؤشرات المالية للعراق في عام 2024

وفق بيانات صندوق النقد الدولي، بالقيمة الاسمية وبالتريليون دينار عراقي.

إجمالي الإيرادات

# 140.4 تريليون دينار

الإيرادات النفطية

# 128.7تريليون دينار

الإيرادات غير النفطية

# 11.7تريليون دينار

إجمالي النفقات

# 155.4تريليون دينار

العجز المالي المسجل

# 15 تريليون دينار

المصدر: تقرير صندوق النقد الدولي عن العراق لعام 2025، وبيانات الحسابات المالية الحكومية لعام 2024.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة أساسية: ضخامة الإيرادات العامة لا تعني بالضرورة تحقق فائض مالي، لأن حجم الإنفاق قد يتجاوز الموارد المتاحة.

ففي عام 2024، تجاوز الإنفاق الحكومي الإيرادات بنحو 15 تريليون دينار وفق بيانات الصندوق، وهو ما يوضح أن المشكلة المالية لا تتعلق بحجم الإيرادات وحده، بل أيضاً ببنية الإنفاق والتزامات الدولة وكفاءة إدارة مواردها.

# الإيرادات المقدرة في خطة التنمية الوطنية 2024–2028

الأرقام التالية توقعات تخطيطية وليست نتائج حسابات ختامية.

| السنة | الإيرادات النفطية | الإيرادات غير النفطية | الإجمالي      |

| —– | —————– | ——————— | ————- |

| 2024  | 116.2             | 14.1                  | 130.3         |

| 2025  | 129.9             | 14.9                  | 144.8         |

| 2026  | 132.0 تقريباً     | 15.8                  | 147.8 تقريباً |

| 2027  | 139.0 تقريباً     | 16.7                  | 155.7 تقريباً |

| 2028  | 146.0 تقريباً     | 17.6                  | 163.6 تقريباً |

القيم التفصيلية للسنوات اللاحقة ينبغي الرجوع فيها إلى الجداول الأصلية للخطة؛ والأرقام التقريبية هنا ليست بديلاً عن بيانات التنفيذ الفعلية. المصدر: خطة التنمية الوطنية 2024–2028، وزارة التخطيط.

وتظهر هذه التقديرات استمرار الاعتماد الكبير على النفط حتى في ظل توقع نمو الإيرادات غير النفطية، الأمر الذي يؤكد أن تنويع الاقتصاد لا يزال تحدياً هيكلياً.

# الفصل الخامس: أين تذهب أموال الدولة؟

لا تكتمل دراسة الإيرادات من دون تحليل أوجه الإنفاق، لأن المال العام لا يُقاس بما يدخل الخزينة فحسب، بل بما يُنفق منه، وبالنتائج التي تتحقق مقابل ذلك الإنفاق.

وتنقسم النفقات العامة بصورة أساسية إلى نفقات تشغيلية ونفقات استثمارية.

# أولاً: النفقات التشغيلية

تشمل:

* رواتب الموظفين.

* رواتب الأجهزة العسكرية والأمنية.

* رواتب المتقاعدين.

* إعانات الرعاية الاجتماعية.

* النفقات الإدارية.

* دعم البطاقة التموينية.

* دعم الكهرباء والطاقة.

* شراء السلع والخدمات.

* الوقود والصيانة.

* النفقات الدبلوماسية والخارجية.

* خدمة الدين العام.

وقد أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن الإنفاق على الأجور في العراق بلغ 60.8 تريليون دينار في عام 2024، مقابل 17.8 تريليون دينار للمعاشات التقاعدية.

وتوضح هذه الأرقام حجم الالتزامات الثابتة التي تتحملها الدولة، ومدى تأثيرها في المساحة المالية المتاحة لتمويل المشاريع الاستثمارية.

غير أن معالجة تضخم النفقات التشغيلية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للمساس بحقوق الموظفين والمتقاعدين أو الفئات المستحقة للرعاية، بل ينبغي أن تبدأ بمراجعة الهياكل الإدارية، وتحسين كفاءة الإنفاق، ومكافحة الفضائيين والتلاعب في الرواتب والمخصصات، وضبط النفقات غير الضرورية.

# ثانياً: النفقات الاستثمارية

تشمل الأموال المخصصة لإنشاء وتطوير:

* المدارس والجامعات.

* المستشفيات والمراكز الصحية.

* مشاريع المياه والصرف الصحي.

* محطات الكهرباء وشبكات التوزيع.

* الطرق والجسور.

* السكك الحديدية.

* الموانئ والمطارات.

* مشاريع الإسكان.

* المشاريع الزراعية والصناعية.

وتكتسب هذه النفقات أهميتها من كونها تمثل استثماراً في المستقبل، لا مجرد مصروفات آنية.

لكن تخصيص الأموال في الموازنة لا يعني بالضرورة إنجاز المشاريع، إذ ينبغي قياس الأداء من خلال نسب التنفيذ الفعلية، وجودة الأعمال، ومدى استفادة المواطنين منها.

# الفصل السادس: لماذا لا يشعر المواطن العراقي بوفرة الموارد؟

إن وفرة الإيرادات الحكومية لا تتحول تلقائياً إلى رفاه اجتماعي، ولا يكفي ارتفاع دخل الدولة لضمان تحسن مستوى المعيشة، ما لم تقترن الموارد بسياسات مالية وإدارية قادرة على تحويلها إلى خدمات وفرص عمل وتنمية.

ويمكن تفسير الفجوة بين حجم الموارد والشعور الشعبي بضعف الخدمات من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة.

# 1. الاعتماد على مورد واحد

يجعل الاعتماد المفرط على النفط الدولة عرضة للصدمات الخارجية، ويحد من قدرتها على التخطيط طويل الأمد.

# 2. تضخم الالتزامات التشغيلية

يؤدي ارتفاع الإنفاق الجاري إلى تقليص الموارد المتاحة للاستثمار في المشاريع الإنتاجية والبنى التحتية.

# 3. ضعف الجباية

إن محدودية تحصيل الضرائب والرسوم والكمارك تعني أن الدولة لا تستفيد من كامل طاقتها الإيرادية غير النفطية.

# 4. الفساد المالي والإداري

يؤدي الفساد إلى زيادة كلفة المشاريع، وإضعاف جودة الخدمات، وتحويل جزء من الأموال العامة إلى منافع خاصة غير مشروعة.

# 5. ضعف التخطيط والتنفيذ

قد تُخصص الأموال لمشاريع لا تنفذ في مواعيدها، أو تُنفذ بصورة لا تحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة.

# 6. تراجع الإنتاج المحلي

يسهم ضعف القطاعات الزراعية والصناعية في زيادة الاعتماد على الاستيراد، واستنزاف العملة الأجنبية، وتقليص فرص العمل المنتجة.

# 7. غياب الشفافية المالية الكافية

إن عدم إتاحة البيانات التفصيلية بصورة ميسرة ومنتظمة يحول دون تمكين المواطن والباحث والصحفي من متابعة الإيرادات والنفقات ومساءلة المؤسسات العامة.

# الفصل السابع: الثروات العراقية المعطلة

إن اختزال الاقتصاد العراقي في النفط لا يحجب فقط مصادر دخل محتملة، بل يعطل أيضاً فرصاً واسعة للتنمية والتشغيل وتنويع الإنتاج.

فالعراق يمتلك إمكانات في قطاعات عدة، من بينها:

# الزراعة

تتيح الأراضي الزراعية والخبرات المحلية فرصاً لتطوير إنتاج الحبوب والتمور والخضروات والثروة الحيوانية والسمكية، رغم التحديات المرتبطة بالمياه والتصحر والبنية التحتية.

# الصناعة

يمكن لإعادة تأهيل الصناعات الدوائية والإنشائية والغذائية والكهربائية والنسيجية أن تقلل الاعتماد على الاستيراد، وتوفر فرص عمل، وترفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي.

# التعدين

يمتلك العراق خامات وموارد معدنية، من بينها الفوسفات والكبريت والرمال الصناعية والمواد الإنشائية، ويمكن أن يشكل استثمارها قاعدة لصناعات تحويلية ذات قيمة مضافة.

# السياحة

تمثل المواقع الأثرية والتاريخية والدينية والطبيعية إمكانات اقتصادية يمكن أن تسهم في زيادة الإيرادات وتوفير فرص العمل، إذا ما جرى تطوير البنية التحتية والخدمات السياحية.

# النقل والخدمات اللوجستية

يتيح موقع العراق الجغرافي فرصاً لتطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمعابر الحدودية، وتعزيز دوره في حركة التجارة الإقليمية.

# الاقتصاد الرقمي

يمكن للخدمات الإلكترونية والدفع الرقمي والتجارة الإلكترونية والبرمجيات أن تسهم في توسيع النشاط الاقتصادي الرسمي، وتحسين كفاءة الجباية، وتقليل كلفة المعاملات.

إن هذه القطاعات لا تمثل بدائل فورية للنفط، لكنها تشكل مسارات ضرورية لتقليل الاعتماد عليه، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

# الفصل الثامن: الفساد المالي واسترداد الأموال العامة

لا يمكن تناول الموارد المالية العراقية بمعزل عن ملف الفساد، لأن الفساد لا يقتصر على سرقة الأموال بعد دخولها الخزينة، بل قد يبدأ قبل ذلك، من خلال تعطيل تحصيل الإيرادات، أو منح الإعفاءات غير المستحقة، أو التلاعب بالعقود، أو الاستحواذ على الممتلكات العامة.

وتتطلب دراسة هذا الملف التمييز بين:

1. الأموال التي ثبت اختلاسها أو الاستيلاء عليها.

2. الأموال التي جرى استردادها فعلياً.

3. الأموال التي صدر بشأنها حكم قضائي.

4. الأموال التي ما زالت محل تحقيق.

5. الخسائر التقديرية الناجمة عن سوء الإدارة أو عدم تنفيذ المشاريع.

6. قيمة الأصول المصادرة أو المحجوزة، وهي لا تعادل بالضرورة مبالغ نقدية دخلت الخزينة.

ومن القضايا التي ينبغي إدراجها في دراسة الفساد المالي قضية الأمانات الضريبية المعروفة إعلامياً باسم «سرقة القرن»، إلى جانب ملفات العقود الحكومية والمنافذ الحدودية والتهرب الضريبي والجمركي.

لكن تناول هذه القضايا بصورة علمية يستلزم توثيق المبالغ والأحكام والإجراءات، وعدم الخلط بين الاتهام والإدانة القضائية، أو بين الأموال المعلنة والأموال المستردة فعلياً.

كما ينبغي الاستناد إلى تقارير هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي، ومتابعة ما تنشره الجهات القضائية ووزارة المالية من بيانات بشأن الأموال المستردة والمخالفات المكتشفة.

# الفصل التاسع: نحو شفافية مالية حقيقية

إن معالجة الاختلالات المالية في العراق لا تتحقق بمجرد زيادة الضرائب أو فرض رسوم جديدة، بل تتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمال العام.

ومن أبرز متطلبات ذلك:

1. نشر الحسابات الختامية للموازنة الاتحادية بصورة منتظمة.

2. إعلان الإيرادات الفعلية لكل وزارة وهيئة وشركة حكومية.

3. بيان المبالغ المحصلة والمبالغ المحولة إلى الخزينة العامة.

4. نشر بيانات تفصيلية عن الإيرادات النفطية وغير النفطية.

5. تعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية.

6. تحديث الأنظمة الضريبية والجمركية.

7. توسيع استخدام الدفع الإلكتروني.

8. رقمنة العقود والمشتريات الحكومية.

9. نشر نسب إنجاز المشاريع الاستثمارية.

10. دعم استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية.

11. تعزيز آليات استرداد الأموال المنهوبة.

12. إخضاع الشركات العامة لتدقيق مالي ومحاسبي منتظم.

13. توسيع قاعدة الإنتاج المحلي.

14. تحسين كفاءة الإنفاق التشغيلي.

15. تمكين الصحافة والباحثين والمواطنين من الوصول إلى البيانات المالية.

والأهم من ذلك كله أن تصبح الشفافية المالية ممارسة مؤسسية ثابتة، لا مجرد تصريحات موسمية تظهر عند اشتداد الأزمات.

# الخاتمة: المشكلة ليست في قلة الموارد وحدها، بل في إدارة الثروة ومصيرها

إن العراق ليس بلداً فقيراً بالمعنى المتعلق بغياب الموارد، بل هو بلد يمتلك ثروات طبيعية ومالية وبشرية وجغرافية واسعة، إلا أن امتلاك الثروة لا يساوي بالضرورة حسن إدارتها، وضخامة الإيرادات لا تعني تلقائياً تحقق التنمية، وكثرة المؤسسات الحكومية لا تضمن كفاءة الأداء.

لقد أظهرت البيانات المالية أن الإيرادات النفطية ما تزال تمثل الجزء الأكبر من موارد الدولة، وأن الإيرادات غير النفطية، على الرغم من تعدد مصادرها، لم تبلغ بعد مستوى يسمح بتخفيف الاعتماد على النفط بصورة جوهرية. كما تكشف أرقام الإنفاق عن التزامات تشغيلية كبيرة، في وقت لا تزال فيه قطاعات إنتاجية عديدة بحاجة إلى الاستثمار والتطوير.

وإلى جانب ذلك، فإن التهرب الضريبي والجمركي، وتهريب النفط والمشتقات النفطية، وغسل الأموال، والاتجار بالمخدرات، والفساد في العقود الحكومية، تمثل تحديات لا يمكن تجاهلها عند دراسة حقيقة الوضع الاقتصادي العراقي، لما تسببه من خسائر مالية وتشوهات مؤسسية واجتماعية.

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول هذه الاختلالات إلى واقع مألوف، وأن يُطلب من المواطن تحمل نتائجها من دون أن يمتلك حقه في معرفة حجم الموارد العامة، ومصادرها، وأوجه إنفاقها، ومقدار ما يضيع منها بفعل الفساد وسوء الإدارة.

فالموازنة العامة ليست شأناً تقنياً يخص وزارة المالية وحدها، بل هي عقد اقتصادي واجتماعي بين الدولة والمجتمع، ومن حق المواطن أن يعرف كيف تُدار ثروته، وما الذي يعود إليه من عائداتها، وكيف تُحاسَب المؤسسات التي تتولى التصرف بها.

إن الدولة التي تطالب مواطنيها بالصبر والتقشف مطالبة، قبل ذلك، بأن تقدم لهم حساباً واضحاً عن مواردها ونفقاتها، وأن تثبت بالأرقام والنتائج أن المال العام يُدار لمصلحة المجتمع، لا لمصلحة شبكات النفوذ والمصالح الضيقة.

فالثروة الوطنية ليست ملكاً للحكومات المتعاقبة، ولا امتيازاً للأحزاب والقوى النافذة، وإنما هي حق للأجيال الحاضرة والقادمة، وأمانة تقتضي الشفافية والمساءلة وحسن الإدارة.

…………………………………………………………………………………………….

المصادر

1. صندوق النقد الدولي: تقرير مشاورات المادة الرابعة مع العراق لعام 2025، ويتضمن بيانات الإيرادات والنفقات والعجز والدين العام.

2. وزارة التخطيط العراقية: خطة التنمية الوطنية 2024–2028، وتتضمن تقديرات الإيرادات النفطية وغير النفطية.

3. وزارة المالية العراقية: تقارير الموازنة أثناء السنة المالية 2024 ، وتتضمن بيانات تنفيذ الموازنة.

4. وزارة المالية العراقية: تقارير الموازنة أثناء السنة المالية 2025

5. وزارة المالية العراقية: أرشيف الموازنات الاتحادية

   6. البنك المركزي العراقي: بيانات القطاع المالي العام