أكتوبر 2, 2026
IMG_1337

الوطن لا يحتمل حواراً بلا شراكة بين كل أطياف الشعب

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

هناك لحظات لا يعود فيها الصمت حكمة، ولا التأجيل سياسة، ولا الترقيع حلّاً وسورية اليوم تقف أمام واحدة من تلك اللحظات.
بعد سنوات الحرب والانقسام والانهيار، لم تعد المشكلة السورية مجرد أزمة سلطة، ولا أزمة حكومة، ولا أزمة قوانين. المشكلة الأعمق هي سؤال الدولة نفسها: ما الذي يجمع السوريين اليوم؟ وما القواعد التي يريدون أن يعيشوا تحتها غداً؟
هنا يصبح الحوار الوطني أكثر من مناسبة سياسية، ويصبح تجديد العقد الاجتماعي أكثر من مصطلح دستوري بل إنه سؤال بقاء الدولة لا يمكن بناء دولة بعقلية المرحلة السابقة
أخطر ما يمكن أن يحدث في المراحل الانتقالية هو أن تُبنى الدولة الجديدة بالأدوات الذهنية ذاتها التي صنعت أزمات الدولة القديمة تغيير الأشخاص لا يكفي وتدوير الاشخاص لا يُرضي
وتغيير المؤسسات على الورق لا يكفي.
وإصدار القوانين لا يكفي الدولة الجديدة تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة، وبين المركز والمجتمع، وبين الحقوق والواجبات، وبين القوة والقانون.
فالمواطن الذي خرج من سنوات طويلة من الحرب والخوف والانقسام لا يريد أن يسمع فقط أن الدولة تغيرت؛ يريد أن يرى الدولة تتغير في حياته اليومية.
يريد قانوناً يحميه، ومؤسسة تنصفه، وإدارة لا تهينه، وفرصة لا تُمنح على أساس الولاء، وصوتاً ناقداً لا يتحول إلى تهمة خيانة فالحوار الذي لا يغيّر شيئاً ليس حواراً عادلاً لكل اطياف الشعب
لقد شهدت سورية مؤتمر الحوار الوطني في شباط/فبراير 2025، وخرج بمخرجات تناولت قضايا أساسية تتصل بوحدة البلاد، وحصر السلاح بيد الدولة، والإصلاح المؤسسي، والحريات، ودور المجتمع المدني، واستمرار الحوار الوطني لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمرات هل تم تطبيق البنود وهل شارك الجميع وهل الوطن متساوي الحقوق للجميع ؟ هنا تكمن الشفافية والإحساس بالانتماء فأي حوار لا ينتقل من القاعة إلى المؤسسة، ومن التوصية إلى القانون، ومن القانون إلى الممارسة، سيبقى ناقصاً مهما كانت عناوينه كبيرة الحوار الوطني المطلوب ليس صورة جماعية حول طاولة إنه آلية مستمرة لإدارة الاختلاف وهو ليس دعوة للجميع كي يتفقوا على كل شيء، بل اتفاق على قاعدة أكثر أهمية: أن نختلف من دون أن نهدم الدولة هذه هي المسألة.
السوريون لا يحتاجون إلى نسخة جديدة من الانقسام سورية ليست بحاجة إلى استبدال انقسام بانقسام، أو إقصاء بإقصاء، أو مركزية صلبة بتعدد مراكز نفوذ.
العربي والكردي، المسلم والمسيحي، ابن المدينة وابن الريف، المختلف سياسياً والمتفق سياسياً ، يجب أن يجدوا أنفسهم أمام دولة واحدة لا تسأل المواطن أولاً : من أنت؟ بل تسأله: ما حقك وما واجبك؟
المواطنة ليست شعاراً احتفالياً
المواطنة تعني أن لا يكون الانتماء الجغرافي أو القومي أو السياسي بوابة للحقوق أو الحرمان منها وتعني أن تكون الدولة فوق الاصطفافات، وأن يكون القانون فوق الأشخاص، وأن تكون المؤسسة أقوى من الفرد فالعقد الاجتماعي يبدأ من الثقة لا يمكن مطالبة السوري بالثقة بالدولة إذا لم يشعر أن الدولة تثق به.
ولا يمكن الحديث عن الاستقرار بينما تتسع المسافة بين المؤسسات والمجتمع.
ولا يمكن بناء اقتصاد قوي في بيئة يشعر فيها المواطن أن القرار غير واضح، أو أن الفرص غير متكافئة، أو أن الإدارة لا تخضع للمساءلة.
الثقة ليست خطاباً ولا شعاراً وعنواناً غير مطبق على الواقع بشفافية وشكل ملموس للشعب .
الثقة تُبنى بالشفافية، والعدالة، والكفاءة، والمحاسبة.
ولهذا فإن العقد الاجتماعي الجديد يجب ألا يكون مجرد نص دستوري، بل سلوكاً يومياً للدولة في مؤسساتها وقراراتها المشكلة ليست في الاختلاف ،من الخطأ السياسي التعامل مع الاختلاف وكأنه خطر يجب التخلص منه ، الخطر الحقيقي هو غياب قواعد إدارة الاختلاف.
الدول المستقرة ليست تلك التي لا تختلف شعوبها، بل تلك التي تمتلك مؤسسات تمنع الاختلاف من التحول إلى صراع على الدولة.
وهنا تحديداً يصبح الحوار الوطني ضرورة استراتيجية ليس لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، ولا لتوزيع المقاعد، ولا لصناعة صورة سياسية جميلة، وإنما لتحديد الأسئلة الكبرى:
من يحكم؟كيف يحكم؟ما حدود السلطة؟من يراقبها؟كيف تُحمى الحقوق؟كيف تُدار الثروة؟
كيف تُوزع المسؤوليات بين المركز والمجتمع؟
وكيف نضمن أن لا يعود السوري إلى نقطة الصفر كلما تغيرت موازين القوة؟الوقت ليس مفتوحاً فساعة الانتظار كلما طالت صنعت فجوة اكبر والم اعظم مما سبق
كل مرحلة انتقالية تحمل فرصة، لكنها تحمل أيضاً خطراً وكل تأخير في معالجة جذور الأزمة قد يجعلها أكثر تعقيداً.
لذلك فإن سورية لا تحتاج إلى مزيد من إدارة الأعراض، بل إلى معالجة أصل المرض: أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع.
الحوار الوطني المستمر، والعقد الاجتماعي الواضح، وسيادة القانون، والمؤسسات القابلة للمساءلة، والمواطنة المتساوية، ليست ترفاً سياسياً يمكن تأجيله إلى وقت أفضل.
إنها شروط بناء الدولة ومن الشروط الأساسية
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يواجهه السوريون اليوم ليس: من ربح ومن خسر؟
بل:هل نستطيع أن نبني دولة لا يحتاج فيها أحد إلى أن ينتصر على أحد؟
لأن الدولة التي تُبنى على انتصار طرف دائم على طرف آخر، تحمل داخلها بذور الجولة القادمة من الصراع ،أما الدولة التي تُبنى على عقد وطني واضح، فهي التي تستطيع أن تجعل الاختلاف جزءاً من السياسة، لا سبباً لانهيار الوطن ،سورية لا تحتاج إلى عقدٍ يُكتب باسمها فقط تحتاج إلى عقدٍ يشعر السوري أنه شريك في صياغته، وشريك في حمايته، وشريك في مستقبله فاللحظة التاريخية لا تمنح فرصها مرتين ولا دولة بلا عقد شراكة ومواطنة حقيقي بين الشعب ب اطيافه والدولة بمؤسساتها وقراراتها