
د. فاضل حسن شريف
تحدث خطيب جمعة مسجد الإمام الحسين عليه السلام الشيخ حسن العامري عن موضوع (مفهوم زيارة أئمة أهل البيت). من حديث للإمام الصادق عليه السلام قال (مَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ كَانَ كَمَنْ زَارَ اللهَ فِي عَرْشِه) دائما نسمع من زار الحسين عليه السلام عارفا بحقه. العارف لها معنيان معنى بسيط بأن يعتقد أن الامام منصب من قبل الله تعالى ومعصوم واجب الطاعة “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ” (الأنبياء 73).
المعنى الآخر للعارف بحقه هو أن أهل البيت للوصول الى معارفهم فهنالك طرق لذلك. أول هذه الطرق طريق الحديث حيث توجد آلاف الأحاديث عن معارف أهل البيت من نواحي الأخلاق والاجتماع والعلوم والسياسة وغيرها. وطريق آخر هو الخطب فهنالك مئات الخطب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم خطب أمير المؤمنين عليه السلام ومنها الموجود في نهج البلاغة ومنها خطب قصيرة ونصائح كما جمعها السيد هادي المدرسي حفظه الله بنحو ثلاثة آلاف نصيحة.
ومن طرق معرفة أهل البيت عليهم السلام طريق الروايات. الرواية تشير الى السلوك العملي لأهل البيت فهم يزرعون ويتعاملون في السوق. ويوجد طريق لمعرفة أهل البيت وهو الدعاء حيث يدعو المؤمن يوميا أو بالمناسبات ليحصل على الثواب “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” (غافر 60) ومن الأدعية دعاء الصباح لامير المؤمنين عليه السلام (اَللّهُمَّ يا مَنْ دَلَعَ لِسَانَ الصَّبَاحِ بِنُطْقِ تَبَلُّجِهِ، وَسَرَّحَ قِطَعَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ بِغَيَاهِبِ تَلَجْلُجِهِ، وَأَتْقَنَ صُنْعَ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ فِي مَقَادِيرِ تَبَرُّجِهِ، وَشَعْشَعَ ضِيَاءَ الشَّمْسِ بِنُورِ تَأَجُّجِهِ، يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ) فالدعاء يتكلم عن معرفة المؤمن عن حركة هذا الكون الذي خالقه الله تعالى مائة بالمائة.
أهل البيت عليهم السلام طلبوا من الناس ليس فقط قراءة الدعاء وإنما فهم الدعاء. أحاديث الرسول وأهل البيت عليهم السلام لعامة الناس بمستوياتهم المختلفة. ولكن دعاء الزيارة تتكلم عن أشخاص معينين. مثلا في زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (السلام على رسول الله أمين الله على وحيه وعزائم أمره الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن على ذلك كله). أما زيارة أمير المؤمنين عليه السلام (السَّلامُ عَلَيكَ يا أمِينَ اللهِ في أرضِهِ وَحُجَّتَهُ عَلى عِبادِهِ).
يقول أمير المؤمنين عليه السلام (لو ثنيت لي وسادة لحكمت بين أهل القرآن بالقرآن وبين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور) هكذا علم أهل البيت عليهم السلام كما قال عليه السلام لكميل بن زياد النخعي: (ها إن هاهنا لعلما جما) وأشار بيده إلى صدره. عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره سورة الفاتحة (لو شئت لأوقرتُ سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب، ولما وجد المفسرون قوله لا يأخذون إلا به). يقول الإمام الصادق عليه السلام (لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عز وجل حملة لنشرت التوحيد والإسلام والإيمان والدين والشرائع من الصمد).
تشرح الزيارة علم أهل البيت ومقاماتهم كما في زيارة وارث والزيارة المطلقة والتي تبدأ بالسلام على أهل البيت: أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها، وأشهد أنك من دعائم الدين وأركان المسلمين. نحن أتباع أهل البيت نعتقد أن الحسين عليه السلام لم يتأثر بالجاهلية التي تحصل مع الأشخاص “وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَ” (الأحزاب 33) كما تجدها حتى يومنا الحالي.
الوارث يعني وارث الأنبياء. وللائمة مقامات مختلفة منها صفوة الله، خليل الله، كليم الله، حبيب الله كما ورد في زيارة الحسين عليه السلام. فالزيارة باب من أبواب معرفة أهل البيت عليهم السلام كما حال القرآن باب من باب المعرفة “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” (القمر 22) وهكذا “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” (الأخلاص 1) فالقرآن سهل الفهم ولكن معرفة الشخص العادي يختلف عن معرفة العارفين والعلماء.
خالق الكون الناس تعرف أن الله تعالى هو الخالق ولكن العلماء معرفتهم معرفة معمقة. فالرب هو الله عز وجل والتوكل عليه واضحة وهي فطرة الانسان وهي معرفة بسيطة ولكن تتطلب كذلك معرفته في الآفاق “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ” (فصلت 53)، “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ” (الروم 20)، “وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ” (فصلت 37)، “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً” (الروم 21) وكثير من آيات خلق الله جل جلاله.
ان محمد وآل محمد عليهم السلام مرآة تعكس معرفة القرآن الكريم للناس كما هي في أدعيتهم (يا من دل على ذاته بذاته)، (بك عرفتك وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت). الامام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة (بمن وجده مفتقراً إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما لا يكون لك حتى يكون هو المظهر لك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك، عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً).

