
د. فاضل حسن شريف
بسم الله الرحمن الرحيم “مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” (الأحزاب 23) تحدث خطيب جمعة مسجد الامام الحسين عليه السلام الشيخ حسن العامري عن موضوع (الفرق بين الرجل والذكر). قدم الشيخ العامري العزاء بذكرى استشهاد الامام الحسن المجتبى عليه السلام والذي تحدث عنه القرآن الكريم والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ إِمَامَانِ قَاما أَوْ قَعَدا). وهذا الحديث يكفي لان يكون مصداق الامامة للحسن عليه السلام. وهو عليه السلام من الرجال الذين شهد عليهم القرآن الكريم كما جاء في الآية المباركة الأحزاب 23. ورد انها نزلت بحق حمزة عليه السلام الذي قضى نحبه في معركة أحد وعلي عليه السلام الذي هو من ينتظر، وهكذا علي قضى نحبه وينتظر ابنه الحسن عليهما السلام وما بعدهم من الأئمة عليهم السلام.
هنالك فرق بين الرجل والذكر في المصطلح القرآني. كل رجل هو ذكر ولكن ليس كل ذكر هو رجل. والآية صريحة بأن ليس كل المؤمنين هم من صنف الرجال. الرجل في القرآن وعده صادق ومستقيم. بعض المؤمنين عندما يصابون بنكسة ومصيبة ينقلبون من الايمان الى غير الايمان. البعض يبدل موقفه. يسمى رجل عندما لا يبدل مواقفه الايمانية مثل مؤمن آل ياسين “وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ” (يس 20) حيث وقف بوجه امة وهدد بالقتل وكما ورد عن أهل البيت ومنهم الامام علي زين العابدين عليه السلام الذي قال (أنّ القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة).
ومن الرجال رجل من آل فرعون قيل انه أخ آسيا زوجة فرعون “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ” (غافر 28). تكلم الله تعالى عن بعض الصحابة ومنهم علي والحسن عليهما السلام بأنهم رجال “رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ” (النور 37) ولكن غيرهم من الصحابة تنطبق عليهم الآية الكريمة “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” (الجمعة 11).
تكلم القرآن الكريم عن الذكر وميزه عن الانثى وخاصة في الحقوق والواجبات “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْ” (النساء 11). يقول أمير المؤمنين عليه السلام عن بعض الذكور (يا أشباه الرجال ولا رجال). أشباه الرجال الذين لا يعتبرون للقيم والمبادئ. معظم المسلمين الآن ذكور وليسوا برجال. كما تشاهدون الناس تموت من الجوع ولكن لا أحد يصد المجرم عن اجرامه.
الرجل الاعلامي أحيانا واجبه أهم من الرجل المحارب كما هو معظم الأنبياء لم يحاربوا بالسيف ولكن حاربوا بالكلمة ربما القليل منهم حارب بالسيف مثل داود عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكما ورد في الحديث (كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر). قال تعالى “وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ” (آل عمران 146) ربيون كلمة أصلها من الرب، مثلا نقول هذا عراقي أو مصري يعني ينتمي لهذا البلد أو ذاك، أما الربي فهو الذي له علاقة برب العباد الله سبحانه فقط. وردت في الآية ثلاث إشارات: الوهن، الضعف، الاستكانة. الوهن يعني الضعف الداخلي أي النفس وأذا خرج من الداخل الى الخارج يسمى ضعفا أي عدم مساعدة الآخرين. أما الاستكانة هو الضعف مع العدو بمساومته وأحيانا بمساعدته.
المؤمن الحقيقي لا يتخلى عن الحق ومنهم أبو ذر الغفاري وهو أحد الصحابة القليلين الذين تنطبق عليهم هذه الصفة وكما ورد (ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ من ذي لهجةٍ أصدقَ من أبي ذرٍّ). أبو ذر أبعدوه الى الشام ولم يستكن أمام عدوه معاوية حاكم الشام ووضعوه في صحراء الربذة ومنعوا أي شخص في الاتصال به. قال الامام الحسين عليه السلام لابي ذر (إن القوم إنما امتهنوك بالبلاء لأنك منعتهم دينك فمنعوك دنياهم، فما أحوجك غدا إلى ما منعتهم، وأغناك عما منعوك). فقال أبو ذر: رحمكم الله من أهل بيت، فما لي في الدنيا من شجن غيركم، إني إذا ذكرتكم ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله.
الله سبحانه يغير الحال في الوقت الذي يراه مناسبا. الامام الحسين عليه السلام جاء بمشروع لاصلاح الأمة (وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر) ولكنه وأهله وأصحابه استشهدوا في كربلاء. وبعد سنوات سقطت دولة بنو أمية الظالمة وأساس سقوطها ثورة الحسين عليه السلام. الله سبحانه يبين ان عليك أن تعمل ولا تنظر الى المستقبل فان قراره يرجع الى الله تعالى. قالت زينب عليها السلام لطاغية العصر حول المستقبل (فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا)، و (لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك). ويقول الإمام علي زين العابدين عليه السلام في محضر ابن زياد حيث قال له: أبالقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة. وهكذا تجد ملايين الناس الآن من نسل الامام علي زين العابدين عليه السلام ولا ذكر لبني أمية.

