أكتوبر 7, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع مانكيش نت عن ثروة العراق في خدمة اجندات نظام البعث المنكوسة للكاتب رياض سعد: تاسعاً: الحرب العراقية الإيرانية نهاية مرحلة الدولة المانحة: مثلت الحرب العراقية الإيرانية، التي اندلعت عام 1980 واستمرت حتى عام 1988، منعطفاً حاسماً في السياسة المالية العراقية. فقد استنزفت الحرب الموارد النفطية، ورفعت الإنفاق العسكري، ودفعت العراق إلى الاقتراض، وأضعفت قدرته على مواصلة تقديم المساعدات الخارجية. وتشير دراسة صندوق النقد الدولي إلى أن العراق تحول، ابتداءً من عام 1983، من دولة مانحة إلى دولة مدينة على أساس صافي التدفقات المالية، وأن برنامجه للمساعدات الخارجية تقلص بشدة بعد عام 1982. وبحلول نهاية عام 1987، بلغت الالتزامات التراكمية للقروض التي قدمها الصندوق نحو 1.9 مليار دولار وفق عرض الدراسة، موزعة على قرابة ثلاثين دولة نامية، بينما كانت المبالغ المصروفة فعلياً أقل بكثير من إجمالي الالتزامات. وهنا تتجلى المفارقة: نظام أنفق الأموال في الخارج، وسعى إلى بناء نفوذ إقليمي واسع، وجد نفسه بعد سنوات قليلة غارقاً في الديون، عاجزاً عن مواصلة سياسته المالية السابقة، ومثقلًا بتكاليف حرب كان قراره السياسي والعسكري أحد العوامل الرئيسية في اندلاعها واستمرارها. ولم تكن هذه النتيجة منفصلة عن الخيارات التي اتخذتها القيادة، فالحرب لم تكن كارثة طبيعية حلت بالعراق، وإنما صراع سياسي وعسكري ترتبت عليه كلفة بشرية واقتصادية هائلة. ومع ظروف الحرب القاسية، لم يتوقف نظام البعث وصدام عن تقديم الهبات والمساعدات للغرباء والأجانب. عاشراً: الحصار والتبرعات المعلنة أي أولوية للإنسان العراقي؟ بعد معركة استرجاع الكويت عام 1990، دخل العراق مرحلة العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي، وتراجعت موارده وقدرته على توفير الخدمات الأساسية، وواجه المجتمع أزمات معيشية وصحية واسعة. وفي هذه المرحلة، ازدادت أهمية التمييز بين موارد الدولة التي خُصصت للاحتياجات الإنسانية، وبين ما أُنفق على الأجهزة الأمنية والقصور والأنشطة السياسية الخارجية. وتظهر الوثائق الأمريكية المنشورة عام 1998 أن برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي أُقر بموجب قرار مجلس الأمن 986، بدأ تنفيذه في كانون الأول 1996، وأن الأموال الناتجة من بيع النفط كانت تودع في حساب خاضع لإشراف الأمم المتحدة، وتخصص لشراء الغذاء والدواء والمواد الإنسانية وفق آليات محددة.

ويستطرد الكاتب رياض سعد قائلا: وفي كانون الثاني 2001، أشار تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية، مستنداً إلى رسالة أممية، إلى أن العراق لم يقدم طلبات شراء تغطي كامل الأموال المتاحة له ضمن المرحلة المعنية من البرنامج، إذ كانت هناك 7.8 مليارات دولار متاحة للمشتريات، في حين بلغت الطلبات المقدمة نحو 4.26 مليارات دولار، أي ما يقارب 54% من الأموال المتاحة. ومع ضرورة التعامل النقدي مع الرواية الحكومية الأمريكية، فإن هذه الأرقام تظل جديرة بالفحص في ضوء الوثائق الأممية الأصلية، لأنها تثير مسألة جوهرية تتعلق بأولويات الإنفاق والتأخير في توفير الاحتياجات الإنسانية. وفي هذا السياق، يصبح إعلان التبرع لفقراء الولايات المتحدة عام 2001 أكثر إثارة للأسئلة، لا لأن مساعدة الفقراء في بلد آخر فعل غير مشروع، بل لأن السلطة التي أعلنت ذلك كانت تدير بلداً يعاني شعبه من أزمة اقتصادية وإنسانية حادة. كذلك قدّم نظام البعث هباتٍ للجرحى وذوي الشهداء الفلسطينيين، وهو ما قيل إنه دفع بعض الفلسطينيين إلى إحداث جروح طفيفة بأنفسهم، ثم الادعاء بأنها ناجمة عن مواجهات مع جنود الكيان الصهيوني، بهدف الحصول على عشرات الآلاف من الدولارات، في وقتٍ كان فيه أطفال العراق يموتون بسبب الجوع ونقص الحليب وانعدام الأدوية. ؤفهل كان من الأجدر أن تُوجه تلك الأموال إلى برامج التغذية والصحة والتعليم داخل العراق؟ وهل كان بالإمكان الجمع بين مساعدة الآخرين وتوفير احتياجات العراقيين؟ ولماذا لم تُعرض هذه القرارات على مؤسسات مستقلة تملك حق الاعتراض والمساءلة؟ إن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة العمل الإنساني، وإنما تضعه في سياقه الصحيح: لا يجوز أن يتحول التضامن مع فقراء العالم إلى واجهة دعائية تخفي إهمال فقراء الوطن. حادي عشر: تبديد الثروة لا يقل خطورة عن الاستيلاء عليها: كثيراً ما ينحصر الحديث عن فساد الأنظمة في سرقة الأموال أو اختلاسها، لكن ثمة شكلاً آخر من أشكال الإضرار بالمال العام يتمثل في سوء تخصيصه، وإنفاقه على مشروعات أو مغامرات لا تحقق عائداً يتناسب مع كلفتها، أو توظيفه في خدمة مصالح السلطة بدلاً من مصالح المجتمع. فقد لا يكون المال الذي يُمنح لدولة أخرى مسروقاً بالمعنى الجنائي، لكنه قد يكون إنفاقاً غير رشيد إذا لم يستند إلى دراسة جدوى، أو لم يحقق منفعة وطنية واضحة، أو جاء على حساب احتياجات أساسية للمواطنين.

حول ما كتبه الباحث رياض سعد بشأن ملف “ثروة العراق المهدورة” خلال حقبة النظام السابق، يمكننا تفكيك المقاربات النقدية التي يسلط الضوء عليها في مقالاته وفق المحاور الاقتصادية والسياسية التالية: 1. تبديد العوائد النفطية الضخمة في الطفرات المالية: استثمار عكسي للمداخيل: يشير رياض سعد إلى أن العراق شهد طفرات مالية هائلة وإيرادات نفطية غير مسبوقة (خصوصاً خلال سبعينيات القرن الماضي وقبيل حرب الخليج الأولى)، وكان من المفترض أن تحول هذه الأموال العراق إلى “دولة رفاه” كبرى وبنية تحتية متطورة تضاهي الدول المتقدمة. الاقتصاد الموجه للأمن والحرب: بدلاً من بناء مصانع استراتيجية، أو تطوير قطاعات الزراعة والتعليم والصحة، تم توجيه السواد الأعظم من هذه المداخيل نحو بناء الترسانة العسكرية، وتضخيم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وصناعة القصور الرئاسية الفارهة التي خصصت لخدمة رأس الهرم السلطوي وحاشيته. 2. مأسسة الفساد والمحسوبية وحرمان المحافظات: التفاوت المناطقي المتعمد: يتطرق الكاتب إلى كيف تعرضت محافظات عراقية بأكملها (خصوصاً في الوسط والجنوب ومناطق الأهوار وكردستان) لتهميش اقتصادي وخدمي متعمّد، بينما حُصر الإنفاق والبذخ المالي في نطاق ضيق يخدم العاصمة ومراكز الولاء الحزبي والعشائري للنظام. اقتصاد الحاشية: يبرز الكاتب كيف ظهرت طبقة من المستفيدين و”تجار الحروب” المرتبطين بمراكز القرار الحزبي والأمني، والذين تحكموا بمقدرات الاستيراد والتصدير والمشاريع الشكلية، على حساب القطاع الخاص الوطني المستقل والكفاءات الاقتصادية. 3. إهدار الموارد البشرية وتصدير الأدمغة مقابل “اقتصاد الأزمات”: استنزاف الطاقة البشرية: يرى رياض سعد أن هدر الثروة لم يكن مالياً فحسب، بل رافقه هدر بشري خطير تمثل في تهجير وتشريد وإجبار مئات الآلاف من الكفاءات العلمية، والمهندسين، والأطباء، والمفكرين على ترك البلاد هرباً من البطش السياسي، مما حرم الاقتصاد العراقي من عموده الفقري الاستشاري والتنموي. سياسة “البطاقة التموينية” وسياسة التجويع: يحلل الكاتب كيف تحول المجتمع العراقي الغني بثرواته، نتيجة الحصار والسياسات العبثية، إلى مجتمع يعتمد على الحصص الغذائية البسيطة والفقر المدقع، مستعرضاً المفارقة المؤلمة بين دولة تملك ملايين البراميل من النفط وشعب يعاني شظف العيش وانعدام أبسط مقومات الرعاية. 4. قروض التسليح وتوريط أجيال المستقبل: المديونية الثقيلة: يوضح الكاتب كيف أغرق النظام السابق العراق في ديون خارجية طائلة نتيجة عقود التسليح المفتوحة وقروض الحروب، وهي ديون وُلدت منها أزمات مالية امتدت لعقود طويلة بعد سنة 2003، حيث بقيت أجيال اللاحقة تتحمل تبعات دفع التعويضات والديون المترتبة على تلك المغامرات الطائشة. باختصار، يرى رياض سعد في طروحاته الاقتصادية أن “حقبة البعث المنكوس” لم تكن مجرد مرحلة قمع سياسي دموي، بل كانت “مجزرة اقتصادية وتنموية متكاملة” أجهضت فرص النهوض التاريخية للعراق وأعادت البلاد عقوداً إلى الوراء.

يُورد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه التبيان في تفسير القرآن تحليلاً متكاملاً لقوله تعالى “أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ” (العنكبوت 4) حيث يوضح أن قوله تعالى “أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ” (العنكبوت 4) استفهام إنكار وتوبيخ لمن يرتكبون المعاصي والآثام ظانين أنهم في امتداد أفعالهم بعيدون عن قبضة القدرة الإلهية، مبيناً في قوله تعالى “أَنْ يَسْبِقُونَا” (العنكبوت 4) أي ينجو من عذابنا أو يفوتونا هرباً بحيث لا نقدر عليهم، ثم يفسر قوله تعالى “سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ” (العنكبوت 4) بقبح حكمهم وظنهم الفاسد بأن الله غافل عن أعمالهم أو عاجز عن مجازاتهم، ليختتم المعنى بتقرير حتمية الجزاء الإلهي واستحالة فوات الظالمين لعقابه سبحانه وتعالى.