أكتوبر 9, 2026
inbound5643872711624164500

شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي

يواجه مبدأ اليقين الموضوعي تحدياً حين تصبح المعرفة خاضعة بالكامل لزاوية النظر الفردية. تتجسد هذه الإشكالية الإبستمولوجية في المقولة التأسيسية للفيلسوف السفسطائي بروتاجوراس: “الإنسان مقياس كل شيء، ما هو كائن وما ليس بكائن”. تطرح هذه المقولة تساؤلاً حول مفهوم الحقيقة المطلقة، وتؤسس لنظرية في النسبية المعرفية؛ إذ ترى أنه لا توجد حقيقة موضوعية خارج إدراك الفرد. فإذا شعر شخص بالبرودة في الهواء نفسه الذي يشعر فيه آخر بالدفء، فإن الهواء بارد ودافئ في آن واحد وبالدرجة ذاتها من الصحة بالنسبة لكليهما. والمعرفة، في هذا التصور، تقتصر على الإدراك الحسي المتغير، وكل انطباع فردي يكتسب شرعيته كونه حقيقياً لصاحبه.

ناقش أرسطو طاليس مقولة بروتاجوراس مناقشة منطقية، معتبراً إياها تهديداً لأسس العقل واللغة. يرى أرسطو أنه إذا كانت كل الآراء صحيحة ومتساوية، وإذا كان كل ما يظهر للفرد حقيقياً، فإن الأشياء ستكون متضادة ومتعاكسة في الوقت نفسه، وهو ما يفضي، في رأيه، إلى تقويض قانون “عدم التناقض”. ويرى أرسطو أن الحواس البشرية، المعرضة للمرض أو القصور، لا يمكن أن تكون وحدها الحكم النهائي على طبائع الأشياء، فلا يصح في نظره أن نعتبر مذاق العسل مُراً في جوهره لمجرد أن شخصاً مريضاً يستطعمه كذلك. والحقيقة، من هذا المنظور، تتعلق بماهية الشيء في ذاته، لا بانطباعاتنا المتقلبة عنه.

يمثّل هذا السجال بين أرسطو وبروتاجوراس تقاطعاً معرفياً بين اتجاهين: الاتجاه السفسطائي الذي يوظف النسبية في الجدل وكسب القضايا، والاتجاه الأرسطي الذي يقوم على افتراض صلابة الواقع وإمكانية الوصول إلى حقيقة برهانية. يرى أرسطو أن الأخذ بمنطق بروتاجوراس على إطلاقه يفضي إلى صعوبات فكرية جوهرية؛ إذ لو كان كل شخص على حق دائماً، لسقطت الحاجة إلى التعليم، وفقد البرهان قيمته، واستوت حكمة الفيلسوف مع جهل الجاهل في نظره. ويبني أرسطو على هذا النقد دفاعه عن ضرورة وجود خصائص موضوعية للأشياء مستقلة عن إدراكنا البشري المحدود .