
اليمن وإزدواجية المعايير: هل يُطبَّق القانون الدولي على الجميع دون استثناء؟
بقلم: عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
ليست العدالة الدولية شعارًا يُرفع عندما تتعرض مصالح دولة للخطر، ثم يُهمَل عندما يدفع شعب آخر ثمن الحرب والحصار. فالاختبار الحقيقي لمصداقية الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يكمن في عدد بيانات الإدانة، بل في قدرتهما على حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بصرف النظر عن هويتهم أو مواقعهم السياسية والعسكرية.
وفي ضوء التصعيد الأخير في اليمن، تبرز الحاجة إلى مراجعة المواقف الدولية بمعيار واحد يرفض استهداف المدنيين والأعيان المدنية، سواء في السعودية أو اليمن، ويمنع استخدام القانون الدولي أداةً انتقائية لإدارة الصراعات.
إدانة الاعتداءات واجب على الجميع
إن إدانة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والمبعوث الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ، لأي هجمات تستهدف المدنيين أو البنية التحتية المدنية، تنسجم مع المسؤولية الدولية عن حماية السكان. غير أن هذه المسؤولية لا تكتمل إلا إذا شملت جميع الأطراف بالجدية نفسها.
فإذا ثبت أن هجومًا استهدف مطار الملك خالد الدولي أو أي منشأة مدنية في السعودية، وجب التحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين عنه وفق القانون. وإذا ثبت أن غارات التحالف استهدفت مناطق سكنية أو منشآت مدنية في صنعاء وصعدة وتعز والحديدة، فإن المعيار نفسه يقتضي التحقيق والمساءلة.
لا يجوز تبرير استهداف المدنيين بالانتقام، ولا تجاهل معاناتهم بسبب التحالفات السياسية. إن حياة المدني السعودي لا تقل قيمة عن حياة المدني اليمني، كما أن دماء اليمنيين ليست أقل استحقاقًا للحماية الدولية.
التصعيد الراهن امتداد لحرب طويلة
بدأ التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية في اليمن في آذار/مارس 2015، ومنذ ذلك الحين دخل البلد في مسار طويل من العمليات العسكرية والانقسام السياسي والتدهور الاقتصادي والإنساني. لذلك لا يمكن تقييم التصعيد الراهن من خلال التركيز على الهجمات الأخيرة وحدها، من دون مراجعة تسلسل العمليات والضربات والقيود والأحداث التي سبقته.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الطرف الذي بدأ التدخل العسكري لا تمنح الأطراف الأخرى حقًا مطلقًا في استخدام القوة، ولا تعفي أي جهة من الالتزام بالقانون الدولي الإنساني. فالقانون لا يقوم على سؤال من بدأ أولًا فقط، بل على تقييم أفعال كل طرف، وطبيعة الأهداف التي استهدفها، والوسائل المستخدمة، ومدى احترام حماية المدنيين.
ومن هنا تبرز أهمية التحقيقات المستقلة التي تميز بين الوقائع المثبتة والاتهامات السياسية، وتمنع الإفلات من المساءلة.
مجلس الأمن ومشكلة الانتقائية
أثارت التجارب السابقة في الساحل الغربي والدريهمي والحديدة نقاشات حول تأثير الوساطات الدولية والاتفاقات السياسية في مسار العمليات العسكرية وموازين القوى. وقد اضطلعت الأمم المتحدة بدور في اتفاق ستوكهولم لعام 2018 المتعلق بالحديدة وموانئها، ثم أُنشئت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة بموجب قرار مجلس الأمن 2452 لعام 2019.
لكن السؤال المشروع هو: هل بذل المجتمع الدولي الجهد نفسه لإنهاء معاناة المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ومعالجة آثار القيود على الواردات، ومنع استهداف المنشآت الضرورية للحياة؟
إن التدخل الدولي لاحتواء التصعيد قد يكون ضروريًا لتجنب اتساع الحرب، لكنه لا يكتسب المصداقية إلا إذا قاد إلى سلام عادل، لا إلى احتواء المعارك عندما تتعارض نتائجها مع مصالح القوى المؤثرة. ولا يكفي إثبات الانتقائية بمجرد تزامن التدخل الأممي مع تغير موازين الميدان؛ بل ينبغي فحص القرارات والتصريحات والوقائع. ومع ذلك، فإن المطالبة بتقييم متوازن لأداء المؤسسات الدولية حق مشروع وضرورة لاستعادة ثقة الشعوب بها.
معاناة اليمنيين ليست ملفًا ثانويًا
خلف الحسابات العسكرية والسياسية ملايين اليمنيين الذين عانوا سنوات من النزاع، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل مصادر الرزق، والنزوح، وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية. ولا يجوز اختزال هذه الكارثة في تبادل الاتهامات بين الأطراف المسلحة.
إن واجب الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل يشمل دعم وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المنشآت المدنية، والضغط لمنع الهجمات غير المشروعة، ومعالجة العوامل التي تؤدي إلى تجدد القتال. كما أن المسؤولية لا تقع بالضرورة على طرف واحد؛ فالأطراف المحلية والإقليمية والدولية التي أسهمت في استمرار النزاع مطالبة بمراجعة سياساتها، كلٌّ وفق دوره والأدلة المتعلقة بأفعاله.
وينبغي اعتماد الأرقام المتعلقة بالفقر والضحايا والنزوح من مصادر إنسانية موثوقة ومؤرخة، لأن دقة المعلومات جزء من احترام الضحايا والدفاع عن حقوقهم.
ماذا يقول القانون الدولي؟
يمنح ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين بموجب المادة 24، فيما تحدد المادة 39 الإطار الذي يستطيع المجلس ضمنه تقرير وجود تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل عدواني.
وفي النزاعات المسلحة، يفرض القانون الدولي الإنساني قواعد واضحة، أبرزها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وحظر الهجمات العشوائية، واحترام مبدأ التناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين. وتنطبق هذه القواعد بحسب طبيعة النزاع والقانون الواجب التطبيق، ولا تسقط بسبب الادعاء بالدفاع عن النفس أو الرد على هجوم سابق.
كما أن إثبات جريمة حرب يتطلب فحص الوقائع والأدلة والعناصر القانونية للجريمة؛ فلا تكفي الإدانة السياسية وحدها لإصدار حكم قانوني. وهذا هو الفارق بين العدالة الدولية والعدالة الانتقائية: الأولى تحاكم الفعل وفق الأدلة والقانون، والثانية تسمح لهوية الفاعل بتحديد الموقف منه.
المطلوب: موقف دولي موحد
لاستعادة الثقة بدور الأمم المتحدة، ينبغي اتخاذ خطوات عملية:
إجراء تحقيقات مستقلة في جميع الهجمات التي تطال المدنيين والأعيان المدنية في اليمن والسعودية، وإعلان النتائج الموثقة.
مساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن انتهاكات القانون الدولي، دون حماية سياسية أو عسكرية.
اتخاذ تدابير فعالة لمنع تجدد الهجمات، وضمان وصول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية.
تقييم القيود المفروضة على الموانئ والمطارات والواردات وفق آثارها الإنسانية والتزامات القانون الدولي.
الدفع نحو تسوية سياسية شاملة تعالج أسباب النزاع، وتحفظ سيادة اليمن، وتضمن أمن دول المنطقة، وتنهي معاناة المدنيين.
وفي الخلاصة، العدالة الدولية لا تتجزأ
إن الدفاع عن حقوق اليمنيين لا يتطلب إنكار حقوق السعوديين، كما أن حماية أمن السعودية لا تبرر تجاهل معاناة اليمن. فالمواقف العادلة لا تُبنى على الاصطفاف، بل على المبادئ والأدلة واحترام القانون.
ولا يجوز أن تتحول إدانات الأمين العام أو المبعوث الأممي إلى مواقف انتقائية، بل ينبغي أن تكون جزءًا من سياسة متكاملة تحمي المدنيين في كل مكان، وتواجه أسباب الحرب، وتمنع الإفلات من العقاب.
إن مجلس الأمن مطالب بإثبات أن القانون الدولي ليس امتيازًا تمنحه موازين القوى، ولا أداة ضغط تُستخدم ضد طرف وتُعطَّل أمام طرف آخر. فالعدالة التي لا تشمل الجميع ليست عدالة كاملة، والسلام الذي يتجاهل معاناة الضحايا لا يمكن أن يكون سلامًا مستدامًا.
هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يحملها المجتمع الدولي إلى اليمن والمنطقة: لا حصانة لأحد، ولا إدانة بلا دليل، ولا حماية انتقائية للمدنيين، ولا سلام حقيقيًا من دون عدالة ومساءلة متساويتين.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
11 تشرين الأول/ أكتوبر 2026