
كامل سلمان
هناك نكتة قديمة تقول سألوا ثلاثة أشخاص نفس السؤال
( الأول من الهند والثاني من أمريكا والثالث من العراق ) الهندي ما هو رأيك بأزمة اللحم ؟ فأجاب ماذا تقصدون ب ( اللحم ) لأنه لا يعرف مفردة اللحم نظراً لعدم تناوله للحم ، ثم سألوا الأمريكي ماهو رأيك بأزمة اللحم ؟ فأجاب ماذا تقصدون بكلمة ( الأزمة ) لأنه لا يعرف شيء أسمه أزمة فكل شيء متوفر له في الأسواق . ثم سألوا العراقي ما هو رأيك بأزمة اللحم ؟ فأجاب ماذا تقصدون بكلمة ( رأي ) لأنه ليس له رأي بأي أزمة تمر عليه . هذا هو الواقع المتجدد ، فبعد أن ينتهي الصيف الحار ومعاناته مع أزمة الكهرباء والماء وليس له رأي فيها يستقبل الشتاء وتبدأ معاناة جديدة مع النفط والغاز وغرق الأحياء بالأمطار وانسداد المجاري وانتشار الانفلونزا ، فهو يودع أزمة ويستقبل أزمة وليس له أي رأي في حل هذه الأزمات وكأن الحكومات المتعاقبة أبت أن لا تصلح شيئا ولم تلتفت إلى رأي المواطن الغائب . نظراً لتشبع عقله بالأزمات وعدم قدرته على إبداء رأيه يذهب بعيداً ليبدي رأيه بأمور لا تخصه ، يبدي رأيه في الحرب الروسية الأوكرانية ويبدي رأيه في الحرب الإيرانية الأمريكية وينتفض لها ويهتف أين الغيرة ويبدي رأيه بأوضاع سكان أمريكا الأصليين الهنود الحمر ورأيه بجزر هنلولو وكل ما يدور حول العالم بما لا يخصه ويتعصب برأيه وينفعل بل ويتدخل بها تنفيساً عن الحسرة التي عاشها في عدم أهمية رأيه بما يحدث لحياته داخل بلده . يقولون بأن ( العراقي مفتح باللبن ) لثقته الكبيرة بما فهم ما يدور في العالم وفي التأريخ ناسياً بأنه عيونه مغمضة أصلاً بما يعاني فكيف يصبح مفتحاً باللبن لأن الذي لا يهتم لنفسه وعياله ومجتمعه لا خير في رأيه بما يحدث في العالم البعيد مهما كان رأيه سديدا . ينتقد كل شيء إلا نفسه لأنه متكامل في كل شيء كما يظن . ينتقد البرازيل ، ينتقد دول الجوار ، ينتقد أمريكا وينتقد إسرائيل وينتقد برشلونة وريال مدريد وينتقد الأمم المتحدة وينتقد عمر بن الخطاب ومعاوية وينتقد السيسي وأبن سلمان وينتقد اليهود والمسيحيين ، ولا يستطيع أن يجمع كل هذا النقد في بودقة واحدة ويختصرها بنقد نفسه التي لا تدري من أين إلى أين بدل تشتيته ليصب في خانة حقوقه المهدورة بشكل علني دون أن يحرك ساكناً . عليه أن يعرف بأن قيمة رأيه تأتي بما يدر الخير على نفسه وعياله ومجتمعه لا ما يحدث في الأرجنتين وفي الصين . هو ينتقد ماليس لرأيه خوف من عاقبة الكلام ولا ينتقد ما وراءه الخوف . نعم أنه الخوف الذي تربى عليه طوال قرون ، أنه السر وراء كل قبول للمعاناة وسكوته عليها ، هو ليس بجبان ولكنه يخاف من حقوقه فشجاعته حاضرة عندما تمس شرفه لكن شجاعته أمام حقوقه المرهونة بأياد الآخرين غائبة . . متى ما عرف العراقي قيمة وأهمية رأيه يكون قد عرف العالم من حوله وعرف بأن شعوب الأرض تسعى لحقوقها ومصالحها قبل كل شيء . هل يعرف العراقي بأن شعوب دول العالم لا تبالي بما يحدث في العالم إلا بما تكون مصالحها مرهونة به !


