أكتوبر 13, 2026
رياض

رياض سعد

*حين تتقدّم الخصومة المذهبية على الوطن والحق والعدل والانسانية

 أولاً: مفارقة الاختلاف حين يجمعه العداء

عجيب أمر المجتمعات التي تتنازعها الاتجاهات الفكرية والسياسية والدينية، وتتباين فيها المصالح والرؤى والمناهج، ثم تجدها، على الرغم من كل خلافاتها، قادرة على الاصطفاف في جبهة واحدة عندما يتعلق الأمر بخصم مذهبي مشترك!

عندئذٍ تتراجع الخلافات العقائدية، وتخفت الخصومات السياسية، وتتوارى التناقضات الفكرية، وكأن عداوة ذلك الخصم هي القاسم المشترك الذي يعوّضها عن كل ما تعجز عن الاتفاق عليه.

ومن هنا يبرز سؤال استفزازي، لكنه يستحق التأمل: كيف يمكن أن يتحوّل بعض الملحدين والعلمانيين والمثقفين والاعلاميين والكتاب والشعراء والفنانين إلى طائفيين أشدّ تعصباً من بعض المتدينين؟!

وكيف يستطيع شخص أن يرفض الدين أو ينتقده، ثم يستعيد من التراث الديني أكثر روافده إقصاءً حين يتعلق الأمر بأبناء مذهب آخر؟!

 وكيف يمكن لخطاب يرفع شعارات الحداثة والعقلانية والمدنية أن يتعايش مع خطاب التحريض المذهبي، بل أن يلتقي معه في بعض المواقف والنتائج؟

إن المسألة لا تتعلق بالطائفة السنية بوصفها كتلة بشرية متجانسة، ولا تعني أن كل سني يحمل هذه النزعة؛ ففي المجتمعات السنية أصوات وطنية ودينية وفكرية ترفض الطائفية، كما توجد بين الشيعة أنفسهم اتجاهات طائفية وإقصائية… ؛  وإنما يتعلق الحديث بظاهرة سياسية واجتماعية يمكن رصدها لدى تيارات وبيئات وشخصيات مختلفة: أن تتقدّم العداوة للشيعة على المبادئ التي يعلن أصحابها التمسك بها، وأن يصبح الاختلاف المذهبي معياراً للحكم على المواقف والأحداث، حتى عندما يتناقض ذلك مع المصالح الوطنية أو مع أبسط قواعد الإنصاف والانسانية .

والمفارقة هنا أن الخصومة قد تجمع أشخاصاً لا يجمعهم شيء آخر؛ فالمتدين المتشدد والعلماني والليبرالي والملحد والقومي قد يختلفون في تفسير الكون، ومصدر الأخلاق، وشكل الدولة، وطبيعة المجتمع، لكنهم يلتقون أحياناً عند موقف سلبي واحد من الشيعة… ؛  وعندما يحدث ذلك، يصبح من المشروع أن نسأل: هل الخلافات المعلنة هي فعلاً محددات مواقفهم، أم أن هناك انحيازاً أعمق يوجّه أحكامهم من وراء ستار؟!

ثانياً: سيكولوجيا العداء الموروث وصناعة الخصم المشترك

لا يولد الإنسان وفي داخله موقف سياسي مكتمل من جماعة دينية أو مذهبية أخرى، بل تتشكل مواقفه عبر التربية، والبيئة الاجتماعية، والخطاب الديني والإعلامي، والذاكرة التاريخية، والتجارب الشخصية، والمصالح التي تحيط به… ,  وحين تتضافر هذه العوامل على مدى أجيال، قد يتحول الانحياز إلى ما يشبه المسلّمة التي لا يشعر صاحبها بالحاجة إلى مراجعتها.

فإذا نشأ الفرد في بيئة تصوّر الشيعي بوصفه خصماً عقدياً أو خطراً سياسياً أو امتداداً لدولة أجنبية، فقد يتبنى هذه الصورة قبل أن يلتقي شيعياً واحداً أو يقرأ رأياً مخالفاً لما تلقّاه… ؛  ثم يأتي الإعلام ليعيد إنتاجها، ويمنحها لغة سياسية حديثة، فتغدو الطائفية، لدى بعض أصحابها، موقفاً يعتقدون أنه وطني أو عقلاني، لا تعصباً يحتاج إلى مساءلة.

وهنا تعمل آليات نفسية معروفة، من بينها الانحياز إلى الجماعة، والتفكير الانتقائي، والتحيز التأكيدي؛ إذ يميل الإنسان إلى تصديق المعلومات التي توافق تصوره السابق، ويبالغ في تفسير أخطاء الجماعة التي يناصبها العداء، بينما يجد الأعذار لأخطاء الجماعة التي ينتمي إليها أو يتعاطف معها.

وعندما تتحول الهوية المذهبية إلى معيار أخلاقي، يصبح الخطأ الذي يرتكبه الخصم دليلاً على طبيعته كلها، بينما يُفسَّر الخطأ نفسه إذا ارتكبه الحليف باعتباره ضرورة سياسية أو استثناءً فرضته الظروف… ؛  وهكذا لا يعود السؤال: من ارتكب الظلم؟ وما الدليل؟ بل يصبح: من الذي ارتكبه؟ أهو من جماعتنا أم من جماعتهم؟

إن أخطر ما في الطائفية ليس أنها تزرع الكراهية فحسب، بل أنها تعيد تشكيل وعي الإنسان بحيث يرى التناقض فضيلة حين يخدم جماعته، ويرى الإنصاف خيانة حين ينصف خصمه.

 ثالثاً: التاريخ حين يتحول إلى مخزن للأحقاد

ليس العداء المذهبي في المشرق العربي وليد العصر الحديث، بل يمتد إلى صراعات تاريخية تشابكت فيها الخلافات الدينية مع النزاعات على السلطة والشرعية والموارد والنفوذ… ؛  غير أن ردّ التاريخ كله إلى خصومة أزلية بين السنة والشيعة تبسيط مخلّ؛ فالعلاقات بين أتباع المذهبين عرفت الصراع والتعايش والتعاون والتبادل العلمي والثقافي، كما شهدت تحالفات تجاوزت الانتماء المذهبي.

ومن الشواهد التاريخية على تسييس الانقسام المذهبي الصراع بين الصفويين والعثمانيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر… ,  فقد امتزج التنافس الإمبراطوري والعسكري بالاختلاف المذهبي، واستُخدمت الرموز الدينية في التعبئة السياسية، ودفع السكان في مناطق الصراع أثماناً باهظة… ,  ولم يكن ذلك مجرد نزاع بين عقيدتين، بل صراعاً على الحدود والنفوذ والشرعية الإقليمية أيضاً.

وشهدت مناطق من العراق وبلاد الشام، في عصور مختلفة، توترات وصدامات ذات أبعاد مذهبية، لكنها عرفت كذلك صوراً من التعايش والمشاركة في الحياة العلمية والاقتصادية والاجتماعية… ,  كما أن الصراعات داخل المذهب الواحد كانت حاضرة بقوة، الأمر الذي يؤكد أن السياسة والمصلحة والسلطة لا تقل تأثيراً عن العقيدة في تفسير النزاعات.

أما في العصر الحديث، فقد أسهمت انهيارات الدولة، والحروب، وصعود الحركات الإسلامية السياسية، والثورة الإيرانية عام 1979، والحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما أعقبه من انهيار أمني وعنف طائفي، في إعادة تشكيل الهويات السياسية على أسس مذهبية أكثر حدّة.

وقد ساهمت بعض القوى السياسية والدينية والإعلامية في تحويل المذهب من انتماء ديني إلى معيار للولاء السياسي، وربطت جماعات سكانية بأجندات دول إقليمية لمجرد اشتراكها معها في المذهب… ؛  وفي المقابل، استثمرت قوى أخرى مظالم تاريخية أو مخاوف أمنية لتوسيع نفوذها وتبرير تدخلاتها.

وهكذا لم يعد الماضي مجرد سجل للأحداث، بل تحول في بعض الخطابات إلى مخزن للاتهامات المتوارثة؛ يستحضر كل طرف منه ما يعزز روايته، ويغفل ما يناقضها، ويستدعي جراح الأجداد ليبرر خصومات الأحفاد.

لكن التاريخ، إذا أُريد له أن يكون أداة للمعرفة لا وسيلة للتحريض، ينبغي أن يُقرأ في سياقاته، لا أن يتحول إلى حكم جماعي على ملايين البشر الذين لا يتحملون مسؤولية أفعال حكام أو جيوش أو جماعات عاشت قبلهم.

 رابعاً: العراق واختبار الوطنية المعلنة

في العراق، تتخذ هذه الإشكالية صورة شديدة الحساسية، لأن المجتمع العراقي متعدد الانتماءات، ولأن الدولة الحديثة والحروب والتدخلات الخارجية والصراعات الداخلية جعلت مسألة الهوية الوطنية موضع نزاع دائم.

فكم من خطاب سياسي يرفع شعار «العراق أولاً»، ويؤكد أن المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ثم يضعف هذا الشعار حين تتعارض المصلحة العراقية مع مواقف دولة أو جماعة إقليمية يتعاطف معها صاحبه؟!

 وكم من شخص يتحدث عن الوحدة الوطنية، لكنه يفسر الأحداث وفق هوية أطرافها المذهبية، لا وفق أفعالها ونتائجها؟!

إن الاختبار الحقيقي للوطنية لا يكون في ترديد الشعارات، بل في المواقف التي تتعارض فيها المصالح والولاءات… ؛  فإذا اعتدت دولة على العراق، فلا ينبغي أن يصبح الدفاع عنها أو تبرير فعلها موقفاً وطنياً لمجرد أنها تتفق مذهبياً مع بعض العراقيين… ,  وإذا وقعت أزمة بين طرف عراقي وطرف خارجي، فلا يصح أن يُحسم الموقف قبل معرفة الوقائع، لمجرد أن أحد الطرفين شيعي والآخر سني، أو العكس.

ومن هنا يمكن فهم الانتقادات التي يوجهها بعض العراقيين إلى من يتبنون خطاباً وطنياً داخل العراق، ثم يناصرون في النزاعات الإقليمية قوى خارجية على نحو يبدو متعارضاً مع مبادئهم المعلنة… ؛  فالمشكلة ليست في التضامن مع أبناء المذهب الواحد، إذ إن التضامن الإنساني مشروع، وإنما في تحويله إلى ولاء يتقدم على حقوق العراقيين ومصالحهم وسيادة بلدهم.

لكن الإنصاف يقتضي ألا تتحول هذه الملاحظة إلى اتهام جماعي للسنة العراقيين أو العرب  أو إلى افتراض أن كل من يختلف مع القوى الشيعية يقف بالضرورة ضد العراق… ؛  فقد تكون هناك انتقادات مشروعة لأحزاب أو فصائل أو سياسات شيعية، كما قد تكون هناك مواقف وطنية صادقة لدى عراقيين سنة يعارضون التدخلات الخارجية، ويرفضون الاعتداء على بلادهم، ويتمسكون بمبدأ المساواة بين المواطنين.

إن المعيار الذي ينبغي أن يحكمنا واضح: من يدافع عن العراق حين يُعتدى عليه، ومن يرفض التدخل الخارجي حين يهدد سيادته، ومن يطالب بحقوق العراقيين جميعاً من دون تمييز، هو الأقرب إلى الوطنية، أياً كان مذهبه أو دينه أو اتجاهه الفكري.

أما أن يُختزل العراق في مذهب، أو تُختزل الوطنية في الولاء لقوة إقليمية، فذلك ليس دفاعاً عن الوطن، بل مصادرة لمعناه.

خامساً: لبنان وسوريا واليمن وفلسطين… هل يتغير المعيار بتغير هوية الخصم؟

تكشف النزاعات الإقليمية عن مدى قدرة الانحياز المذهبي على التأثير في أحكام الناس، خصوصاً عندما تتداخل المصالح الدولية مع الصراعات المحلية… ؛  ففي مثل هذه الظروف، لا يكتفي بعض المتابعين بتأييد طرف أو معارضة آخر، بل يتعاملون مع الأحداث وكأنها مباريات مذهبية، يكون فيها انتصار الطرف المحسوب على جماعتهم انتصاراً لهم، حتى لو ترتبت عليه نتائج كارثية على المدنيين أو على استقرار المنطقة.

في لبنان، مثلاً، ينقسم الناس حول حزب الله ودوره العسكري والسياسي وعلاقته بإيران، وحول سلاحه وتأثيره في الدولة اللبنانية… ؛  وهذه قضايا قابلة للنقاش والنقد، ولا ينبغي تحصين أي حزب أو تنظيم من المساءلة بحجة المقاومة أو الهوية المذهبية… ؛  لكن المشكلة تظهر عندما يتحول رفض حزب الله إلى شماتة بضحايا الاعتداءات الإسرائيلية، أو عندما يُبرَّر استهداف المدنيين لأن الجهة المستهدفة محسوبة على خصم مذهبي أو سياسي.

فمن حق أي لبناني أن ينتقد حزب الله، ومن حقه أن يرفض هيمنته على مؤسسات الدولة أو أن يعارض تدخله في حروب خارج لبنان، لكن ذلك لا يسقط حق اللبنانيين في الحياة والأمن، ولا يمنح إسرائيل تفويضاً أخلاقياً لاستهدافهم.

وفي سوريا، أفرزت الحرب تحالفات إقليمية ودولية معقدة، وتبدلت خلالها مواقف دول وقوى بصورة لافتة… ,  كما أن صعود هيئة تحرير الشام، ثم انتقال أحمد الجولاني من قيادة فصيل ارهابي مسلح إلى رئاسة المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، فتح الباب أمام نقاش واسع حول ماضي الجماعات المسلحة ومستقبل الدولة السورية.

ويحق للناس أن يناقشوا هذه التحولات، وأن يقيّموا سلوك السلطة الجديدة ومواقفها من الأقليات والحريات والسيادة الوطنية… ,  لكن لا يصح أن يتحول الانتماء المذهبي إلى صك براءة أو إدانة مسبقة؛ فلا يُمنح طرف إعفاءً من المساءلة لأنه يواجه خصماً شيعياً، ولا يُدان آخر لمجرد أن خصمه سني.

وفي اليمن، كان التدخل العسكري الذي قادته السعودية منذ عام 2015، بمشاركة الإمارات في مراحل من الحرب، من أبرز الأمثلة على تداخل الحسابات الإقليمية مع النزاع المحلي… ؛  وقد أسهمت الحرب، إلى جانب عوامل أخرى، في تفاقم الكارثة الإنسانية اليمنية، وتسببت في معاناة واسعة للمدنيين.

وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل مسؤولية البعض عن الانتهاكات التي نُسبت إليهم، أو مسؤولية الأطراف اليمنية الأخرى عن أفعالها… ؛  كما لا يصح اختزال المجتمع اليمني في الحوثيين أو في القوى المناهضة لهم، ولا اعتبار كل من يعارض التدخل السعودي مرتزقاً، أو كل من يؤيده خائناً.

إن المعيار العادل هو تقييم التدخلات الخارجية ونتائجها، ومحاسبة الأطراف على أفعالها، لا تحويل الحرب إلى نزاع مذهبي تُوزَّع فيه صكوك الوطنية والخيانة وفق الهوية.

أما فلسطين، فتقدم اختباراً آخر لازدواجية المعايير.. ,  فحركة حماس حركة فلسطينية ذات مرجعية إسلامية سنية، وقد حظيت بدعم إيراني، على الرغم من الاختلاف المذهبي.. , وهذا وحده يكشف أن التحالفات السياسية لا تتحرك دائماً وفق حدود المذاهب، بل وفق حسابات المقاومة والنفوذ والمصالح الاستراتيجية.

ومع ذلك، فإن دعم إيران لحماس أو لغيرها من القوى لا يجعل كل سياساتها صحيحة بالضرورة، كما أن انتقاد هذا الدعم لا يبرر مساندة إسرائيل أو التغاضي عن انتهاكاتها بحق الفلسطينيين… ؛  فالموقف من الاحتلال وحقوق الفلسطينيين ينبغي أن يستند إلى القانون والعدالة والوقائع، لا إلى هوية الدولة التي تدعم هذا الطرف أو ذاك.

وهنا تتضح المفارقة: قد يرفض شخص النفوذ الإيراني في المنطقة، وهذا حقه، لكنه قد يتساهل في الوقت نفسه مع النفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي، أو مع تدخلات إقليمية أخرى، من دون أن يطبق على الجميع المعيار نفسه… ؛  عندها لا يعود اعتراضه اعتراضاً مبدئياً على التدخل الخارجي، بل يصبح انتقائياً، تحدده هوية المتدخل والجهة المستفيدة منه.

 سادساً: إيران والولايات المتحدة وإسرائيل… من يملك حق التحالف والتدخل؟

من أكثر مظاهر ازدواجية المعايير إثارةً للجدل أن تُدان علاقات دول أو جماعات بإيران باعتبارها دليلاً قاطعاً على التبعية والخيانة، بينما تُعامل علاقات دول أخرى بالولايات المتحدة أو القوى الغربية باعتبارها أمراً طبيعياً لا يستوجب المساءلة.

فوجود قواعد عسكرية أمريكية في عدد من دول المنطقة، أو إقامة تحالفات أمنية مع واشنطن، أو التعاون السياسي والاقتصادي معها، لا يعني تلقائياً أن تلك الدول فاقدة للاستقلال أو أن جميع قراراتها صادرة من الخارج… ؛  لكن المنطق نفسه يجب أن ينطبق على الجميع: فالعلاقة مع إيران لا تكفي وحدها لإثبات الخيانة، كما أن العلاقة مع الولايات المتحدة لا تكفي وحدها لإثبات الاستقلال أو التبعية.

المعيار الصحيح هو طبيعة العلاقة، وحدود النفوذ المتبادل، ومدى احترام السيادة الوطنية، والنتائج التي تترتب عليها بالنسبة إلى الشعوب.

ولا يصح أن يكون التحالف مع الولايات المتحدة حقاً سيادياً لدولة، بينما يصبح مجرد التواصل مع إيران جريمة سياسية لدولة أخرى؛ كما لا يصح أن يُمنح طرف حق بناء تحالفات عسكرية، ثم يُحرم خصمه من أي تعاون استراتيجي لمجرد اختلافه معه مذهبياً أو سياسياً.

وبالمثل، فإن انتقاد الدور الإيراني في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن مشروع، عندما يستند إلى وقائع محددة تتعلق بالتدخل في القرار الوطني أو دعم جماعات مسلحة أو انتهاك السيادة… ؛  لكن الإنصاف يقتضي أن يشمل النقد كل تدخل خارجي، أياً كان مصدره، وأن يخضع الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لمعيار واحد.

فليس من المنطقي أن نستنكر تدخلاً لأنه إيراني، ثم نصمت عن تدخل مماثل لأنه أمريكي أو سعودي أو تركي أو إسرائيلي… ؛  وليس من المنطقي أن نعتبر تحالفات دولنا مع القوى الكبرى دليلاً على الحكمة السياسية في كل الظروف، بينما نعتبر تحالفات خصومنا المحليين  خيانة في كل الظروف.

إن السيادة ليست امتيازاً تمنحه الطوائف لبعضها بعضاً، ولا حقاً حصرياً لدول دون غيرها، بل مبدأ ينبغي الدفاع عنه للجميع.

 سابعاً: هل التضامن المذهبي جريمة؟ وأين تنتهي العقيدة وتبدأ السياسة؟

لا بد هنا من التمييز بين ثلاثة أمور كثيراً ما تختلط في الخطاب الطائفي: التضامن الديني، والتحالف السياسي، والتبعية الخارجية.

فقد يشعر المواطن الشيعي بالتضامن مع شيعة لبنان أو البحرين أو غيرهما، كما قد يشعر المواطن السني بالتضامن مع السنة في فلسطين أو سوريا أو اليمن… ؛  وهذا الشعور، في ذاته، لا يثبت الخيانة ولا ينفي الوطنية؛ فالروابط الدينية والثقافية والإنسانية جزء من التجربة الاجتماعية لكثير من البشر.

لكن التضامن لا يمنح صاحبه حق تبرير الظلم، والتحالف لا يعفي أطرافه من المحاسبة، والتبعية لا تصبح مشروعة لمجرد أن الجهة التي تُمارسها تشترك معنا في المذهب.

ومن حق الشيعة العراقيين أن تكون لهم علاقات دينية وثقافية مع المرجعيات والمؤسسات الشيعية في الخارج، كما أن من حق السنة العراقيين أن تكون لهم علاقات دينية وثقافية مع مؤسسات سنية خارج العراق… ؛  ولا ينبغي أن يتحول هذا الحق إلى اتهام جماعي لأي من الطرفين.

غير أن العلاقات الخارجية، حين تنتقل من المجال الديني والثقافي إلى التأثير في القرارات السيادية أو دعم جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة، تصبح موضع مساءلة سياسية وقانونية، بصرف النظر عن المذهب.

وبالمعيار نفسه، لا يجوز مطالبة الشيعي العراقي بأن يتبرأ من كل علاقة بإيران كي يثبت عراقيته، بينما يُعفى المواطن السني من تقديم أي تفسير لعلاقات سياسية أو أمنية مع السعودية أو تركيا أو الولايات المتحدة أو غيرها… ؛  كما لا يجوز قلب المعادلة واتهام كل سني يتعاون مع دولة عربية بالخيانة، في حين يُبرَّر كل تعاون شيعي مع إيران بوصفه تضامناً مشروعاً.

فالمواطنة لا تُقاس بعدد مرات التبرؤ من الخارج، بل بمدى الالتزام بالدستور والقانون، واحترام سيادة الدولة، والدفاع عن مصالح المواطنين جميعاً.

وإذا كان من حق أي عراقي أن يعارض النفوذ الإيراني، فمن حقه كذلك أن يعارض النفوذ الأمريكي والتركي والسعودي والإسرائيلي، متى تعارضت أي من هذه السياسات مع المصلحة العراقية… ,  وإذا كان من حقه أن ينتقد الفصائل الشيعية المسلحة، فمن حقه أيضاً أن ينتقد الجماعات المسلحة الأخرى، من دون انتقائية أو حصانة مذهبية.

 ثامناً: الدين والأخلاق… حين يصبح العدل انتقائياً

من الناحية الدينية والأخلاقية، لا يمكن الدفاع عن الطائفية التي تجعل العدل تابعاً للهوية. فالمبدأ القرآني واضح في الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8).

فالآية لا تطالب الإنسان بالعدل مع من يحبهم فحسب، بل تحذره من أن تدفعه كراهية الآخرين إلى الانحراف عن الإنصاف… ؛  وهذا هو الاختبار الحقيقي للأخلاق: أن تحكم على الفعل بمعياره، لا على الفاعل بانتمائه.

كما أن الحديث النبوي المشهور: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» لا يعني الانتصار للظالم في ظلمه، بل جاء تفسيره في الرواية نفسها بأن نصرته تكون بمنعه من الظلم… ؛  وبذلك يصبح التضامن الأخلاقي مسؤولية في منع التجاوز، لا ذريعة لتبريره.

فإذا اعتدى شخص من جماعتك على غيره، فإن واجبك ليس تبرير الاعتداء لأنه من جماعتك، بل إدانته ومطالبته برد الحقوق… ؛  وإذا ظُلم شخص من الجماعة التي تختلف معها، فإن واجب العدل يقتضي الوقوف مع حقه، حتى لو لم تتفق معه في الدين أو المذهب أو السياسة.

أما أن يُستدعى الدين لتكفير الخصم أو إقصائه، ثم يُهمَل حين يدعو إلى العدل والرحمة وصيانة الدماء، فذلك انتقاء من النصوص لا التزام بمقاصدها.

والأمر نفسه ينطبق على العلمانية والليبرالية والقومية وغيرها من الاتجاهات الفكرية… ؛  فمن يرفع شعار حرية الاعتقاد والمساواة، ثم يؤيد إقصاء جماعة كاملة بسبب هويتها المذهبية، يقع في تناقض مع المبادئ التي يعلن الدفاع عنها.

ليس المطلوب أن يتخلى الناس عن عقائدهم أو اختلافاتهم، بل أن يدركوا أن الاختلاف لا يبيح الظلم، وأن الخصومة السياسية لا تمنح أحداً حق إهدار كرامة الآخرين.

 تاسعاً: الإعلام والسياسة وصناعة الاصطفاف الطائفي

لا يمكن فهم هذه الظاهرة من دون النظر إلى دور الإعلام والسياسيين وبعض المؤسسات الدينية في صناعة العدو المشترك… ؛  فخطاب التخويف  والترهيب والتخوين لا يحتاج دائماً إلى اختراع الوقائع؛ يكفيه أن ينتقي بعضها، ويضخم بعضها الآخر، ويهمل ما يناقض روايته، حتى يصنع صورة أحادية للخصم.

وقد تتحول كل أزمة سياسية إلى مناسبة لإحياء الذاكرة المذهبية، ويُقدَّم الصراع على النفوذ باعتباره صراعاً بين طائفتين، ثم يُطلب من الجمهور أن يختار موقفه قبل أن يعرف تفاصيل القضية.

وتستفيد بعض القوى السياسية من هذه الآلية لأنها تتيح لها تحويل الأنظار عن الفساد وسوء الإدارة والفشل الاقتصادي وانتهاك الحقوق… ؛  فبدلاً من أن يسأل المواطن عن الخدمات وفرص العمل والعدالة والقضاء، يُدفع إلى الانشغال بهوية المسؤول أو مذهب خصمه.

وفي العراق، كما في دول أخرى، قد تتحول الطائفية إلى وسيلة لحشد الأنصار وتبرير الامتيازات، وإلى أداة لتقسيم المجتمع إلى جماعات تتبادل الشكوك والاتهامات… ؛  وعندما يصبح الخصم المذهبي تهديداً دائماً في الوعي العام، يسهل تسويق التحالفات الخارجية باسم الحماية، وتبرير عسكرة المجتمع باسم الدفاع عن الهوية.

لكن مسؤولية الإعلام لا تعني أن الجمهور بلا إرادة، ولا أن كل اختلاف في المواقف نتيجة مؤامرة منظمة… ؛  فهناك خلافات حقيقية في المصالح والتصورات السياسية والأمنية، وهناك من يعارض إيران  أو تركيا أو السعودية والامارات أو الولايات المتحدة أو إسرائيل لأسباب مبدئية أو استراتيجية، لا لأسباب مذهبية… ؛ ولذلك لا بد من التمييز بين النقد السياسي المشروع والتحريض الذي يحوّل الانتماء الديني إلى تهمة.

 عاشراً: من هو الوطني حقاً؟ ومن الذي يناصر الحق؟

ليس الوطني هو من يوافق جماعته في كل شيء، ولا من يتخذ موقفاً عدائياً من كل من يختلف معها… ؛  الوطني هو من يستطيع أن يقول لحليفه: أخطأت، ولخصمه: أصبت، وللدولة التي يتعاطف معها: تجاوزت حدودك، وللدولة التي يعارضها: هذا موقفك الصحيح في هذه القضية.

وليس صاحب المبدأ من يصف خصمه بالظالم ثم يبرر الظلم حين يصدر عن حليفه… ؛  كما لا يصبح الإنسان مدافعاً عن الحق لمجرد أنه يناصر طرفاً يراه شجاعاً أو مظلوماً؛ فالشجاعة لا تعني العصمة، والمظلومية في قضية لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة في قضايا أخرى.

ومن هنا، فإن القول إن طرفاً ما يقف دائماً مع الحق، بينما يقف الطرف الآخر دائماً مع الباطل، هو نفسه تعميم يحتاج إلى مراجعة… ؛  فالحق لا يصبح ملكاً حصرياً لمذهب، والباطل لا يصبح صفة ملازمة لمذهب آخر.

إننا بحاجة إلى شجاعة فكرية تسمح لنا بمراجعة مواقفنا، لا إلى شجاعة خطابية تكتفي بتخوين الآخرين… ؛  وبحاجة إلى وطنية تتسع للعراقيين والعرب والمسلمين  جميعاً، لا إلى وطنية مشروطة بالتخلي عن الانتماء الديني أو الثقافي أو القومي ؛  وبحاجة إلى تضامن إنساني لا يتوقف عند الحدود المذهبية والقومية ، ولا يتحول إلى تفويض مفتوح للقوى الخارجية.

فإذا كانت السعودية أو إيران أو الولايات المتحدة أو تركيا أو إسرائيل تتدخل في شؤون دولة أخرى، فينبغي أن يُناقش كل تدخل وفق أسبابه ووسائله ونتائجه، لا وفق هوية الدولة المتدخلة… ؛  وإذا ارتكبت جماعة مسلحة انتهاكاً، فينبغي إدانته، أياً كان اسمها أو مذهبها أو شعارها… ؛  وإذا تعرض مدنيون للقتل أو التهجير أو التجويع، فلا يجوز أن تصبح هويتهم سبباً للتشفي منهم أو التهوين من معاناتهم.

 خاتمة: لا تجعلوا المذهب بديلاً عن الضمير

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو أن يفقد القدرة على رؤية الإنسان خارج هويته المذهبية، وأن يصبح الانتماء معياراً للحكم على الحقيقة، وأن تُقاس الوطنية بمدى القرب من حليف خارجي أو البعد عن خصم إقليمي.

وعندما يحدث ذلك، قد يتفق المتدين والمتشكك والملحد والعلماني على موقف واحد لا لأنهم توصلوا إليه عبر العقل والبحث والإنصاف، بل لأن خصومة مشتركة جمعتهم… ؛  وقد يتناسى كل منهم تناقضاته الفكرية والسياسية ما دام يرى في إضعاف خصمه المذهبي مكسباً لجماعته.

لكن هذا الاصطفاف ليس قدراً تاريخياً، ولا صفة وراثية لجماعة بعينها، ولا حقيقة تنطبق على جميع أبنائها… ؛  إنه سلوك تصنعه التربية والخطابات والمصالح والذاكرة الانتقائية، ويمكن تفكيكه بالنقد والمعرفة والعدالة والمواطنة.

ومن حق العراقي أن ينتقد إيران، كما من حقه أن ينتقد الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وإسرائيل… ؛  ومن حقه أن يعارض حزباً شيعياً أو حركة سنية أو جماعة علمانية أو تنظيماً قومياً… ؛  لكن ليس من حقه أن يحوّل نقده إلى كراهية جماعية، أو أن يبرر التدخل الخارجي حين يخدم جماعته، ثم يجرّمه حين يخدم خصومها.

إن العراق لا يحتاج إلى أن يتخلى أبناؤه عن مذاهبهم، بل إلى أن يتخلوا عن الاعتقاد بأن المذهب يمنحهم حقاً في إدانة الآخرين أو إعفاء أنفسهم من المساءلة… ؛  ولا يحتاج إلى أن يصطف الشيعي مع السني في كل قضية، أو السني مع الشيعي في كل قضية، بل إلى أن يصطف الجميع مع الحق حيثما كان، وضد الظلم أياً كان مرتكبه.

فليس المطلوب أن نحب بعضنا بعضاً بالقوة، ولا أن نتفق في العقائد والسياسة، بل أن نختلف من دون أن يتحول اختلافنا إلى عداء أعمى، وأن نرفض الظلم حتى عندما يصدر عن أقرب الناس إلينا.

فمن يترك أخاه لأنه مختلف معه في المذهب، ويمنح الغريب ثقته لمجرد أنه يشاركه الخصومة مع ذلك الأخ، لا يكون قد انتصر للوطن أو للعقيدة؛ بل يكون قد سمح للعداء بأن يصادر ضميره.

والوطنية الحقيقية لا تُقاس بمن نكره، بل بما ندافع عنه؛ والعدل لا يُختبر حين ننصف من نحب، بل حين نرفض ظلم من نختلف معه… ؛  أما من يجعل طائفته فوق الحقيقة، وحليفه فوق المساءلة، وخصمه خارج دائرة الإنسانية، فإنه لا يدافع عن مبدأ، بل يستبدل المبدأ بالهوية، والضمير بالاصطفاف، والوطن بحسابات الصراع الطائفي والقومي .