
Screenshot
سماسرة المبادئ و شهادات الشرف الوطنية
أخطر ما في السياسة أن يغير المرء موقفه فالمواقف تتبدل حين تتغير الوقائع وتنكشف الحقائق وتعيد الدول حساباتها والخطر الحقيقي في ذلك قد يحول التلون من مراجعة سياسية معلنة إلى تجارة بالولاءات وأن يصبح الانقلاب على الأمس وسيلة للارتماء في حضن جديد دون اعتراف أو تفسير أو حتى قدر ضئيل من احترام ذاكرة الناس ووقائعهم
وفي السياسة فرق شاسع بين من يراجع قناعاته بناء على قراءة جديدة للمصالح والوقائع وبين من يبدل رايته كلما تغير اتجاه الريح فالأول يمارس حقه في التقدير السياسي أما الثاني فيتعامل مع المبادئ بوصفها بضاعة موسمية يعرضها في سوق النفوذ ويستبدلها حين تنتهي صلاحيتها وهنا يكمل الخطر
المفارقة الأكثر فجاعة أن بعض الذين أمضوا سنوات في تلميع مشاريع إقليمية والدفاع عن رموزها وتبرير سياساتها باتوا اليوم يتحدثون بلغة مختلفة تماما وربما اصطفوا مع خصوم الأمس أنفسهم دون أن يقدموا لجمهورهم تفسيرا واحدا لهذا التحول
بالأمس كانت الولاءات القديمة عنوانا للحكمة والمقاومة وفي الأمس القريب كانت التحالفات الجديدة خيانة في نظرهم أما اليوم فقد تبدلت المفردات وتغيرت المعايير وأصبح ما كان مدانا بالأمس مقبولا بل مطلوبا حين تبدلت الجهة التي تمنح النفوذ أو تفتح أبواب المصالح
هنا لا يعود سؤالنا هل من حقه أن يغير موقفه بل هل من حقه أن يطالب الآخرين بالثقة بعد أن جعل من مواقفه المتناقضة سجلا مفتوحا على الانتهازية وبيع المبدأ
ولا يتعلق كذلك الأمر بحق الأفراد في مراجعة مواقفهم السياسية فهذا حق مشروع بل بازدواجية المعايير لديهم حين يتحول تغيير الاصطفاف إلى وسيلة لمحو الماضي والتنصل من المسؤولية ثم العودة إلى المنابر لتوزيع دروس الوطنية والكرامة والشرف على من لم يشاركوا في صناعة التناقضات نفسها
إن الذاكرة العامة ليست صفحة يمكن تمزيقها كلما تغير الحليف والصور والتصريحات والمواقف لا تمحى بمجرد تغيير الخطاب كما أن الدماء التي أريقت والبيوت التي تدمرت لا تصبح تفصيلا هامشيا لأن أصحاب المصالح قرروا الانتقال من معسكر إلى آخر ومن حليف إلى آخر
والأكثر استفزازا في هذه القضية أن يتحول بعض تجار المواقف إلى حراس للأخلاق والوطنية و يوزعون شهادات الشرف على الناس وكأن التاريخ بدأ يوم اكتشفوا مصالحهم الجديدة وكأن الجمهور لا يتذكر من دافعوا عنه ومن برروا سياساته ومن هاجموا خصومه ثم عادوا ليقدموا أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحقيقة المطلقة وأصحاب المصلحة الوطنية
السياسة لا تطلب من أحد أن يبقى أسير موقفه إلى الأبد لكنها تطلب منه الحد الأدنى من الصدق والشجاعة للاعتراف بما أخطأ فيه وتفسير ما تغير لديه وتحمل مسؤولية ما قاله وفعله سابقا
أما أن يبدل المرء ولاءه ثم يطالب الناس بتصديق خطابه الجديد دون مراجعة أو اعتذار فذلك ليس تجديدا في الفكر بل محاولة لإعادة تسويق الذات بواجهة مختلفة وقناع جديد وغطاء جديد
فأشد ما يفضح الإنسان ليس أنه غير موقفه بل أنه يطالب الآخرين بمحاسبتهم على مواقفهم وينسى أن يضع ماضيه أمام المحكمة نفسها
فالأوطان أكبر من تجار الاصطفافات والكرامة ليست شعارا يرفع عند الحاجة والشرف لا يمنحه منبر ولا تصنعه خطبة بل تصونهما سيرة متماسكة وموقف مسؤول واستعداد صريح لمواجهة الحقيقة حتى حين تكون الحقيقة ضد صاحبها المتلون المواقف والمتبادل القرارات والمتناقض الولاءات





