أكتوبر 15, 2026
رياض 555

رياض سعد

مقدمة: الجنسية بين الانتماء الوطني وحسابات السياسة

ليست الجنسية العراقية مجرد وثيقة رسمية تثبت انتماء حاملها إلى الدولة، بل هي رابطة قانونية وسياسية تنشأ عنها حقوق وواجبات، ويُفترض أن تحميها مؤسسات الدولة من التلاعب والتوظيف الحزبي والتدخلات والمؤامرات الخارجية ومخططات التغيير الديموغرافية الخبيثة … ؛  غير أن هذه الرابطة تصبح موضع جدل حين تتداخل ملفات التجنيس مع المصالح السياسية، وتُثار شبهات بشأن منح الجنسية على أساس المحاباة أو النفوذ أو الطائفية أو النعرات القومية ، أو تُطرح دعوات لسحبها من مواطنين بسبب مواقفهم السياسية أو انتماءاتهم المذهبية.

وفي العراق، تزداد أهمية هذه القضية بسبب ما شهدته البلاد من حروب وتدخلات أجنبية وصراعات داخلية، وما رافق ذلك من محاولات لتوظيف الهويات القومية والمذهبية في خدمة مشاريع إقليمية متنافسة… ؛  ومن هنا، يصبح من الضروري أن نطرح أسئلة لا يجوز أن تخضع للمجاملة أو الانتقائية: من يملك حق تحديد الولاء الوطني؟

وهل يُقاس الانتماء إلى العراق بالأصل العائلي والمذهب والقومية، أم بالسلوك الفعلي والموقف من سيادة الدولة ومصالح شعبها؟

ولماذا تُثار أحيانًا دعوات إلى سحب الجنسية من عراقيين بسبب مواقفهم المؤيدة لإيران، بينما لا تحظى مواقف بعض المؤيدين لتركيا أو دول عربية أخرى بالتدقيق نفسه؟!

إن مناقشة هذه الأسئلة لا تعني التساهل مع التبعية الخارجية أو التغاضي عن الجرائم والخيانة والتبعية الذليلة ، بل تعني إخضاع الجميع لمعيار واحد، فلا تكون هناك حصانة سياسية أو مذهبية لمن يتعاون مع الخارج، ولا تُستخدم الجنسية سلاحًا ضد من يختلف سياسيًّا أو دينيًّا مع خصومه.

وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من بعض المفاهيم التي تناولتها في كتاباتي ومقالاتي السابقة والكثيرة , والتي تكلمت فيها عن الهوية الوطنية، مثل «الفئة الهجينة» و«الخط المنكوس» و«بقايا العثمنة والعجم ورعايا الإنكليز»، بوصفها مفاهيم نقدية تتصل بتناقضات الولاء السياسي، واختلال ترتيب الأولويات الوطنية، وتغليب المصالح الخارجية على مصلحة العراق… ؛  غير أن فاعلية هذه المفاهيم تظل مرهونة باستخدامها لتحليل السلوك والمواقف، لا لتحويل الأصول القومية أو المذهبية إلى تهم جماعية.

أولًا: التجنيس في العراق.. حق قانوني أم وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع؟

لا يمكن فهم ظاهرة التجنيس في العراق بمعزل عن تاريخ الدولة الحديثة الهجينة منذ تأسيسها عام 1921، وما شهدته من تحولات سياسية وحدودية وسكانية وتغييرات ديموغرافية وطائفية مشبوهة … ؛  فقد أدت الهجرات والحروب والاحتلالات الخارجية والتغيرات الإدارية إلى نشوء حالات متعددة من اكتساب الجنسية، بعضها يستند إلى الولادة أو الأصل أو الإقامة، وبعضها إلى طلبات التجنيس وفق الشروط القانونية المشبوهة ... ؛ إذ جرى تجنيس أعداد من خدم العثمانيين الأتراك ومرتزقتهم، ومن خدم البريطانيين ورعاياهم وعملائهم، فضلًا عن وافدين من جنسيات وأصول مختلفة… ؛  وشمل ذلك أيضًا إيرانيين هاجروا إلى العراق طلبًا للرزق أو لزيارة العتبات المقدسة، فاستقر بعضهم فيه، كما انحدر بعض الوافدين من خلفيات مذهبية وقومية متنوعة، من بينها السنة والأكراد والفيليون. ناهيك عن عمليات تجنيس أخرى شملت مواطنين من دول ناطقة بالعربية، كالنجديين والشاميين والمصريين.

نعم ,  تعدد الحالات لا ينفي وقوع مخالفات أو تجاوزات وانتهاكات ، ولا يمنع من التساؤل عن  نزاهة  عمليات التجنيس التي يُشتبه في ارتباطها بالمحسوبية السياسية والنعرات الطائفية والقومية  أو التزوير أو المصالح الانتخابية والحزبية , والمخططات المخابراتية المشبوهة  , وغيرها .

فإذا مُنحت الجنسية العراقية لأشخاص بناءً على وثائق مزورة، أو رشى، أو استغلال للنفوذ، أو مخالفة صريحة للقانون، أو لأسبابٍ طائفيةٍ وقوميةٍ مقيتة، أو امتثالًا لأوامرَ استعماريةٍ مشبوهة، أو تنفيذًا لمخططاتٍ خارجيةٍ منكوسة… ؛ فإن ذلك يستوجب التحقيق والمساءلة , بل وسحب الجنسية العراقية وبأثر رجعي … ؛ وإذا استُخدمت مؤسسات الدولة لمنح الجنسية بصورة غير مشروعة بهدف التأثير في التوازنات السكانية أو السياسية أو الطائفية أو القومية ، فإن الأمر يتجاوز المخالفة الإدارية إلى قضية تتصل بأمن الدولة ونزاهة مؤسساتها , وهوية العراق الوطنية واصالة الامة العراقية , ومستقبل الاجيال العراقية الاصيلة .  

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة ملفات التجنيس التي تحيط بها شبهات جدية، منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى اليوم، على أن تستند المراجعة إلى الوثائق والسجلات والتحقيقات القضائية، لا إلى الشائعات أو الانتماءات القومية والمذهبية.

فليس كل من تعود أصوله إلى إيران أو تركيا أو سوريا أو غيرها من البلدان أجنبيًّا بالمعنى القانوني، كما أن الأصل العراقي لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة إذا ثبت تورطه في التزوير أو الفساد أو التعاون مع جهة أجنبية ضد بلاده.

إن المشكلة ليست في وجود تنوع في أصول المواطنين، بل في احتمال استغلال الجنسية لتحقيق مكاسب سياسية غير مشروعة، وفي ازدواجية المعايير التي قد تجعل المخالفة مقبولة إذا ارتكبها الحليف، وخطيرة إذا ارتكبها الخصم.

ثانيًا: «الفئة الهجينة» و«الخط المنكوس».. نقد التبعية لا الأصول

في بعض كتاباتي ، تبرز تعبيرات مثل «الفئة الهجينة» و«الخط المنكوس» و«بقايا العثمنة والعجم ورعايا الإنكليز»، في سياق نقده لما اراه تناقضًا بين الانتماء الوطني المعلن والارتباطات السياسية الخارجية… ؛  ويمكن توظيف هذه التعبيرات في تحليل ظواهر التبعية والارتهان السياسي، شرط ضبط دلالاتها وعدم تحويلها إلى أحكام عرقية أو مذهبية.

فـ«الفئة الهجينة»، وفق قراءة سياسية نقدية، يمكن أن تشير إلى حالة من الازدواج في الولاء، حين يعلن الفرد انتماءه إلى العراق، لكنه يجعل مصالح جهة خارجية أو حزب عابر للحدود مقدمة على استقلال الدولة ومصلحة المواطنين.

أما «الخط المنكوس»، فيمكن أن يعبّر عن انقلاب في ترتيب الأولويات الوطنية؛ حين يصبح الولاء للحزب أو الطائفة أو الدولة الأجنبية أهم من الولاء للدستور والمجتمع العراقي، وحين يُتهم المدافع عن سيادة العراق بالتخلي عن هويته، بينما يُبرر الارتهان للخارج باسم الدين أو القومية أو التحالف السياسي.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة عبارة «بقايا العثمنة والعجم ورعايا الإنكليز» بوصفها إحالة نقدية إلى أنماط تاريخية من النفوذ الخارجي والارتباط بمراكز القوة الإقليمية والدولية… ؛  لكنها لا تصلح دليلًا على ولاء أي شخص لمجرد أن أسرته تنحدر من أصل عثماني أو إيراني أو غيرهما؛ فالتاريخ العائلي شيء، والسلوك السياسي المعاصر شيء آخر.

لقد عرف العراق شخصيات ذات أصول متنوعة أسهمت في بنائه والدفاع عنه، كما عرف مسؤولين عراقيين من أصول محلية تورطوا في سياسات أضرت به… ؛  ومن ثم، فإن المعيار الصحيح لا يكمن في شجرة العائلة، بل في الأفعال والقرارات والارتباطات التي يمكن إثباتها.

فليس كل من تعود جذوره إلى الخارج تابعًا له، وليس كل من وُلد في العراق وفيه أجداده ووالداه حريصًا بالضرورة على استقلاله.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينطلق منها نقد التبعية: أن يتحول إلى مساءلة سياسية وأخلاقية وقانونية عن السلوك، لا إلى تصنيف للمواطنين بحسب أصولهم أو مذاهبهم.

ثالثًا: سحب الجنسية في البحرين والكويت.. ازدواجية المعايير وحقوق المواطنين

أثارت قرارات سحب الجنسية في البحرين والكويت نقاشات واسعة بشأن أسباب إسقاط الجنسية، والضمانات القانونية المحيطة بها، وتأثيرها في الأفراد والأسر… ؛  كما طُرحت انتقادات بشأن حالات قيل إنها طالت مواطنين من الطائفة الشيعية أو أشخاصًا بسبب مواقفهم السياسية.

وفي المقابل، ظهرت ادعاءات تربط بين سحب الجنسية من بعض المواطنين ومنحها لوافدين من جنسيات أخرى، بينها السورية والفلسطينية والمغربية والعراقية السنية … .

ومع ذلك، فإن المبدأ الذي ينبغي التأكيد عليه واضح: إذا حُرم مواطن من جنسيته بسبب مذهبه أو معارضته السياسية السلمية، فإن ذلك يثير تساؤلات خطيرة بشأن المساواة والعدالة وسيادة القانون… ؛  وإذا مُنحت الجنسية لوافد مستوفٍ للشروط القانونية، فلا يصبح منحه إياها دليلًا على وجود مؤامرة لمجرد انتمائه إلى مذهب أو قومية معينة.

إن الاعتراض على التمييز المذهبي ينبغي ألا يتحول إلى تمييز مضاد، كما أن الدفاع عن حقوق الشيعة في دولة ما يجب أن يقترن بالدفاع عن حقوق السنة وغيرهم حين يتعرضون للظلم نفسه.

فالمشكلة ليست في أن يكون المواطن سنيًّا أو شيعيًّا، بل في أن تتحول الجنسية إلى أداة لتكريس الولاء السياسي، أو إلى وسيلة لمعاقبة جماعة بسبب هويتها.

رابعًا: استفتاء كردستان والتجنيس المثير للجدل

أعاد استفتاء إقليم كردستان في 25 أيلول 2017 طرح أسئلة جوهرية بشأن العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، وحدود الاستقلال السياسي، والالتزامات الدستورية المترتبة على الانتماء إلى الدولة العراقية.

وقد عارضت الحكومة الاتحادية الاستفتاء ورفضت نتائجه، فيما أثارت بعض المواقف والرموز التي ظهرت خلاله، بما فيها رفع أعلام دول أخرى، انتقادات تتعلق بالسيادة والاصطفافات الإقليمية.

لكن هذه الوقائع لا تبرر الحكم على جميع الأكراد العراقيين، ولا تجعل تأييد الاستفتاء وحده دليلًا على الخيانة أو سببًا لسحب الجنسية… ؛  فالمواقف السياسية، حتى المثيرة للجدل أو المخالفة لتوجهات الحكومة الاتحادية، ينبغي أن تُقيّم في إطارها الدستوري والقانوني، مع التمييز بينها وبين الجرائم التي تستهدف أمن البلاد.

وفي المقابل، فإن الادعاءات المتعلقة بتجنيس أعداد كبيرة من الأكراد السوريين أو الأتراك أو الإيرانيين، أو حصول أشخاص على جوازات عراقية بطرق غير قانونية، تستحق التحقيق إذا كانت مدعومة بأدلة جدية.

ومن بين الادعاءات المتداولة ما يُقال عن حصول مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، على الجنسية أو جواز السفر العراقي، وما يُثار بشأن تجنيس أكراد سوريين عبر سفارات عراقية في أوروبا… .  

إن الواجب الوطني هنا هو تدقيق سجلات الجنسية والجوازات، والتحقق من سلامة الإجراءات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التزوير أو استغلال النفوذ، بصرف النظر عن قوميته أو موقعه السياسي.

فإذا ثبت وجود تجنيس غير قانوني، وجب التعامل معه وفق القانون؛ أما إذا لم تثبت المخالفة، فلا يجوز تحويل الأصل القومي إلى قرينة اتهام.

خامسًا: داعش وجرائم عام 2014.. من يتحمل مسؤولية الخيانة والإرهاب؟

إذا كان الحديث عن الولاء الوطني يتطلب أمثلة عملية، فإن الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش منذ عام 2014 تقدم أحد أوضح الاختبارات لموقف الفرد من العراق وشعبه.

فقد اجتاح التنظيم مساحات واسعة من البلاد، وارتكب جرائم قتل جماعي وتهجير واستعباد وعنف جنسي وتدمير للممتلكات والمقدسات… ؛  واستهدف الإيزيديين، والشيعة التركمان، والمسيحيين، والصابئة المندائيين، والشيعة في مناطق مختلفة، كما قتل سنة عراقيين رفضوا سلطته أو قاوموه، واستهدف أفرادًا من القوات الأمنية والعشائر والقوى التي وقفت ضده.

لقد كشفت تلك الجرائم خطورة التنظيمات العابرة للحدود التي تستقدم مقاتلين من جنسيات متعددة، وتعمل على إخضاع المجتمعات المحلية بالقوة، وتتعامل مع العراقيين بوصفهم أعداء أو أهدافًا مشروعة للقتل والاستعباد.

ومن حق العراقيين أن يسألوا عن الأفراد الذين سهّلوا دخول الإرهابيين، أو قدموا لهم الدعم، أو تعاونوا معهم، أو شاركوا في عمليات القتل والتهجير، أو برروا جرائمهم… ؛  كما أن من حقهم المطالبة بمحاسبة كل من يثبت تورطه في تلك الأفعال، مهما كان مذهبه أو قوميته أو موقعه الاجتماعي.

لكن المسؤولية يجب أن تُنسب إلى مرتكبي الجرائم والمتعاونين معهم، لا إلى جماعة مذهبية بأكملها… ؛  فوجود عراقيين سنة في صفوف داعش لا يجعل السنة جميعًا مسؤولين عن جرائمه، تمامًا كما أن وجود جماعات مسلحة شيعية ارتكبت انتهاكات لا يبرر اتهام الشيعة جميعًا بها.

إن الاتهامات المتعلقة بتنسيق أفراد أو تيارات عراقية مع جهات أجنبية لإعادة الإرهاب أو زعزعة الأمن ينبغي أن تُفحص وفق الأدلة والتحقيقات القضائية… ؛  وإذا ثبت أن شخصًا تعاون مع تنظيم إرهابي أو جهة أجنبية معادية، فلا ينبغي أن تحميه طائفته أو حزبه أو علاقاته السياسية من المساءلة.

وهنا ينبغي التمييز بين التأييد السياسي لدولة أجنبية، وبين التعاون العملياتي مع جهة إرهابية أو المشاركة في جرائم ضد العراقيين… ؛  فالأول لا يثبت وحده الخيانة، أما الثاني فقد يشكل جريمة خطيرة تستوجب المحاسبة.

سادسًا: لماذا تُثار دعوات سحب الجنسية بسبب تأييد إيران، ويُغضّ الطرف عن علاقات أخرى بالخارج؟

تظهر ازدواجية المعايير حين يُعامل الارتباط بإيران بوصفه دليلًا تلقائيًّا على انعدام الولاء الوطني، بينما تُمنح ارتباطات أخرى بتركيا أو دول عربية أو غربية حصانةً من النقد والمساءلة.

فقد تُثار دعوات لسحب الجنسية من عراقيين بسبب مشاركتهم في تشييع مرجع ديني إيراني، أو بسبب تأييدهم مواقف سياسية تتبناها طهران… ؛  وفي المقابل، قد لا تحظى مواقف شخصيات أو تيارات تؤيد سياسات دول أخرى بالتدقيق نفسه، حتى عندما تتعارض بعض تلك السياسات مع المصالح العراقية.

إن هذا التناقض يستحق النقد، لكنه لا يُعالج بقلب الاتهام من جهة إلى أخرى، بل بتحديد معيار واحد للولاء الوطني.

فالمشاركة في تشييع رجل دين، أو الانتماء إلى مدرسة دينية ذات امتدادات خارج العراق، أو تأييد موقف سياسي لدولة معينة، لا يكفي وحده لسحب الجنسية… ؛  وبالمثل، فإن تأييد تركيا أو دولة عربية أو غربية لا يمنح صاحبه حصانة إذا ثبت أنه تعاون بصورة غير مشروعة مع جهة أجنبية ضد العراق.

ويجب أن تشمل المساءلة كل من يثبت تورطه في التجسس، أو تمويل الإرهاب، أو تسهيل الاعتداء على البلاد، أو نقل معلومات أمنية إلى جهات أجنبية، أو استغلال منصبه لتمكين تدخل خارجي غير مشروع.

أما مجرد اختلاف المواطنين في رؤيتهم للعلاقات الإقليمية، فلا يجوز أن يتحول إلى مبرر لحرمانهم من الجنسية.

وإذا كانت هناك دعوات تستهدف ملايين العراقيين الشيعة بسبب مشاركتهم في مراسم دينية أو إظهارهم التعاطف مع مرجع ديني إيراني، فإن مثل هذه الدعوات، متى ثبت صدورها بهذه الصيغة، تستوجب نقدًا واضحًا؛ لأنها تخلط بين الهوية المذهبية والولاء السياسي، وتتعامل مع جماعة واسعة بمنطق المسؤولية الجماعية.

لكن المبدأ نفسه ينطبق على أي خطاب يستهدف السنة أو الأكراد أو التركمان أو غيرهم بسبب هويتهم أو مواقفهم السلمية.

إن الولاء للخارج لا يُقاس باسم الدولة التي يؤيدها الفرد، بل بطبيعة سلوكه وأفعاله ومدى تعارضها مع القانون وسيادة العراق.

سابعًا: تضحيات العراقيين في مواجهة داعش ليست ملكًا لطائفة واحدة

لقد شهدت معارك تحرير المدن العراقية من داعش تضحيات كبيرة قدمها أفراد ومؤسسات وتشكيلات متعددة، بينها القوات المسلحة والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي ومقاتلون من العشائر وقوى محلية أخرى.

وكان لمقاتلين شيعة دور بارز في معارك عديدة، كما قدم عراقيون سنة تضحيات في مواجهة التنظيم، وشاركت قوى كردية ومسيحية وإيزيدية وغيرها في الدفاع عن مناطقها وسكانها.

ومن حق المجتمع أن يعتز بكل من ساهم في تحرير المدن وحماية المدنيين، وأن يكرّم الشهداء والجرحى والناجين، وأن يوثق الجرائم التي ارتكبها التنظيم بحق جميع ضحاياه.

لكن لا يصح أن تتحول هذه التضحيات إلى وسيلة لاحتكار الوطنية، أو إلى مبرر لاتهام جماعة كاملة بالنفاق أو الخيانة… ؛  فمواجهة الإرهاب لا تمنح أي جهة حق سلب الآخرين مواطنتهم، كما أن التضحيات لا تعفي مرتكبي الانتهاكات من المساءلة القانونية.

وإذا كان للجنسية العراقية من معنى يتجاوز الوثائق والأختام، فهو أن ينتمي المواطنون إلى دولة تحميهم جميعًا، وتكافئ من يخدمها، وتحاسب من يعتدي عليها، من دون تمييز مذهبي أو قومي.

إن الوطنية ليست امتيازًا وراثيًّا، بل مسؤولية تُترجم إلى أفعال، ولا يجوز احتكارها من قبل حزب أو طائفة أو جماعة سياسية.

ثامنًا: متى يكون سحب الجنسية مشروعًا؟

إن المطالبة بمراجعة ملفات التجنيس لا تعني أن سحب الجنسية ينبغي أن يكون إجراءً سهلًا أو أداةً لتصفية الخصوم… ؛  فالجنسية ترتبط باستقرار الفرد والأسرة، وبحقوق قانونية ومدنية، ولذلك يجب أن تخضع القرارات المتعلقة بها لضمانات واضحة.

ويمكن التمييز بين الحالات الآتية:

1. التجنيس بالتزوير أو الغش أو لأسباب سياسية وطائفية وقومية واستعمارية ومخابراتية مشبوهة : إذا ثبت أن الجنسية مُنحت استنادًا إلى وثائق مزورة أو بيانات جوهرية كاذبة، أو مخططات وسياسات منكوسة ؛ فينبغي التحقيق واتخاذ الإجراءات التي يجيزها القانون، مع تمكين المعني من الطعن والدفاع عن حقوقه.

2. التجنيس عبر الفساد واستغلال النفوذ: يجب التحقيق في مسؤولية الموظفين والجهات التي سهّلت المخالفة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، لا الاكتفاء بمعالجة وضع المستفيد.

3. التجسس أو التعاون مع جهة أجنبية ضد العراق: ينبغي التحقيق والمحاكمة وفرض العقوبات التي يقررها القانون، مع التمييز بين المسؤولية الجنائية وبين الآثار القانونية المتعلقة بالجنسية.

4. الانتماء المذهبي أو القومي: لا يجوز اتخاذ المذهب أو القومية أساسًا لسحب الجنسية، ولا تحويل الانتماء الديني أو المشاركة في الشعائر إلى دليل تلقائي على الخيانة.

5. التعبير السياسي السلمي: لا ينبغي أن يكون تأييد سياسة دولة أجنبية، أو انتقاد الحكومة العراقية، سببًا كافيًا لسحب الجنسية ما لم يقترن بفعل مخالف للقانون تتوافر بشأنه الأدلة اللازمة.

6. حماية الحقوق والإجراءات القضائية: يجب أن تخضع القرارات التي تمس الجنسية للمراجعة القانونية، مع ضمان حق الاعتراض والطعن، ومراعاة الالتزامات المتعلقة بمنع انعدام الجنسية.

07كما أننا أكدنا، ولا نزال نؤكد، أنه لا يجوز، بأي حال من الأحوال، وبغضّ النظر عن الخيانات والجنايات، سحب الجنسية العراقية من العراقيين الأصلاء؛ نعم، يجب معاقبتهم قانونيًا، ولكن لا يجوز سحب جنسيتهم… ؛  فكما أن النور والشمس أمران لا ينفكّان عن بعضهما بعضًا، كذلك الهوية العراقية الوطنية الأصيلة والمواطنون العراقيون الأصلاء… نعم، نؤكد في الوقت نفسه ضرورة منع التجنيس بصورة شاملة، وإلغاء عمليات التجنيس بأثر رجعي، وسحب الجنسية العراقية من المجرمين والخونة الذين يرجعون إلى جذور أجنبية وأصول غريبة غير عراقية.

إن الدولة القوية لا تحتاج إلى التهديد بسحب الجنسية من معارضيها – من العراقيين الاصلاء –  لإثبات سيادتها؛ بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على كشف التزوير، وملاحقة الفساد، ومحاسبة المتعاونين مع الجهات المعادية، وحماية حقوق المواطنين من التعسف.

تاسعًا: نحو مراجعة شاملة للتجنيس وازدواجية الولاء

إن معالجة هذه القضية تتطلب مشروعًا وطنيًّا يتجاوز الشعارات الطائفية والقومية، ويقوم على إجراءات عملية، من بينها:

– مراجعة ملفات التجنيس التي تتوافر بشأنها شبهات موثقة، والتحقق من سلامة الإجراءات القانونية.

– تدقيق سجلات الجنسية والجوازات والأحوال المدنية، ومحاسبة المتورطين في التزوير والفساد.

– التحقيق في أي تعاون غير مشروع مع جهات أجنبية، بصرف النظر عن هوية المتهم أو الجهة التي يؤيدها.

– منع استخدام الجنسية وسحبها  من العراقيين الاصلاء وسيلةً للانتقام السياسي أو التمييز المذهبي.

– تعزيز الشفافية في القرارات الحكومية، وإتاحة المعلومات التي يسمح القانون بنشرها.

– ترسيخ مبدأ المساواة في المساءلة، بحيث لا يحظى حليف سياسي بالحصانة، ولا يُستهدف خصم بسبب هويته.

– التمييز بين الروابط الدينية والثقافية المشروعة، وبين التبعية السياسية أو العملياتية التي تنتهك سيادة العراق.

ولا بد من الإشارة إلى أن المشكلة لا تقع على عاتق الأفراد وحدهم؛ فالأحزاب والحكومات تتحمل مسؤولية كبيرة حين تفتح مؤسسات الدولة أمام المحاصصة، أو تجعل القرار السياسي تابعًا لتفاهمات خارجية، أو تستخدم خطاب الوطنية لتغطية مصالحها الخاصة.

ومن ثم، فإن إصلاح ملف الجنسية يجب أن يكون جزءًا من إصلاح أوسع للدولة العراقية، يعيد الاعتبار للمواطنة، ويمنع التلاعب بالسجلات الرسمية، ويضع حدًّا لاستغلال المؤسسات العامة في الصراعات الإقليمية.

خاتمة: الجنسية العراقية حق تحميه الدولة، وليست سلاحًا في يد الخصوم

إن القضية الحقيقية ليست في عدد الأشخاص الذين يمكن المطالبة بسحب الجنسية منهم، بل في طبيعة الدولة التي نريد بناءها، والمعايير التي تحكم علاقتها بمواطنيها.

فإذا ثبت أن شخصًا حصل على الجنسية العراقية بالتزوير أو الفساد، وجب التحقيق في قضيته… ,  وإذا ثبت أن شخصًا تجسس لمصلحة دولة أجنبية أو تعاون مع تنظيم إرهابي أو شارك في قتل العراقيين، وجب أن يخضع للمساءلة القانونية… ,  ولا ينبغي أن تحميه طائفته أو قوميته أو حزبه أو علاقاته الخارجية.

وفي المقابل، لا يجوز سحب الجنسية من مواطن لمجرد مشاركته في تشييع مرجع ديني إيراني، أو تأييده موقفًا سياسيًّا، أو انتمائه إلى طائفة معينة… ؛  كما لا يجوز التغاضي عن أفعال من يبرر جرائم داعش أو يتعاون مع جهات أجنبية لمجرد أنه ينتمي إلى جماعة سياسية أو مذهبية تحظى بدعم قوى نافذة.

وإذا كانت مفاهيم ، مثل «الفئة الهجينة» و«الخط المنكوس»، تُستخدم لنقد انقلاب الولاء الوطني وتقديم المصالح الخارجية على مصلحة العراق، فإن تطبيقها المنصف يقتضي إخضاع جميع القوى والتيارات للمعيار نفسه، سواء ارتبطت بإيران أو تركيا أو دولة عربية أو غربية.

فالعراق لا يحتاج إلى تعريفات عرقية ومذهبية للمواطن الصالح، بقدر حاجته إلى تعريف قانوني وأخلاقي واضح للمسؤولية الوطنية… ؛  ولا يجوز أن يتحول نقد التبعية إلى تمييز ضد أصول المواطنين، أو أن يصبح الدفاع عن الهوية العراقية مبررًا للانتقاص من حقوق أي مكوّن من مكونات المجتمع.

الجنسية العراقية ليست هبة من حزب، ولا امتيازًا تمنحه طائفة، ولا منحةً من دولة أجنبية؛ إنها رابطة قانونية ووطنية يجب صونها من التزوير والفساد والتلاعب، وحمايتها في الوقت نفسه من التعسف والتمييز والانتقام السياسي.

ومن يريد الدفاع عن العراق حقًّا، فعليه أن يطالب بمحاسبة كل من يعتدي على سيادته، وأن يرفض ازدواجية المعايير، وأن يحمي حق المواطن في الانتماء إلى وطنه وفق القانون. فالدولة التي تحاسب المقرّبين قبل الخصوم، وتساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، هي الأقدر على مواجهة التدخلات الخارجية وصيانة هويتها الوطنية .