
العالم على حافة الاستنزاف المتعدد
الباحثة : كنانة خلف الكردي
هرمز يهدد الطاقة وأوكرانيا تستنزف وفلسطين تشتعل فأين سورية من المشهد
لم تعد التطورات المتسارعة في مضيق هرمز واوكرانيا والضفة الغربية مجرد ازمات منفصلة تدور في جغرافيا متباعدة بل بدأت تتقاطع داخل مشهد دولي واحد تحكمه معادلة جديدة تقوم على الاستنزاف المتبادل وتعدد ساحات الضغط واستخدام الجغرافيا كسلاح سياسي وعسكري واقتصادي
في مضيق هرمز تظهر ايران وهي ترفع سقف خطابها الردعي بصورة تحمل رسائل تتجاوز حدود التصريح العسكري المباشر فالمضيق بالنسبة لطهران ليس ممرا مائيا استراتيجيا فقط بل ورقة قوة تستطيع من خلالها التأثير في امن الطاقة العالمي ورفع كلفة اي مواجهة محتملة معها ان الحديث عن ضرورة الحصول على اذن للعبور يحمل في جوهره محاولة لتثبيت معادلة جديدة تقوم على ان امن الخليج لا يمكن فصله عن الامن الايراني وان اي محاولة لعزل ايران او تطويق نفوذها ستدفعها الى استخدام ادوات الضغط غير المباشر وفي مقدمتها الممرات البحرية والطاقة لكن تحويل مضيق هرمز الى ورقة ضغط دائمة قد يؤدي ايضا الى نتيجة عكسية لان تهديد حرية الملاحة يمنح خصوم ايران مبررا لتوسيع حضورهم العسكري ويجعل امن المضيق قضية دولية تتجاوز الحسابات الايرانية المباشرة
وفي اوروبا الشرقية تستمر الحرب الروسية الاوكرانية في التحول تدريجيا الى حرب استنزاف تكنولوجي مفتوحة حيث اصبحت المسيّرات احدى اهم ادوات المعركة الحديثة واحد ابرز مؤشرات انتقال الحروب من المواجهة التقليدية الى صراع يعتمد على الكلفة والسرعة والقدرة على انتاج السلاح واستخدامه باعداد ضخمة اما استمرار الضربات داخل العمق الاوكراني فيعكس ان الحرب ما زالت بعيدة عن انتاج تسوية سياسية مستقرة وان كل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي من خلال الضغط العسكري قبل اي مسار تفاوضي جدي
وفي الضفة الغربية تظهر صورة اخرى من صور الصراع على الارض حيث تتواصل اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم ومصادر رزقهم بما يعكس محاولة متواصلة لفرض وقائع جديدة في ظل انشغال المجتمع الدولي بجبهات اخرى
ومن المنظور السوري لا يمكن التعامل مع هذه التطورات بوصفها ملفات منفصلة عن امن المشرق العربي فسورية تنظر الى اتساع دائرة التصعيد الاقليمي باعتباره تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة ويزيد من احتمالات انتقال الازمات عبر الحدود وتحولها الى صراع طويل يستنزف الدول والمجتمعات فالموقف السوري في هذا السياق يقوم على رفض تحويل المنطقة الى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والاقليمية وعلى اعتبار ان استمرار الاحتلال والاعتداءات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية والسورية يمثل عاملا اساسيا في انتاج عدم الاستقرار
كما ترى سورية ان امن المنطقة لا يمكن بناؤه عبر ترتيبات عسكرية مؤقتة او عبر فرض موازين قوة جديدة وانما من خلال معالجة جذور الصراع واحترام سيادة الدول وانهاء الاحتلال ومنع استخدام الاراضي العربية كساحات دائمة للمواجهة
ومن هذه الزاوية تبدو سورية معنية مباشرة بكل ما يجري من الخليج الى فلسطين واوكرانيا لان تغير موازين القوى الدولية سينعكس حكما على موقعها الاقليمي وعلى طبيعة التفاهمات المتعلقة بامن المشرق ومستقبل العلاقات بين القوى الكبرى ودول المنطقة
وهنا تكمن اهمية قراءة المشهد من دمشق لا من منظور عسكري ضيق فالمسألة بالنسبة لسورية ليست اختيار محور ضد محور بقدر ما هي محاولة لمنع تحول المنطقة الى مساحة نفوذ مفتوحة للقوى الخارجية على حساب سيادة دولها واستقرار شعوبها
العالم لا يقف امام حرب واحدة بل امام منظومة ازمات متشابكة تتغذى من بعضها بعضا
اي تصعيد كبير في هرمز يمكن ان ينعكس على اسعار الطاقة والاقتصاد العالمي واي تحول نوعي في الحرب الاوكرانية يمكن ان يعيد ترتيب حسابات القوى الكبرى واي انفجار واسع في الضفة الغربية يمكن ان يعيد اشعال ساحات اقليمية اخرى والاخطر من ذلك ان استمرار هذه الازمات يمنح القوى الكبرى فرصة لاعادة توزيع النفوذ في المنطقة بينما تتحمل الدول العربية كلفة الاضطراب الامني والاقتصادي والسياسي لذلك فان الرؤية السورية ترى ان المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول السيطرة على الجغرافيا بل حول منع اعادة رسم المنطقة وفق موازين قوة تفرضها الحروب المفتوحة
العالم يدخل مرحلة جديدة لا تحددها الجبهات وحدها بل تحددها سرعة انتقال الازمات بينها ومن يملك القدرة على التحكم بهذا الانتقال سيكون صاحب التأثير الاكبر في شكل النظام الاقليمي والدولي القادم





