
إكسباير
د. مجيد الكفائي محام وباحث
لكل شيء مدة صلاحية يفسد بعدها حتى عمر الإنسان فإذا تجاوز به العمر حدّاً معيناً قد يصبح عبئاً على نفسه قبل أن يكون عبئاً على الآخرين.
وكذلك الأشياء، والأفكار، والمواقف، وحتى الوعود، مهما بدت براقة في بداياتها، فإنها تفقد قيمتها حين تتجاوز تاريخ صلاحيتها.
وعود الساسة والرؤساء والمسؤولين أليس لها تاريخ انتهاء؟
أليس للكلام المعسول حدٌّ يصبح بعده بلا طعم ولا رائحة ولا أثر؟
كم من وعدٍ أُطلق في موسم انتخابي وكم من مشروع أُعلن أمام الكاميرات وكم من مسؤولٍ أقسم أن القادم أفضل ثم مضت السنوات وبقي المواطن يطارد السراب!
المشكلة أن العراقيين رغم كل ما مرّ بهم من تجارب وخيبات ما زالوا ينتظرون أن تستقر الكهرباء وأن تكتمل الخدمات وأن تتحسن معيشتهم وأن تتحول الثروات الهائلة التي يمتلكها بلدهم إلى حياة كريمة تليق بهم .
ما زالوا ينتظرون صيفاً لا يختنقون فيه من الحر وشتاءً لا تغرق فيه شوارعهم ومدينةً لا يحتاج أبناؤها إلى واسطة للحصول على أبسط حقوقهم .
والمؤلم أن هذه المطالب ليست أحلاماً مستحيلة ولا امتيازات يطلبها المواطن من حكامه إنها حقوق أساسية في دولة تمتلك من الثروات والإمكانات ما يؤهلها لتوفيرها .
ومع ذلك تتكرر الوعود وتتبدل الوجوه وتتغير الشعارات فيما تبقى الأزمات في مكانها وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة وكأن ذاكرة المواطن أقصر من ذاكرة الوعود التي لم تتحقق .
في العراق لا تنتهي صلاحية الوعود بانتهاء المدة المحددة لتنفيذها بل يبدو أنها تُجدَّد تلقائياً مع كل انتخابات مع كل حكومة جديدة وتُعاد تعبئتها في عبوات جديدة وتُطرح في الأسواق السياسية بالشعارات نفسها مع تغيير بسيط في الغلاف.
أما المحتوى فقد يكون منتهي الصلاحية منذ سنوات!
والأغرب أن بعض المسؤولين يتحدثون عن الإنجازات وكأن المواطن يعيش في بلد آخر يعددون المشاريع على الشاشات بينما يبحث المواطن عن ساعة كهرباء إضافية وعن ماء صالح للاستخدام وعن مستشفى يحفظ كرامته ومدرسة لا تهدد سلامة أبنائه .
وبين الخطاب الرسمي والواقع اليومي تتسع فجوة لا تردمها المؤتمرات الصحفية ولا التصريحات المتفائلة .
لكن هل اللوم كله على المسؤولين؟
أم أن جزءاً من المشكلة يكمن في قدرتنا على منح الثقة ذاتها لمن لم يقدموا ما يبررها وفي تحويل الوعود إلى بديل عن المحاسبة؟ فالديمقراطية ليست ورقة انتخابية نضعها في الصندوق ثم نغادر المشهد أربع سنوات وليست تفويضاً مفتوحاً لمن يتولى السلطة.
إنها مسؤولية مستمرة ومراقبة للأداء ومساءلة عن النتائج وتمييز بين من يتحدث عن الإنجاز ومن يقدمه فعلاً .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع ليس انقطاع الكهرباء وحده ولا تراجع الخدمات فحسب بل أن يعتاد المواطن على الحرمان وأن يتحول الحق إلى أمنية والمطالبة إلى رجاء والمحاسبة إلى خصومة والوعود الكاذبة إلى جزء مألوف من الحياة اليومية.
حينها لا تكون المشكلة في فساد الخدمات وحده بل في فساد المعايير التي نقيس بها أداء المسؤولين وفي تآكل ثقتنا بإمكانية التغيير.
لقد آن الأوان لأن نضع تاريخ انتهاء واضحاً للوعود التي لا تتحول إلى أفعال وأن نطالب كل مسؤول ببرنامج محدد وسقف زمني معلن ونتائج قابلة للقياس.
فلا يكفي أن يقول لنا المسؤول: سنوفر الكهرباء بل عليه أن يحدد متى وكيف وبأي كلفة.
ولا يكفي أن يعدنا بتحسين الخدمات بل ينبغي أن يقدم حساباً عمّا أنجزه وما أخفق فيه وأن يتحمل مسؤولية إخفاقه.
فالبلدان لا تنهض بكثرة التصريحات ولا تُبنى بالأمنيات ولا تُقاس نجاحاتها بعدد المؤتمرات والافتتاحات بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية.
إكسباير… كلمة تضعها الشركات على علب الطعام والأدوية حين تنتهي صلاحيتها فمتى نضعها على الوعود السياسية التي استهلكت أعمارنا ولم تحقق أحلامنا؟
إن للوعود تاريخ صلاحية وللصبر حدوداً وللثقة ثمناً.
أما الوطن فلا يجوز أن يبقى رهينة وعودٍ منتهية الصلاحية تتجدد على الورق بينما يظل المواطن يدفع ثمنها من عمره وكرامته وأحلام أبنائه.
فهل آن الأوان لأن تنتهي صلاحية الوعود وتبدأ صلاحية الأفعال؟



