أكتوبر 18, 2026
Oplus_16908288

Oplus_16908288

خالد الغريباوي

لم يعد الصراع الأمريكي الإيراني مواجهةً محدودة، بل أصبح اختباراً لموازين القوة الإقليمية، وسط مخاطر انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب متعددة الجبهات تتجاوز الحسابات التقليدية للردع.

وتقف إسرائيل في قلب التصعيد، بينما يتعمق الانقسام السياسي والمجتمعي داخلها بشأن القيادة وكلفة الحرب وأهدافها، في ظل صراع بين الحكومة ومعارضيها حول مستقبل الأمن والاستقرار.

وفي هذا المشهد، يواصل بنيامين نتنياهو الدفع نحو تشديد المواجهة مع إيران؛ ويرى منتقدوه أن التصعيد قد يتقاطع مع حساباته السياسية الداخلية، لكن دوافعه لا يمكن اختزالها في تفسير واحد أو الجزم بها دون أدلة.

في المقابل، تمتلك إيران أدوات قوة تتجاوز قدراتها الصاروخية، تشمل شبكة حلفاء إقليميين وقدرة على إدارة التصعيد وتوظيف الغموض الاستراتيجي، بما يرفع كلفة أي محاولة لفرض حسم عسكري سريع.

ويظل الملف النووي عنصراً محورياً؛ إذ قُدّر مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60% قبل ضربات عام 2025. ولا يعني ذلك امتلاك سلاح نووي جاهز، كما أن حالة المخزون ومواقع وجوده تحتاج إلى تحقق مستقل. لكن استمرار الغموض بشأنه يطرح تساؤلات عن قدرة طهران على إعادة بناء قدراتها، وعن حدود المعلومات المتاحة للخصوم.

قد تكمن المفاجأة الإيرانية في توقيت الرد وتعدد أدواته، لا في سلاح مجهول بالضرورة فالجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والضغط البحري والقدرات التقنية قد يربك حسابات الخصم ويطيل أمد المواجهة.

أما الحوثيون، فيمثلون ورقة ضغط استراتيجية قادرة على نقل تداعيات الصراع إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث تتقاطع المصالح العسكرية مع شرايين التجارة والطاقة العالمية.

إن توسيع الهجمات البحرية قد يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويدفع السفن إلى تغيير مساراتها، بما يضغط على حركة قناة السويس وسلاسل الإمداد، ويجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على توزيع مواردهم بين جبهات متعددة.

وتواجه السعودية ودول الخليج مخاطر متزامنة تتعلق بأمن المنشآت النفطية والموانئ ومحطات تحلية المياه، بينما يظل العراق معرضاً لضغوط أمنية وسياسية واقتصادية قد تهدد سيادته واستقراره.

استراتيجياً، تتشكل خطورة المشهد من تفاعل ثلاثة عوامل: الانقسام الداخلي الإسرائيلي، والقدرة الإيرانية على إطالة أمد المواجهة، واحتمال اتساع الدور الحوثي في الممرات البحرية. وتزامن هذه العوامل قد يحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة إقليمية ودولية مفتوحة.

والخلاصة أن القوة لا تُقاس بحجم الضربات وحده، بل بقدرة الدول على حماية جبهاتها الداخلية واقتصاداتها وممراتها الحيوية. فإذا انهار الردع وتعددت ساحات الاستنزاف، فقد تجد جميع الأطراف نفسها أمام حرب تتجاوز أهدافها المعلنة وتتعذر السيطرة على نتائجها؛ وعندها لن تكون الكلفة محصورة بإيران وإسرائيل، بل ستمتد إلى أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.