أكتوبر 23, 2026
IMG_٢٠٢٦١٠٢٣_٠٦٣٩١٤

خَمْسُ سَنَوَاتٍ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، بِلَا ذَنْبٍ! أَنِينُ الْمُوَظَّفِ الْمُحَالِ عَلَى التَّقَاعُدِ
✍️ محمد فخري المولى
بغداد تشرين الأول ٢٠٢٦

الوظيفة العامة سنواتٌ تمرّ بين ملفاتٍ وكتبٍ رسمية ومهام ومسؤوليات
حتى يصل الموظف إلى عامه الأخير قبل التقاعد في الوظيفة الذي يجب
ألا يكون عام انتظار بل عام إنجاز للحقوق لأن أفضل خاتمة للخدمة
هي أن يغادر الموظف وظيفته مطمئنا
إلى أن ما له قد أُنجز وما عليه قد أُغلق
وأن سنوات خدمته لم تذهب سدى في
المحطة الأخيرة

لكن… وما أدراك ما لكن
كيف يصنع العام الأخير فارق في حياة الموظفين؟
العام الأخير في الخدمة المدنية ليس مجرد اثني عشر شهراً تُضاف إلى السجل المالي والاداري للموظف
بل هو العتبة الفاصلة التي تختزل عقوداً من العطاء والالتزام
في عرف الإدارة تُمثّل السنة الأخيرة النقطة التراكمية الأعلى التي تضاف لعامين قبلها لتُبنى عليها المعادلة التقاعدية بأكملهاواللحظة الإنسانية
التي يتشكل فيها انطباع الموظف عن مدى تقدير المؤسسة لسنوات عمره التي أمضاها بين أروقتها.

من خاتمة عادلة إلى دهليز الانتظار
الموظف في عامه الأخير لا يطلب امتيازاً ولا معاملة خاصة لأنه على وشك التقاعد كل ما يطلبه أن تستكمل معاملته كما ينص القانون
أن تمنح له علاوة استحقها وترفيع استوفى شروطه وحين تتأخر هذه الاستحقاقات يتحول العام الأخير من محطة تكريم إلى سلسلة مراجعات وكتب رسمية وانتظار ثقيل
يرهق من أفنى عمره في الخدمة.

حكاية الخمس سنوات.. أين ذهبت؟
هنا بيت القصيد، وهنا تتجمع الخسارة
الشطر الأول من المشكلة بدأ مع التعديل التشريعي رقم ٢٦ لسنة ٢٠١٩ الذي خفض سن الإحالة على التقاعد من ٦٣ إلى ٦٠ عاما
لسنا بصدد مناقشة القرار التشريعي نفسه، بل بصدد آثاره التي لم تعالج بالكامل خصوصاً في الراتب الاسمي وانعكاسه المباشر على الراتب التقاعدي
ثلاث سنوات اقتطعت من العمر الوظيفي دون معالجة شاملة لتبعاتها.
الشطر الثاني جاء مع سنوات تجميد وتأخير العلاوات والترفيعات
تحت عنوان ترشيد الإنفاق وظروف الدولة وشح الموارد
بالحساب البسيط، يجد الموظف نفسه اليوم أمام فجوة تقترب من خمس سنوات من الآثار الوظيفية والمالية غير المحتسبة، سنوات خدمت فيها الدولة فعلاً، لكنها لم تحتسب له فعلا
هل نسميها لا مبالاة إدارية
أم قصور وتقصير بالرؤية
أم هناك من يعتقد ان المتقاعد مكتفي
أم سنوات ضاعت بلا ذنب.

علاوة اليوم.. هي تقاعد الغد
قد يراها البعض مجرد رقم في جدول الرواتب لكنها للموظف المحال على التقاعد مصير
الفرق أن تأخير العلاوة والترفيع لموظف في بداية خدمته يمكن تعويضه لان المعالجات قد تاني يوما
أما تأخيره لمن هو على أبواب التقاعد فأثره مضاعف وممتد
فهو لا يخسر زيادة شهرية عابرة
بل يخسر أثرها الدائم في احتساب حقوقه التقاعدية وفق القواعد النافذة
هنا يتحول الإجراء الإداري المؤقت إلى أثر دائم يلازمه بعد الوظيفة.

بين حماية المال العام وإلانصاف
لا أحد يزايد على ضرورة حماية المال العام وضبط الإنفاق، ولا أحد ينكر الضغوط المالية التي تواجهها الدولة
لكن ضبط الإنفاق لا يعني المساواة بين الحالات جميعها
الموظف الذي أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً ووصل إلى عامه الأخير حالة خاصة بطبيعتها وإنصافه لا يفتح باباً للهدر بل يغلق باباً للظلم
العدالة الوظيفية تقتضي أن تكون الدولة قادرة على التمييز وأن تصمم استثناءً منضبطاً لا استثناءً مفتوحا.

مقترح قابل للتنفيذ
المعالجة لا تحتاج تشريعاً جديداً بقدر ما تحتاج قراراً تنظيمياً واضحاً من مجلس الوزراء ووزارة المالية والجهات المعنية، يقوم على أسس دقيقة:
• حصر الاستفادة: فقط بمن استوفى فعلياً شروط العلاوة أو الترفيع وفق الضوابط القانونية.
• المراجعة المبكرة: تدقيق الملف الوظيفي قبل ٦ أشهر على الأقل من موعد الإحالة على التقاعد.
• التدقيق الشامل: حصر سنوات الخدمة والاستحقاقات الإدارية والمالية غير المحسومة.
• المعالجة القانونية: تسوية ما تأخر لأسباب إدارية أو مالية ضمن السياقات القانونية النافذة.
• الضابط التنظيمي: اعتماد سنة التقاعد الأخيرة معياراً إجرائياً واضحاً،
لا باباً للاجتهادات الفردية.
بهذه المعادلة نحمي الخزينة من الأعباء غير المبررة ونحمي الموظف من ضياع حق مكتسب.

لماذا يجب أن نهتم بالعام الأخير؟
لأن المسألة ليست حسابية فقط، بل معنوية وأخلاقية.
الموظف الذي يغادر بعد عقود يحتاج أن يشعر أن مؤسسته لم تعامله كرقم في جدول بل كإنسان أدى الأمانة وبجب إنصافه في خاتمة الخدمة برسالة طمأنة لكل من لا يزال في الخدمة
وخصوصاً الشباب أن ما تقدمه اليوم لن يضيع غداً
خروج الموظف مجبور الخاطر يحفظ كرامته المهنية ويمنح مسيرته خاتمة تليق بها
إن الانتقال إلى التقاعد يجب ألا يكون انقطاعاً مفاجئاً بل انتقالاً منظماً تراجع فيه الملفات وتغلق فيه المعاملات.
آن الأوان أن نحول العام الأخير من سنة انتظار إلى سنة استحقاق
سنة تراجع فيها الخدمة، وتدقق فيها الحقوق وتنجز فيها المعاملات قبل أن يغادر الموظف موقعه.
فالتقاعد ليس نهاية خدمة فحسب
بل هو الاختبار الأخير لعدالة المؤسسة مع أبنائها وحين تنجح الدولة في ختم مسيرة موظفها بإنصاف واحترام
فإنها لا تنصف فرداً واحداً بل ترسخ ثقافة أن للخدمة العامة بداية ومسيرة ونهاية تليق بمن أفنى عمره فيها.

الختام
إن إطلاق الاستحقاقات المستوفاة قانوناً في العام الأخير بضوابط واضحة ومحكمة هو إنصاف لفئة تستحق وتخفيف عادل لآثار خفض سن التقاعد وتأخر العلاوات الترفيعات
الموظف لا يطلب أكثر من حقه، والدولة لا تخسر حين تنصف أبناءها.
فالعام الأخير ليس هامشاً بل هو الصفحة الأخيرة في سجل طويل من العطاء ومن حق كل موظف أن تكون خاتمة إنصاف لا بداية انتظار جديد.

تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
مجموعة
#العراق_بين_جيلين ١
https://chat.whatsapp.com/DvjwsbOy8Lr5kU84dPidAt?s=cl&p=a&ilr=4

#العراق_بين_جيلين ٢
https://chat.whatsapp.com/HyhpIgkknjjGl8ZW4xDuZi?s=cl&p=a&ilr=4.