
ضياء المهندس
في العراق، كما يبدو، توجد مدرسة خاصة في صناعة المواطنين، تخرّج لنا كل يوم نوعين متميزين:
المواطن البسيط… والمواطن العبيط!
أما المواطن البسيط، فهو إنسان مسالم جداً.
موظف أو أستاذ جامعي أو طبيب أو مهندس أو تاجر، يستيقظ صباحاً، يذهب إلى عمله، يعود إلى البيت، يتناول الغداء، يفتح التلفزيون، ثم يغوص في الفيسبوك والواتساب.
وإذا سألته:
ـ شنو رأيك بالوضع السياسي؟
يجيبك بسرعة:
ـ والله ما أدري… آني مالي علاقة بالسياسة!
لكن إذا سألته عن ريال مدريد وبرشلونة، يتحول فجأة إلى محلل استراتيجي دولي، يعرف التشكيلة، والإصابات، والخطة التكتيكية، ومن يستحق أن يلعب ومن يستحق أن يجلس على دكة الاحتياط!
أما أسعار البنزين، والكهرباء، والسكن، والتعليم، والضرائب، والرواتب، والموازنة، والديون…
فهذه كلها «أمور سياسية» لا علاقة له بها!
ثم يأتي النوع الثاني…
المواطن العبيط.
وهذا مواطن مختلف قليلاً.
قد يكون كاسباً، سائقاً، صاحب محل، عاملاً أو صاحب مهنة حرة، ويعيش يومه بيومه، ولا يعرف كيف سيؤمّن مصروف الأسبوع المقبل.
السكن مشكلة…
البنزين مشكلة…
الأسعار مشكلة…
التعليم مشكلة…
الخدمات مشكلة…
لكن عندما يرى السياسي الذي يحكم المشهد، تلمع عيناه ويقول:
«هذا الزعيم تاج الراس!»
تقول له:
ـ لكن هذا السياسي جزء من المنظومة اللي تشتكي منها؟
يجيبك:
ـ إي… لكن هذا غير!، لأن جماعتنا غير!
وهنا تنتهي كل علوم الاقتصاد والسياسة والإدارة، وتبدأ فيزياء «جماعتنا وجماعتكم».
إذا ارتفع سعر البنزين:
مؤامرة.
إذا غلت المواد الغذائية:
مؤامرة.
إذا لم يجد وظيفة ابنه:
مؤامرة.
إذا لم يجد بيتاً:
مؤامرة.
لكن إذا جاء السياسي ووضع صورته على لافتة ضخمة بحجم بناية:
«الله يحفظه… هذا أبو الخدمات!»
المواطن يشكو من الفقر، لكنه يملك هاتفاً ذكياً.
ويستخدم الهاتف الذكي لكي يدافع عن قرارات جعلته أفقر!
وهنا نصل إلى المفارقة العراقية الكبرى:
المواطن البسيط لا يريد أن يتدخل في السياسة، والمواطن العبيط يريد أن يتدخل فيها نيابةً عن السياسي!
الأول يقول:
«خلّيهم يحكمون… آني أريد أعيش.»
والثاني يقول:
«خلّيهم يحكمون… آني أدافع عنهم لانهم من ملتنا.»
والسياسي يجلس مرتاحاً بين الاثنين!
واحد لا يسأله،
والآخر يسأله ثم يبرر له الجواب قبل أن يسمعه!
والأغرب أن الاثنين يعانيان من المشكلة نفسها.
الأول يقول:
«ما عندي وقت للسياسة.»
والثاني يقول:
«ما عندي وقت أفكر… جماعتنا يفكرون عنّا!»
وهكذا تصبح السياسة في العراق مثل مباراة كرة القدم:
إذا فاز فريقنا، فكل شيء عظيم.
وإذا خسر، فالحكم والمؤامرة والملعب والطقس وحتى الكرة مسؤولون!
لكن عندما تخسر الدولة، ويدفع المواطن الثمن، لا أحد يريد أن يعرف من كان الحكم؟ ومن وضع الخطة؟ ومن سجّل الهدف في مرمى المواطن؟
المشكلة ليست في أن تشجع ريال مدريد أو برشلونة.
المشكلة أن تعرف أسماء جميع اللاعبين، ولا تعرف اسم المسؤول عن ملف يمس حياتك مباشرة.
المشكلة ليست أن تشاهد المسلسلات.
المشكلة أن تتحول حياتك كلها إلى مسلسل، وأنت تتابع الأحداث ولا تستطيع تغيير النهاية.
والمشكلة ليست أن تحب سياسياً.
فمن حقك أن تحب من تشاء.
لكن عندما يصبح حب السياسي أقوى من حب الحقيقة، وعندما تدافع عن المسؤول حتى وهو يفشل، فأنت لا تحميه فقط…
أنت تحمي الخطأ من التصحيح!
لذلك، ربما حان الوقت لكي نتخلص من المدرستين:
لا نريد مواطناً يقول:
«ما لي علاقة.»
ولا نريد مواطناً يقول:
«كل ما يفعله زعيمنا صحيح.»
نريد مواطناً من نوع ثالث:
يسأل، ويفهم، ويراقب، وينتقد، ويحاسب، ويختلف دون أن يتحول إلى عدو، ويؤيد دون أن يتحول إلى تابع.
فالوطن ليس ريال مدريد ولا برشلونة…
والوطن أيضاً ليس زعيمنا وزعيمكم.
الوطن هو المكان الذي ندفع جميعاً ثمن أخطائه إذا سكتنا، ونستفيد جميعاً من إصلاحه إذا وعينا.
والسؤال الذي يجب أن يخرج من رأس المواطن العراقي اليوم ليس: «هذا السياسي من جماعتنا؟»
بل:
«ماذا فعل للعراق… وماذا فعل لي؟»
فربما يكون هذا السؤال البسيط هو أول خطوة للخروج من زمن المواطن البسيط والمواطن العبيط!
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي