
رياض سعد
ليس من السهل تبرير تقديم ملايين الدولارات من أموال الدولة العراقية إلى دول أو منظمات أو شخصيات خارجية، في بلد ما زال مواطنوه يعانون الفقر وتردي الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، وتتعثر فيه مشاريع الإعمار والتنمية، وتحتاج مؤسساته إلى مليارات الدنانير لإصلاح ما دمرته الحروب والإرهاب والفساد وسوء الإدارة.
ونحن هنا لسنا بصدد نقد حكومة السيد علي الزيدي وحدها؛ فهذه القضية تتجاوز الحكومة الحالية، وتمثّل ظاهرةً سياسيةً قديمةً في العراق، تتجدد بصور وأساليب مختلفة مع تعاقب الحكومات والقيادات.
وقد يقول بعضهم إن لا موجب لهذه المقالة، ما دام المبلغ المتبرَّع به من الأموال الشخصية للزيدي، وليس من المال العام، ومن ثم لا وجه للاعتراض عليه أو مساءلته بشأنه… ؛ وهنا نودّ أن نبيّن أن حصر المسألة في مصدر المال لا ينهي النقاش، ولا يلغي البعد الوطني والاجتماعي للقضية؛ فالزيدي، بوصفه مواطنًا عراقيًا وشخصيةً تتولى مسؤولية عامة، ينتمي إلى وطن يعاني فيه كثير من أبنائه الفقرَ والعوزَ والحرمان، ويواجهون نقصًا في الخدمات الأساسية، وتردّيًا في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والبنية التحتية.
ومن هذا المنطلق، فإن أبناء وطنه وجلدته، من الفقراء والمحتاجين، أولى بمثل هذه المبادرات الإنسانية، ولا سيما في ظل ما يواجهونه من أزمات معيشية وخدمية… ؛ وليس المقصود مصادرة حقه في التصرّف بأمواله الخاصة، أو الاعتراض على مساعدة المحتاجين خارج العراق، وإنما إثارة سؤال الأولويات والمسؤولية الوطنية، ومدى انسجام المبادرات ذات الطابع الإنساني والسياسي مع حاجات المجتمع الذي ينتمي إليه صاحب المبادرة.
وعليه، فإن الاحتجاج بأن المال شخصي لا يكفي وحده لإغلاق باب النقاش؛ فالقضية لا تتعلق بالملكية المالية فحسب، بل بما تعكسه هذه الممارسات من تصوّر للأولويات، وبما قد تكرّسه من نمط سياسي يجعل المبادرات الموجّهة إلى الخارج تحظى بالاهتمام والظهور، في حين تظلّ معاناة قطاعات واسعة من المواطنين في الداخل بحاجة إلى معالجة جادة ومستدامة… ؛ وهكذا لا نكون أمام واقعة منفردة بقدر ما نكون أمام مظهر من مظاهر ظاهرة سياسية تستحق النقاش والمساءلة المجتمعية.
فعشرة ملايين دولار، على سبيل المثال، تعادل وفق سعر الصرف البالغ 1,660 ديناراً للدولار الواحد، نحو 16 ملياراً و600 مليون دينار عراقي… , وهذا مبلغ ليس بالقليل في بلد يحتاج فيه المواطن إلى كل دينار لتأمين احتياجاته الأساسية، بينما تحتاج المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات الماء والكهرباء إلى أموال طائلة لإعادة تأهيلها.
نعم، بهذا المبلغ نستطيع بناء ست عشرة مدرسة في هذه المحافظة، التي لا يزال تلاميذ بعض مدارسها يجلسون على الأرض أحيانًا، بسبب انعدام المقاعد أو اكتظاظ الصفوف التي قد تضمّ مئة طالب في بعض الأحيان؛ أو في تلك المدينة أو القرية التي لا تزال مدارسها طينية، وكأنها لم تطلها يد التطوير منذ عقود!؟
وهنا يبرز سؤال اقتصادي وسياسي وأخلاقي مشروع: بأي منطق تنفق الحكومات العراقية أموالاً على شكل منح وهبات ومساعدات خارجية، في الوقت الذي لا تزال فيه عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة لشريحة واسعة من مواطنيها؟
أولاً: المال العام ليس ملكاً للحكومات
إن الأموال التي تقدمها الحكومات العراقية إلى الخارج ليست أموالاً شخصية لرئيس حكومة أو وزير أو مسؤول، وليست منحة خاصة يستطيع الحاكم التصرف بها وفق مزاجه السياسي أو حساباته الدبلوماسية او القومية او الطائفية ، بل هي أموال عامة تعود ملكيتها إلى الشعب العراقي، وتُستمد من ثرواته وموارده وإيراداته.
ومن ثم، فإن التصرف بهذه الأموال يجب أن يخضع لمعايير واضحة، في مقدمتها المصلحة الوطنية، والجدوى الاقتصادية، والشفافية، والرقابة والمساءلة.
فالحكومة ليست مالكة للثروة الوطنية، وإنما هي جهة مؤتمنة على إدارتها، ومن واجبها أن تضع الأولويات العراقية في مقدمة حساباتها، لا أن تتعامل مع الخزينة العامة وكأنها صندوق مفتوح لتوزيع الهبات والمجاملات السياسية والدبلوماسية.
ثانياً: هل نفدت وسائل التعاون الاقتصادي ولم يبقَ سوى التبرع؟
إن العلاقات الدولية لا تُبنى بالضرورة على تقديم الأموال والهبات، ولا يُشترط لإقامة علاقات جيدة مع الدول الأخرى أن يدفع العراق من ثرواته مقابل التقارب معها أو استرضاء حكوماتها.
ألا تستطيع الحكومة العراقية عقد اتفاقيات اقتصادية وتجارية متوازنة تحقق مصالح مشتركة للطرفين؟
ألا يمكن التفاوض على تسهيلات كمركية متبادلة، بحيث تُمنح البضائع العراقية امتيازات في أسواق الدول الأخرى، مقابل امتيازات مماثلة لبضائعها في السوق العراقية؟
ألا تستطيع الحكومة توسيع التعاون في مجالات الاستثمار والصناعة والزراعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا، وتبادل الخبرات، وفتح الأسواق، وتسهيل حركة رؤوس الأموال، بدلاً من اللجوء إلى سياسة المنح والتبرعات؟
إن الدبلوماسية الاقتصادية الحقيقية لا تقوم على توزيع الأموال، بل على تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية متبادلة، وعلى تحقيق مكاسب ملموسة للدولة والمجتمع.
فليس من الحكمة أن يقدم العراق امتيازات مالية مجانية، بينما يستطيع الحصول على امتيازات تجارية واستثمارية من خلال التفاوض والاتفاقيات المتوازنة.
ثالثاً: المواطن العراقي أولى بثروات بلده
لقد دفع العراقيون أثماناً باهظة نتيجة الحروب والصراعات والحصار والإرهاب والفساد، وتعرضت قطاعات واسعة من البنية التحتية ومرافق الحياة إلى التدمير والتخريب والإهمال.
وما زال المواطن يواجه أزمات السكن والبطالة والفقر وارتفاع الأسعار، ويعاني من تراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وانعدام فرص العمل الكافية، وتردي شبكات الكهرباء والماء، فضلاً عن أعباء المعيشة التي تزداد ثقلاً يوماً بعد آخر.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح تقديم الهبات المالية إلى الخارج قضية تستوجب النقاش والمساءلة، لا سيما عندما لا تكون هناك دراسة معلنة توضح أسباب المنحة، والجهة المستفيدة منها، والعائد الذي سيعود على العراق، والضرورة التي تبرر تقديمها.
فإذا كان العراق يحتاج إلى الأموال لبناء مستشفياته ومدارسه، وإعمار مدنه، وتوفير فرص العمل لشبابه، وتحسين مستوى معيشة مواطنيه، فما المبرر الاقتصادي أو الوطني لتقديم تلك الأموال مجاناً إلى الخارج؟
إن الأولوية ليست في أن يبدو العراق سخياً أمام الآخرين، وإنما في أن يكون عادلاً مع أبنائه.
رابعاً: بين الدبلوماسية والتبعية وإهدار المصالح الوطنية
لا يعني هذا الموقف رفض المساعدات الإنسانية أو التعاون الدولي أو الوقوف إلى جانب الشعوب المنكوبة، فالتضامن الإنساني قيمة نبيلة، والمساعدات الخارجية قد تكون أداة مهمة لتعزيز مكانة العراق وعلاقاته الدولية.
لكن ثمة فرقاً كبيراً بين المساعدة الإنسانية المدروسة والمحدودة ، وبين التبرعات التي تُقدم بلا معايير اقتصادية واضحة، أو التي تتحول إلى وسيلة لاسترضاء أطراف خارجية، أو شراء مواقف سياسية، أو تعزيز علاقات غير متكافئة.
وهنا تبرز أسئلة لا يجوز تجاهلها: هل تنطلق هذه الهبات من استراتيجية وطنية مدروسة، أم من حسابات سياسية وشخصية؟ وهل تحقق مصالح متبادلة، أم تكرس علاقة غير متوازنة بين العراق والجهات المستفيدة؟ وهل تخضع لرقابة المؤسسات الدستورية والمالية، أم تُتخذ قراراتها بعيداً عن الشفافية والمساءلة؟
إن استمرار هذا النهج المنكوس ، إذا كان قائماً على المجاملة السياسية والتنازل عن المصالح الوطنية، قد يقترب من التبعية والانبطاح السياسي، أما إذا غابت عنه دراسات الجدوى والحسابات الاقتصادية، فإنه يمثل خللاً فادحاً في إدارة المال العام.
ولا يمكن تبرير أي قرار مالي لمجرد أن الحكومة اتخذته، فالمعيار الحقيقي هو ما يحققه للعراق والعراقيين.
خامساً: من يحكم أولويات السياسة العراقية؟
لقد ظن كثير من العراقيين أن مرحلة الهبات والعطايا السياسية، التي ارتبطت بأنماط الحكم الهجينة والطائفية البائدة ، قد انتهت بسقوط النظام عام 2003، وأن الحكومات الجديدة ستؤسس لعهد مختلف، تكون فيه الثروة الوطنية موجهة نحو التنمية والإعمار وتحسين حياة المواطنين.
لكن استمرار بعض الممارسات التي تضع الاعتبارات الخارجية فوق الأولويات الداخلية يثير تساؤلات بشأن طبيعة التحولات التي شهدتها الدولة العراقية، ومدى استقلال قرارها السياسي والاقتصادي.
وهنا تستحضر الذاكرة السياسية صورة المخرج البريطاني والأمريكي الذي ظل يتحكم بمشاهد الفيلم العراقي، بينما تتغير الوجوه والأدوار والأسماء، ويبقى المواطن العراقي هو المتفرج الذي يدفع ثمن الإنتاج، من ماله وحقوقه ومستقبله.
وربما لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمن يمنح الأموال، بل بمن يحدد اتجاهات الإنفاق، ومن يرسم أولويات الدولة، ولمن تُدار ثرواتها، ومن يملك حق مساءلة أصحاب القرار عن أوجه التصرف بها.
خاتمة: أموال العراق لبناء العراق أولاً
إننا لا ندعو إلى عزل العراق عن محيطه الدولي، ولا إلى قطع علاقاته بالدول والمنظمات والشعوب، ولا إلى التخلي عن دوره الإنساني والدبلوماسي، وإنما ندعو إلى إقامة علاقات متوازنة تحفظ كرامة الدولة ومصالحها، وتمنع تحويل المال العام إلى أداة للمجاملات السياسية.
فالعراق ليس دولة فقيرة بالموارد حتى يتعين عليها أن تستجدي العلاقات مع الآخرين، وليس صندوقاً خيرياً دولياً تتسابق الحكومات على توزيع أمواله، بينما يعجز أبناؤه عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.
إن كل دينار يُنفق خارج العراق يجب أن تكون له ضرورة ومبررات وعائد وطني واضح، وأن يخضع للرقابة والمحاسبة، وأن يأتي بعد تأمين الأولويات الداخلية، لا على حسابها.
فهل يعقل أن تتسابق الحكومات العراقية على تقديم الهبات والمساعدات إلى الخارج، بينما لا يزال العراقي يبحث عن بيت يؤويه، ومستشفى يعالجه، ومدرسة تليق بأطفاله، وفرصة عمل تحفظ كرامته؟!
إن كرم الحكومات لا يُقاس بما تمنحه للآخرين من أموال الشعب، بل بما توفره لشعبها من أمن وكرامة ورفاه وحقوق.
فالعراقيون أولى بثروات العراق، والعراق أولى بأمواله، والسيادة لا تُقاس بكثرة ما نقدمه للآخرين، وإنما بقدرتنا على حماية مصالحنا الوطنية وصيانة ثرواتنا من الهدر والتبديد.
فكفى أن يكون العراق كريماً مع الخارج، وقاسياً على أبنائه!





