نوفمبر 2, 2026
1000147365

بقلم: د. مصطفى كامل الشنجار
دكتوراه في الفقه الإسلامي
تُعدّ العلاقة بين العقيدة والوطن من أكثر القضايا التي تستحق التأمل والنقاش في واقعنا المعاصر، ولا سيما عندما يجد الإنسان نفسه أمام سؤال مصيري: هل تكون الأولوية للوطن أم للعقيدة إذا تعارضت المصالح، وأصبح الانتماء إلى الأرض سبباً في تهديد الإيمان أو التضييق على حرية الاعتقاد؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رؤية شرعية متوازنة، تضع كل قيمة في موضعها الصحيح، بعيداً عن المبالغة في تقديس الانتماء الوطني، أو التقليل من أهمية الوطن ومكانته في حياة الإنسان.
فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية يعيش فيها الإنسان، بل هو ذاكرة ووجدان وهوية اجتماعية وتاريخية، وفيه الأهل والأحبة والمصالح المشتركة. أما العقيدة فهي الأساس الذي تقوم عليه هوية الإنسان الإيمانية، ومنها يستمد منظومته الأخلاقية وموقفه من الحياة والوجود.
ومن هنا أرى أن العقيدة تمثل المرتبة العليا في ميزان القيم الإسلامية، وأن الوطن، على عظيم مكانته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدين، ولا يجوز أن يتحول الانتماء إليه إلى مبرر للتنازل عن الثوابت الإيمانية.
العقيدة أولاً.. ولكن هل يعني ذلك التخلي عن الوطن؟
إن تقديم العقيدة على الوطن لا يعني الدعوة إلى كراهية الأوطان أو التخلي عنها، فالإسلام لا ينظر إلى حب الأرض باعتباره أمراً مذموماً، بل إن سيرة النبي محمد ﷺ تقدم أبلغ مثال على عمق ارتباط الإنسان بأرضه.
فقد أحب الرسول ﷺ مكة حباً عظيماً، وعندما اضطر إلى مغادرتها بسبب الاضطهاد الذي تعرض له المسلمون، عبّر عن مكانتها في قلبه، وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت».
وهنا تظهر دلالة مهمة: يمكن للإنسان أن يحب وطنه حباً صادقاً، ولكنه لا يجعل هذا الحب سبباً للتنازل عن عقيدته أو قبول الاضطهاد بسببها.
فالمغادرة عند الضرورة لا تعني سقوط الانتماء، كما أن المحافظة على العقيدة لا تعني العداء للوطن.
القرآن الكريم يرسم حدود العلاقة بين العقيدة والوطن
عندما نتأمل النصوص القرآنية نجد أن القرآن وضع العقيدة في مرتبة متقدمة على المصالح الدنيوية، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97].
تضع هذه الآية أمام الإنسان حقيقة مهمة، وهي أن البقاء في أرض معينة لا ينبغي أن يكون على حساب القدرة على المحافظة على الدين، متى توفرت القدرة على الهجرة وانتفت الأعذار الشرعية المعتبرة.
كما يقول الله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: 24].
وتكشف الآية أن محبة الأهل والمساكن والأموال أمر فطري ومشروع، لكنها لا يجوز أن تتقدم على محبة الله ورسوله والالتزام بأمره.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الآية لا تدعو إلى ترك الأوطان لمجرد الاختلاف أو المشكلات السياسية، وإنما تؤكد أن محبة المصالح الدنيوية لا يجوز أن تتحول إلى سبب للتفريط في الدين.
الأنبياء قدّموا رسالة التوحيد على البقاء في الأرض
إن التاريخ النبوي يقدم شواهد واضحة على أولوية العقيدة عند تعارضها مع البقاء في المكان.
فإبراهيم عليه السلام عندما واجه قومه بسبب دعوته إلى التوحيد، أعلن موقفه بقوله تعالى:
﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26].
لقد كان الانتقال في هذه الحالة موقفاً من مواقف الثبات على العقيدة، وليس مجرد انتقال جغرافي من أرض إلى أخرى.
وكذلك هجرة النبي محمد ﷺ من مكة إلى المدينة، فقد غادر الأرض التي نشأ فيها وأحبها، حفاظاً على الرسالة وتمكيناً للدعوة الإسلامية.
وهذه المواقف التاريخية تؤكد أن الأرض ليست أعلى من الرسالة، وأن الانتماء الحقيقي لا يمكن أن يُقاس بالبقاء الجغرافي وحده، وإنما يُقاس أيضاً بالثبات على المبادئ والقيم.
ملاحظات ضرورية: ليس كل خلاف مع الوطن تهديداً للعقيدة
وهنا أود التأكيد على ملاحظة أراها أساسية في فهم هذه القضية، وهي ضرورة التمييز بين الوطن الذي توجد فيه مشكلات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، والوطن الذي يمارس اضطهاداً دينياً حقيقياً يمنع الإنسان من إقامة شعائره أو يجبره على التخلي عن عقيدته.
فليس كل ظلم إداري أو اختلاف سياسي أو خلاف اجتماعي مبرراً للهجرة، وليس كل تقصير في إدارة الدولة دليلاً على أن الوطن أصبح عدواً للعقيدة.
كما أن الدفاع عن العقيدة لا يمنح أي فرد أو جماعة الحق في الاعتداء على الآخرين أو إثارة الفتن أو تكفير المجتمعات.
فالإسلام الذي يقدم العقيدة على المصالح الدنيوية هو نفسه الإسلام الذي يأمر بالعدل والرحمة وصيانة الحقوق، قال تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
ومن هنا فإن حماية العقيدة ينبغي أن تكون وفق أحكام الشريعة ومقاصدها، لا وفق الانفعالات أو المصالح الضيقة.

فالوطن الذي يحمي الإنسان في عقيدته وكرامته هو وطن يستحق أن يُبذل الجهد في بنائه والدفاع عنه وإصلاح مؤسساته.
أما إذا أصبح البقاء فيه مشروطاً بالتخلي عن العقيدة، فإن الأولوية الشرعية تنتقل إلى حماية الإيمان، بحسب الاستطاعة والظروف والأحكام التي قررها الفقه الإسلامي.
ولا ينبغي أن نفهم ذلك على أنه دعوة إلى تفكيك المجتمعات أو إضعاف الدول، بل هو تأكيد على أن قوة الأوطان الحقيقية تنبع من احترام الإنسان وحقوقه ومعتقداته.
الخلاصة: الأرض تتغير والعقيدة تبقى
إن العلاقة بين العقيدة والوطن لا ينبغي أن تُفهم على أساس الصراع الدائم، فالأصل أن يجتمعا في حياة الإنسان المسلم؛ يحب وطنه، ويخلص له في البناء والإصلاح، ويحافظ في الوقت نفسه على عقيدته وثوابته.
أما إذا وقع التعارض بينهما،
وأصبحت المحافظة على الوطن مشروطة بالتنازل عن الإيمان، فإن العقيدة تتقدم؛ لأنها الأصل الذي لا يجوز التفريط فيه.
فالأرض قد تتغير، والأوطان قد تتعدد، والإنسان قد يضطر إلى الهجرة من مكان إلى آخر، لكن العقيدة هي الثابت الذي يمنح الإنسان هويته ووجهته.
إننا لا نريد إنساناً يكره وطنه باسم العقيدة، ولا إنساناً يفرّط في عقيدته باسم الوطن؛ بل نريد إنساناً يحمل عقيدته بوعي، ويحب وطنه بوفاء، ويعرف أن الوطن يُبنى بالقيم، وأن العقيدة لا تُساوَم بالمصالح.
وهذه هي القاعدة التي أرى ضرورة ترسيخها في الوعي الإسلامي:
«العقيدة مقدمة على الوطن عند التعارض الحقيقي، والوطن أمانة تستحق الحب والحماية والإصلاح ما دام لا يتحول إلى وسيلة لتهديد العقيدة».