
رياض سعد
مقدمة الدراسة
لا يمكن فهم العهد الملكي في العراق بمعزل عن الظروف التي نشأت فيها الدولة العراقية الحديثة، ولا عن التحولات السياسية والعسكرية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، ولا عن المشروع البريطاني الذي استهدف إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن مصالح الإمبراطورية البريطانية الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.
فالمملكة العراقية التي أُعلنت سنة 1921 لم تكن ثمرة تطور سياسي داخلي مستقل اكتملت شروطه بإرادة العراقيين وحدهم، وإنما تشكلت في ظل الاحتلال البريطاني، ثم الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، وضمن ترتيبات سياسية شاركت بريطانيا في رسمها، وحددت إلى حد بعيد طبيعة النظام السياسي الجديد، وشكل السلطة، والطبقة التي ستتولى إدارة الدولة.
ومن هنا، فإن دراسة العهد الملكي تستوجب تجاوز الصورة التقليدية التي تحصر تلك المرحلة في مجموعة من المظاهر العمرانية والإدارية الشحيحة ، أو تستحضر قيمة الدينار العراقي ومكانة بعض رجال الدولة كما يصور دعاة الملكية ، ثم تتخذ منها دليلاً كافياً على نجاح التجربة الملكية التي ولدت ميتة … ؛ فالدولة لا تُقاس بمؤسساتها الشكلية وحدها، ولا بقوة عملتها، ولا بمستوى علاقاتها الدولية، وإنما تُقاس أيضاً بمدى استقلال قرارها السياسي، وعدالة توزيع السلطة والثروة، وطبيعة تمثيل مكوناتها الاجتماعية، وقدرتها على حماية مصالح السكان الأصليين، وتحقيق المشاركة السياسية المتكافئة بينهم.
وتبرز في هذا السياق قضية جوهرية لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام في بعض الكتابات التي تتناول العهد الملكي، وهي مسألة الاختلال في التمثيل السياسي والاجتماعي، ولا سيما ما أصاب قطاعات واسعة من الأغلبية الشيعية من تهميش وإقصاء في المراحل الأولى لتأسيس الدولة، على خلفية مواقفها المناهضة للاحتلال البريطاني ومقاومتها العسكرية والسياسية له، وما أعقب ذلك من صعود نخب سياسية وعسكرية اجنبية وهجينة وغريبة ارتبط قسم مهم منها بالمؤسسة العثمانية السابقة أو بالمشروع البريطاني.
ولا يعني هذا الطرح أن جميع المسؤولين الذين شاركوا في بناء الدولة كانوا غرباء بالمعنى القانوني أو الاجتماعي، أو أن جميع الشيعة اتخذوا موقفاً سياسياً واحداً، أو أن كل من خدم الدولة العثمانية كان عميلاً لبريطانيا؛ فهذه تعميمات لا يستقيم معها البحث التاريخي.. , وإنما المقصود تحليل الكيفية التي تشكلت بها النخبة الحاكمة، ومصادر شرعيتها، ودرجة ارتباطها بالقوى الخارجية، ومدى انعكاس ذلك على التوازن الاجتماعي والسياسي داخل العراق.
وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن تأسيس المملكة العراقية كان عملية بناء دولة من أعلى، جرت في ظل اختلال واضح في موازين القوة بين المجتمع العراقي والسلطة البريطانية، وأن هذا الاختلال ترك آثاره على بنية الحكم، وعلى توزيع المناصب والنفوذ، وعلى العلاقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، وظلت تداعياته حاضرة حتى نهاية العهد الملكي.
الفصل الأول: العراق قبيل تأسيس المملكة – من الاحتلال العثماني إلى السيطرة البريطانية
1.1. انهيار الدولة العثمانية وبداية مرحلة إعادة تشكيل العراق
دخل العراق مرحلة تاريخية جديدة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914، حين تقدمت القوات البريطانية إلى الأراضي العراقية، واحتلت البصرة، ثم بغداد سنة 1917، وصولاً إلى الموصل سنة 1918. وبذلك انتهى الحكم العثماني الذي استمر قروناً، وبدأت مرحلة الاحتلال البريطاني المباشر، التي لم تكن مجرد انتقال للسلطة العسكرية من إمبراطورية إلى أخرى، بل كانت بداية لإعادة تشكيل البنية السياسية والإدارية والاجتماعية للبلاد.
فقد وجدت بريطانيا نفسها أمام مجتمع متنوع من الناحية الدينية والقومية والاجتماعية، يضم العرب والكرد والتركمان وغيرهم، وتتداخل فيه الانتماءات المذهبية والعشائرية والمناطقية، كما كانت فيه مراكز دينية واجتماعية تمتلك نفوذاً واسعاً، ولا سيما في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء.
ولم تكن بريطانيا تنظر إلى العراق بوصفه أرضاً محتلة فحسب، وإنما باعتباره موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، بحكم اتصاله بالخليج العربي، وقربه من إيران والهند، واحتوائه على موارد نفطية واعدة، فضلاً عن موقعه في شبكة المواصلات والاتصالات التي تربط الهند بالمشرق العربي والبحر المتوسط.
ومن ثم، لم يكن هدف السياسة البريطانية مقتصراً على إنهاء الوجود العثماني، بل امتد إلى إقامة نظام سياسي وإداري قادر على إدارة البلاد، وضمان استمرار المصالح البريطانية بأقل تكلفة عسكرية وإدارية ممكنة.
1.2. ثورة العشرين: الرفض الشعبي للاحتلال البريطاني
شكّلت ثورة العشرين سنة 1920 محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، إذ عبّرت عن رفض واسع للاحتلال البريطاني، وشاركت فيها قوى اجتماعية متعددة، كان في مقدمتها عشائر الفرات الأوسط والجنوب ، ورجال الدين الشيعة، وشخصيات وطنية وقومية واسلامية .
وقد اكتسبت الثورة أهميتها من طبيعة التحالف الذي جمع بين المرجعيات الدينية والقيادات العشائرية والقوى الوطنية، ومن اتساع رقعتها الجغرافية، ومن قدرتها على تحويل الاعتراض على الاحتلال إلى حركة مسلحة وسياسية ذات أهداف تتجاوز المطالب المحلية.
وكان لعلماء الدين الشيعة، وفي مقدمتهم المرجعيات الدينية في النجف وكربلاء، دور بارز في التعبئة السياسية والاجتماعية، كما شاركت عشائر عديدة في المواجهات العسكرية، وقدمت تضحيات بشرية ومادية كبيرة.
ولذلك لا يصح اختزال الثورة في حركة عشائرية محدودة، أو تصويرها باعتبارها اضطراباً محلياً، لأنها كانت تعبيراً عن رفض سياسي واسع للهيمنة الأجنبية، ومطالبة بحق العراقيين في تقرير مصيرهم وإدارة شؤون بلادهم.
وقد كشفت الثورة عن مشكلة جوهرية واجهت المشروع البريطاني: فالحكم المباشر أصبح مكلفاً سياسياً وعسكرياً ومالياً، ولم يعد من السهل فرضه على مجتمع أثبت امتلاكه القدرة على المقاومة والتعبئة.
ومن هنا اتجهت بريطانيا إلى تغيير أسلوب إدارتها، والانتقال من الاحتلال المباشر إلى نظام ملكي غريب وهجين ذي واجهة وطنية ومؤسسات دستورية، مع الإبقاء على أدوات التأثير والنفوذ البريطاني في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وهكذا كانت ثورة العشرين، على الرغم من عدم تحقيقها الاستقلال الكامل، عاملاً حاسماً في تغيير شكل الحكم الذي أرادت بريطانيا إقامته في العراق .
1.3. من الحكم العسكري إلى الانتداب: تغيير الوسيلة لا إنهاء الهيمنة
بعد الثورة، أدركت السلطات البريطانية أن استمرار الإدارة العسكرية المباشرة سيبقي البلاد في حالة اضطراب، ويستنزف موارد الإمبراطورية، ولذلك اتجهت إلى إقامة حكومة عراقية محلية تحت إشراف المندوب السامي البريطاني.
وقد تشكلت في تشرين الثاني سنة 1920 حكومة مؤقتة برئاسة الطائفي عبد الرحمن النقيب، وضمت شخصيات من خلفيات اجتماعية هجينة وغريبة وذات ولاء عثماني بريطاني ولا يربطها بالعراق والعراقيين الاصلاء رابط ، لكنها عملت في إطار رقابة بريطانية واسعة.
ولم يكن الانتقال إلى الإدارة المحلية يعني بالضرورة انتقال السيادة الفعلية إلى العراقيين؛ فقد ظلت بريطانيا تمتلك أدوات ضغط مهمة، من خلال المندوب السامي، والمستشارين البريطانيين، والقوة العسكرية، والنخبة الحاكمة الغريبة والهجينة والعميلة , والتحكم في جوانب أساسية من العلاقات الخارجية والدفاع والاقتصاد.
وبذلك نشأ تناقض تأسيسي في الدولة العراقية الحديثة: مؤسسات تحمل أسماء وطنية، وحكومة تتحدث باسم العراق، لكنها تعمل في ظل نظام دولي وسياسي لم يكن يسمح لها بممارسة الاستقلال الكامل أو بتحقيق مصالح العراق والعراقيين .
1.4. مؤتمر القاهرة سنة 1921 وصناعة النظام الملكي
في آذار سنة 1921 انعقد مؤتمر القاهرة برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وناقش مستقبل الأراضي الخاضعة للنفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، ومن بينها العراق.
وكان من أبرز القرارات التي خرج بها المؤتمر دعم إقامة نظام ملكي في العراق، وتنصيب الأمير الغريب والعميل فيصل بن الحسين ملكاً عليه، بعد أن كان قد خسر عرشه في سوريا إثر التدخل الفرنسي سنة 1920.
لم يكن اختيار فيصل إجراءً منفصلاً عن المصالح البريطانية؛ فقد رأت لندن في الشخصية الهاشمية وسيلة لإضفاء شرعية عربية على النظام الجديد، والاستفادة من الصلات السياسية التي ربطت الأسرة الهاشمية ببريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى.
وكان فيصل يمتلك رصيداً سياسياً ناتجاً عن مشاركته في الثورة العربية، كما امتلك خبرة في التعامل مع القوى الدولية، إلا أنه لم يكن من أبناء العراق، ولم ينشأ في بيئته الاجتماعية أو السياسية، الأمر الذي جعل اختياره يثير سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الشرعية الوطنية للنظام الجديد، ومقدار مساهمة العراقيين أنفسهم في تحديد رأس السلطة.
وقد جرى تنصيبه ملكاً في 23 آب سنة 1921، في إطار عملية سياسية أشرفت عليها سلطات الانتداب، واستُخدمت فيها استفتاءات صورية وإجراءات شكلية لإظهار القبول الشعبي.
ومن الضروري هنا التمييز بين حقيقة أن فيصل لم يكن عراقياً من حيث المنشأ والنسب الجغرافي، وبين اثبات ان شخصيات حكومته من جذور غير عراقية ايضا؛ فالأولى حقيقة تاريخية، أما الثانية فتحتاج إلى دراسات و وثائق لإثبات ذلك الامر .
ومع ذلك، فإن الإشكالية السياسية الأساسية لا تتعلق بأصل الملك وحاشيته فقط ، وإنما بالظروف التي أُنشئ فيها النظام، وبمدى استقلال عملية اختيار رأس الدولة عن الإرادة البريطانية، وبطبيعة القوى التي ساندت العرش، والقوى التي أُبعدت أو ضُيّق عليها المجال السياسي .
الفصل الثاني: إشكالية الشرعية الوطنية – الملك القادم من الحجاز والنخبة الحاكمة
2.1. فيصل الأول: بين عمالة العائلة الهاشمية والقبول العراقي
كان تنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على العراق من أكثر القرارات تأثيراً في مستقبل الدولة العراقية الحديثة؛ إذ أُسندت قيادة بلد يمتلك تاريخاً حضارياً وسياسياً واجتماعياً عريقاً إلى أمير غريب قادم من الحجاز، ومذهبه الديني يخالف مذهبَ الأغلبية العراقية التي قاومت الاحتلال البريطاني… ؛ في إطار ترتيبات سياسية بريطانية خبيثة .
وقد استندت بريطانيا في تسويغ هذا الاختيار إلى عدة اعتبارات، منها مكانة الأسرة الهاشمية، وصلاتها بالثورة العربية، وارتباطه الوثيق بالبريطانيين , وإمكانية الاستفادة من رمزية فيصل في جمع القوى السياسية والعشائرية حول نظام ملكي جديد.
لكن هذه الاعتبارات لا تلغي حقيقة أن اختيار الملك جاء من خارج السياق السياسي العراقي المحلي، وأن القرار النهائي لم يكن نتاج عملية انتخابية حرة بالمعنى الديمقراطي الحديث.
ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للشرعية:
1. الشرعية التاريخية والرمزية: المرتبطة بالنسب الهاشمي والمكانة العربية للأسرة الحاكمة في الحجاز .
2. الشرعية السياسية: المرتبطة بالقبول او الرفض الشعبي والمؤسسات الدستورية والتمثيل الوطني.
3. الشرعية السيادية: المرتبطة بمدى استقلال قرار الدولة عن إرادة القوة الأجنبية التي أسهمت في تأسيس النظام.
وقد امتلك فيصل بعض عناصر الشرعية الأولى، وسعى إلى بناء الثانية بخطوات متعثرة او غير صادقة احيانا ، لكن الثالثة بقيت موضع إشكال بسبب طبيعة العلاقة الدائمة مع بريطانيا.
2.2. هل كان العراق بحاجة إلى ملك من خارج البلاد؟
يثير اختيار ملك من خارج العراق مسألة تتصل بفلسفة بناء الدولة الوطنية، ولا سيما في المجتمعات التي تمتلك تقاليد تاريخية ومراكز اجتماعية ودينية وسياسية راسخة.
فمن الناحية السياسية، كان من الممكن أن تنشأ الملكية من داخل المجتمع العراقي، بالاستناد إلى شخصيات محلية تمتلك امتداداً اجتماعياً أو سياسياً أو عشائرياً، بدلاً من استيراد رأس السلطة من خارج الحدود... ؛ ولا سيما وان أمير الأحواز، الأمير خزعل الكعبي، كان موجودًا آنذاك، ويحظى بقبولٍ لدى العشائر العراقية في مناطق الجنوب والفرات الأوسط.
غير أن بريطانيا لم تكن معنية بالضرورة بأن يكون رأس الدولة عراقياً بالمنشأ بقدر اهتمامها بأن يكون قادراً على إدارة التوازنات السياسية، والحفاظ على النظام الذي يخدم مصالحها.
ولا يعني ذلك أن كل اختيار لشخصية من خارج البلاد يعد خطأً في ذاته، فالتاريخ يعرف تجارب متعددة لتولي شخصيات وافدة عروش دول أخرى؛ لكن المسألة العراقية كانت أكثر تعقيداً، لأن اختيار فيصل جرى في ظل احتلال أجنبي، وفي سياق كانت فيه قطاعات واسعة من المجتمع قد خاضت مواجهة عسكرية مع القوة التي اختارته.
وهذا ما جعل مسألة الشرعية تتجاوز شخصية الملك إلى طبيعة المشروع السياسي المشبوه الذي جاء به... ؛ والذي يستهدف الأغلبية العراقية الأصيلة، بل الأمة العراقية جمعاء.
2.3. الملكية بوصفها تسوية سياسية بريطانية خبيثة
يمكن فهم تأسيس المملكة العراقية بوصفه تسوية بين ثلاثة أطراف رئيسية:
– بريطانيا، التي أرادت نظاماً مستقراً يحفظ مصالحها الاستراتيجية.
– النخبة السياسية والعسكرية ذات الخلفية العثمانية، التي سعت إلى المشاركة في السلطة وبناء مؤسسات الدولة.
– القوى الاجتماعية والدينية والعشائرية من الاقليات العراقية ، التي اختلفت مواقفها من الاحتلال والانتداب والملكية الجديدة.
– اقصاء وتهميش الاغلبية العراقية .
نعم , هذه التسوية الخبيثة لم تكن متكافئة وعادلة بل هي تسوية منكوسة جائرة خبيثة ؛ إذ امتلكت بريطانيا القوة العسكرية والنفوذ الإداري والقدرة على التأثير في القرارات المصيرية، تدعمها حكومة غريبة وشخصيات سياسية هجينة ذات خلفيات اجنبية وغريبة ؛ بينما كانت قوى الاغلبية العراقية تتفاوض وتناضل وتكافح من موقع أضعف، وفي ظل انقسامات سياسية واجتماعية وطائفية وعنصرية عميقة… ؛ واستمرت هذه المعادلة المنكوسة والخطة البريطانية الخبيثة حتى سقوط الصنم الطائفي الهجين عام 2003.
ولذلك فإن وصف النظام الملكي بأنه نتاج توافق وطني شامل لا يعكس بدقة ظروف نشأته، كما أن وصفه بأنه مجرد جهاز بريطاني خالص … ؛ يتجاهل التفاعلات المحلية ومحاولات بعض الملوك ورجال الدولة توسيع هامش الاستقلال.
والأقرب إلى التحليل التاريخي أن النظام كان ملكية عراقية من الناحية الشكلية ، لكنها نشأت برعاية بريطانية، واستمرت خلال سنواتها الأولى في ظل قيود خارجية أثرت في سيادتها وفي طبيعة توازناتها الداخلية.
الفصل الثالث: الاختلال الطائفي والسياسي – الأغلبية الشيعية بين المقاومة والإقصاء
3.1. الأغلبية الشيعية ودورها في مقاومة الاحتلال البريطاني
من القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً في دراسة تأسيس الدولة العراقية مسألة العلاقة بين الموقف السياسي للمرجعيات والقيادات الشيعية من الاحتلال البريطاني، وبين موقعها اللاحق في مؤسسات الحكم.
فقد كانت المدن الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء مراكز فاعلة في الحياة العامة، ولم يكن نفوذها مقتصراً على الشؤون الدينية، بل امتد إلى المجال الاجتماعي والسياسي، حيث استطاعت المرجعيات الدينية التأثير في المواقف الشعبية وتعبئة العشائر والقوى الاجتماعية.
وقد كان موقف قطاعات واسعة من علماء الدين والقيادات العشائرية الشيعية من الاحتلال قائماً على رفض الهيمنة الأجنبية والمطالبة بالحكم الوطني والاستقلال السياسي.
وبعد ثورة العشرين، دخلت العلاقة بين المرجعيات الشيعية والسلطات البريطانية مرحلة من التوتر، خصوصاً مع اتضاح أن النظام السياسي الجديد لن يقوم بالضرورة على الصيغة التي طالبت بها القوى الوطنية المناهضة للاحتلال.
ومن هنا نشأت فجوة بين قوى شاركت في مقاومة الاحتلال، وضحت بشرياً ومادياً من أجل إقامة حكم وطني، وبين نظام سياسي هجين وغريب تشكل تحت إشراف القوة الأجنبية نفسها.
3.2. من مقاومة الاحتلال إلى التضييق السياسي
لا يمكن إغفال أن الموقف البريطاني من المرجعيات والقيادات الشيعية تأثر بتجربة ثورة العشرين وبالمقاومة الشرسة قبلها ، وبخشية السلطات من استمرار قدرة تلك المرجعيات على تعبئة الشارع ومقاومة سياساتها الاستعمارية .
وقد اتخذت السلطات إجراءات ضد عدد من رجال الدين والناشطين السياسيين، وتعرضت المرجعيات الشيعية لضغوط سياسية وإدارية، كما شهدت السنوات الأولى من الانتداب أزمة حادة انتهت بإبعاد عدد من كبار علماء الدين إلى خارج العراق.
ومن أبرز نتائج هذه المرحلة أن المعارضة الشيعية لم تكن مجرد اختلاف مذهبي مع النخبة الحاكمة، وإنما كانت في جانب مهم منها معارضة سياسية لمشروع الانتداب، وللاتفاقيات التي رأت فيها استمراراً للهيمنة البريطانية.
وتذكر الدراسات التاريخية أن أربعاً وأربعين شخصية من كبار علماء الدين الشيعة تعرضوا للإبعاد أو الاضطرار إلى مغادرة العراق في سياق المواجهة السياسية التي أعقبت معاهدة 1922، وكان من بينهم محمد حسين النائيني وأبو الحسن الأصفهاني.
وكان لهذا الإجراء أثر بالغ؛ لأنه لم يستهدف أفراداً معزولين فحسب، بل طال شبكة من المرجعيات التي كانت تمتلك حضوراً اجتماعياً وثقلاً سياسياً وقدرة على التعبئة الشعبية … ؛ وكانت تلك الإجراءات التعسفية بمثابة إهانة جماعية للأغلبية العراقية، وتجسيدًا لسياسات الإقصاء والاضطهاد التي استهدفتها.. , وقد استمرت هذه السياسات الجائرة، وما انطوت عليه من نزعات عدائية وإقصائية، ضد الأغلبية العراقية على أيدي الحكومات المتعاقبة، حتى سقوط النظام عام 2003… ؛ إذ دأبت تلك الحكومات الهجينة والعميلة والطائفية، على إذلال أبناء الأغلبية العراقية والنيل من مكانتهم وحقوقهم، من خلال اعتقال قادتهم ورموزهم وشخصياتهم العامة، واضطهادهم وتهجيرهم، ومحاولة إقصائهم عن المشهد السياسي والاجتماعي.
3.3. التمثيل السياسي: الأغلبية العددية والسلطة الفعلية
من الضروري التمييز بين الأغلبية السكانية والتمثيل السياسي؛ فامتلاك جماعة اجتماعية أغلبية عددية لا يعني بالضرورة امتلاكها النسبة نفسها من المناصب الحكومية أو مراكز القرار أو النفوذ الإداري والعسكري.
وقد كشفت السنوات الأولى من تأسيس الدولة العراقية عن اختلال في تمثيل المكونات الاجتماعية داخل النخبة الحاكمة، إذ هيمنت الفئة الهجينة والاقلية السنية وبقية الاقليات بدرجة كبيرة على مواقع مهمة في الإدارة والجيش والحكومة، في مقابل ضعف تمثيل الشيعة، رغم كونهم أغلبية سكانية.
ولم يكن هذا الاختلال وليد عامل واحد، بل ارتبط بتداخل مجموعة من الظروف، من بينها:
– إرث الإدارة العثمانية وتفاوت فرص الوصول إلى التعليم الحديث والوظائف الحكومية.
– اعتماد بريطانيا على عدد من الضباط والموظفين السابقين في المؤسسة العثمانية.
– تحفظ المرجعيات الشيعية وقطاعات من المجتمع على المشاركة في مؤسسات الانتداب.
– إجراءات الإقصاء والنفي والتضييق السياسي التي أعقبت ثورة العشرين.
– ضعف التمثيل الاجتماعي للمناطق الريفية التي كانت تضم نسبة كبيرة من السكان الشيعة.
ويشير المؤرخ عضيد دويشة إلى أن المجتمع العراقي عند تأسيس الدولة كان يعاني انقسامات متداخلة بين العرب السنة والشيعة والكرد، فضلاً عن الفجوة بين المدن والأرياف، وأن الفقر والأمية في الريف كانا من العوامل التي زادت صعوبة الاندماج الوطني.
كما تشير الدراسات الخاصة بالانتداب والقرائن التاريخية إلى أن النخبة الإدارية والعسكرية التي تشكلت في تلك المرحلة كانت ذات غلبة سنية وعثمانية واضحة .
3.4. هل عاقبت بريطانيا الأغلبية الشيعية على موقفها من الاحتلال؟
هذا السؤال من أهم محاور الدراسة، لكنه يحتاج إلى صياغة تاريخية دقيقة.
فمن الثابت أن بريطانيا واجهت مقاومة شديدة من قطاعات شيعية خلال ثورة العشرين وفي بداية الاحتلال ، وأنها اتخذت إجراءات ضد عدد من المرجعيات والناشطين، وأنها اعتمدت لاحقاً على نخب سياسية وعسكرية أخرى في بناء النظام الجديد.
كما تشير بعض الدراسات إلى أن السلطات البريطانية، في محاولتها تثبيت النظام، عززت علاقاتها مع شخصيات سنية وعثمانية وغريبة سياسية وعسكرية، وفرضت قيوداً على ناشطين ومرجعيات شيعية، الأمر الذي ساهم في استمرار الاختلال في التمثيل السياسي.
لقد استهدفت السياسات البريطانية أبناء الأغلبية العراقية بمختلف فئاتهم وشرائحهم، ثم سارت النخب السياسية الهجينة والعميلة والطائفية التي تولّت زمام السلطة على النهج ذاته، بل ذهبت أبعد منه في ممارسات الإقصاء والتمييز الطائفي؛ حتى إن بعض الشخصيات السياسية السنية أبدت مواقف عدائية تجاه الشيعة تجاوزت، في مظاهرها وخطابها، ما أظهرته الإدارة البريطانية نفسها… ؛ وقد دفعت هذه المواقف البريطانيين، في بعض الحالات، إلى استبعاد شخصيات سياسية سنية من حساباتهم ومشروعاتهم، حين رأوا أن إعلانها الصريح عن نزعاتها الطائفية قد يتعارض مع مقتضيات السياسة البريطانية الخبيثة وتوازناتها ومصالحها في العراق… ؛ ويُطرح الطائفي الغريب عبد المحسن السعدون في هذا السياق مثالًا يستحق البحث والتدقيق؛ إذ انتهت حياته بالانتحار عام 1929، وسط روايات وتفسيرات سياسية متباينة بشأن ملابسات وفاته، من بينها فرضية تعرضه لضغوط بريطانية… ؛ غير أن القول باغتياله على يد البريطانيين، أو الجزم بأنهم دبّروا مقتله، يبقى فرضية اقرب للواقع .
والأدق أن يقال إن بريطانيا أعادت ترتيب موازين القوة السياسية بعد ثورة العشرين، بما أضعف نفوذ قطاعات من القوى الشيعية المناهضة للانتداب، وعزز اعتماد النظام الجديد على نخب أخرى كانت أكثر استعداداً للتعاون مع ترتيباته السياسية.
وهكذا تحملت الأغلبية الشيعية، في مراحل مبكرة من تأسيس الدولة، جانباً من تبعات مواقفها المناهضة للاحتلال، ليس بالضرورة من خلال عقوبة جماعية معلنة، وإنما عبر مسارات سياسية وإدارية أفضت إلى تقليص حضور بعض قواها ومرجعياتها في مراكز القرار.
3.5. الإقصاء السياسي وتداعياته على الوحدة الوطنية
لم يكن التفاوت في التمثيل مجرد قضية تتعلق بعدد الوزراء أو النواب، بل كانت له انعكاسات أعمق على مفهوم المواطنة والانتماء إلى الدولة.
فعندما تشعر جماعة اجتماعية واسعة بأن تضحياتها في مقاومة الاحتلال لم تنعكس على موقعها في النظام السياسي، وأن المؤسسات الجديدة لا تمثلها بالقدر الذي يتناسب مع وزنها السكاني والاجتماعي، فإن ذلك يضعف ثقتها بالدولة ويخلق مسافة بينها وبين مؤسساتها... ؛ ومن هنا، فإن بناء الدولة العراقية الحديثة لم يواجه تحدي توحيد الأقاليم والمناطق فحسب، بل واجه أيضاً تحدي دمج القوى الاجتماعية التي كانت قد خاضت صراعاً مع الاحتلال، ولم تجد نفسها بالضرورة شريكاً متكافئاً في النظام السياسي الذي أعقبه.
الفصل الرابع: النخبة العثمانية السابقة وصعود الضباط والموظفين الوافدين
4.1. رجال الدولة العثمانيون في النظام الملكي الجديد
من المفارقات التاريخية في تأسيس المملكة العراقية أن بريطانيا، التي خاضت حرباً لإسقاط الدولة العثمانية وانتزاع العراق من سيطرتها، اعتمدت في بناء مؤسسات الدولة الجديدة على عدد من الضباط والموظفين الذين خدموا في الجيش والإدارة العثمانيين.
فقد كان عدد من الشخصيات التي أصبحت لاحقاً من أبرز رجال الحكم في العراق قد اكتسب خبرته العسكرية والإدارية داخل المؤسسات العثمانية، ثم انتقل بعد انهيار الدولة إلى العمل في مؤسسات المملكة الجديدة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك نوري السعيد، الذي خدم ضابطاً في الجيش العثماني، ثم أصبح أحد أهم رجال الدولة العراقية، وتولى رئاسة الوزراء مرات عديدة، وأدى دوراً محورياً في صياغة السياسة الخارجية والعلاقات مع بريطانيا.
إذ سرعان ما تحوّل ولاء بعض رعايا الدولة العثمانية ومواليها ومرتزقتها وعبيدها ، ممن ارتبطت مصالحهم بالمؤسسة العثمانية، من الباب العالي في إسطنبول إلى التاج البريطاني في لندن… ؛ ولا غرابة في ذلك ؛ فبعد أن استقدمت الدولة العثمانية جماعات وأفرادًا من أقاليم بعيدة، وأعادت توطينهم في العراق، وجد بعضهم أنفسهم وقد انقطعت صلاتهم الاجتماعية والسياسية بأوطانهم الأصلية ومحيطهم القومي الأول، وأصبحوا أشد اعتمادًا على السلطة التي توفر لهم الحماية والنفوذ والمصالح.. , وهكذا غدا بعضهم، في ظل التحولات السياسية التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية، أشبه بمن فقد مرجعيته القديمة ولم يجد بديلًا عن الارتهان للقوة الجديدة.
وقد أدرك البريطانيون، بدهائهم السياسي وخبرتهم الاستعمارية، كيفية استثمار هشاشة بعض الجماعات والشخصيات السياسية الغريبة والاجنبية ، ومخاوفها من فقدان امتيازاتها أو الاصطدام بالقوى الاجتماعية المحلية والأغلبية السكانية؛ فعملوا على استقطابها وربط مصالحها بمصالحهم، بحيث لم يعد ارتباطها ببريطانيا مجرد تحالف سياسي عابر أو ولاء شكلي، بل أصبح، بالنسبة إلى بعضها، ارتباطًا وجوديًا تتداخل فيه اعتبارات الحماية والنفوذ والمصالح، حتى غدا الحفاظ على المظلة البريطانية مسألة تتصل بالبقاء السياسي والاجتماعي.
كما برزت مجموعة من الضباط السابقين الذين ارتبطوا بالمشروع الهاشمي، وكان لبعضهم دور في تأسيس الجيش العراقي وإدارة مؤسسات الدولة.
وهنا تظهر مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها: فالقوة البريطانية التي أنهت الوجود العثماني في العراق لم تتجه إلى بناء جهاز الحكم الجديد اعتماداً حصرياً على القوى الاجتماعية والسياسية التي قاومت الاحتلال، وإنما استفادت من كوادر عسكرية وإدارية سابقة، وخصوصاً ممن امتلكوا الخبرة في مؤسسات الدولة العثمانية.
ولا يعني ذلك أن هؤلاء الضباط كانوا جميعاً متشابهين في مواقفهم أو أن خدمتهم السابقة للدولة العثمانية تجعلهم غرباء عن العراق؛ فقد كان بعضهم عراقياً بالمنشأ ، وبعضهم الآخر قدم من مناطق مختلفة من الدولة العثمانية.. , كما أن الانتقال من خدمة دولة إلى خدمة دولة أخرى لا يكفي وحده لإثبات العمالة أو التبعية.
لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في طبيعة التحالف السياسي الذي نشأ بين العرش الهاشمي وبعض هذه النخب الهجينة والغريبة والسنية، وفي الدور الذي أدته بريطانيا في تمكينها من الوصول إلى مواقع السلطة والنفوذ.
وقد تناول حنا بطاطو هذه الظاهرة ضمن تحليله للطبقات الاجتماعية والسياسية القديمة، وأفرد جانباً مهماً لدراسة الضباط الشريفيين السابقين، وشبكات المصالح التي ارتبطت بالقصر الملكي وبالنظام الجديد .
4.2. الضباط الشريفيون: الجيش بوصفه أداة لبناء السلطة
لم يكن الجيش العراقي الذي تأسس في العهد الملكي مجرد مؤسسة للدفاع عن الحدود وحماية البلاد، بل أصبح أحد الأعمدة الطائفية والظالمة الأساسية للنظام السياسي الجديد.
وقد ارتبط تأسيس الجيش بمجموعة من الضباط الغرباء والاجانب الذين امتلكوا خبرة عسكرية سابقة، وكان لبعضهم دور في الثورة العربية وفي المؤسسات العسكرية العثمانية، ثم انتقلوا إلى خدمة الملك فيصل.
وقد أسهم هؤلاء في تأسيس المؤسسة العسكرية وتطويرها تطويرا سلبيا يستهدف الداخل العراقي اولا وبالذات ، وكذلك وجودهم في قمة الهرم العسكري والسياسي أدى أيضاً إلى نشوء شبكات نفوذ داخل الدولة، ارتبطت بالعلاقات الشخصية والعسكرية والولاءات السياسية... ؛ وسار الخلف على نهج السلف، حتى شاع بين العراقيين قولٌ ساخرٌ يعبّر عن تغوّل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، مفاده: «إذا أردت أن تكون ملكًا بلا تاج، فكن ضابطًا في الجيش العراقي».
ومع مرور الزمن، أصبح الجيش لاعباً سياسياً مؤثراً، ولم يعد محصوراً في وظيفته العسكرية، وهو ما ظهر بوضوح في انقلاب بكر صدقي سنة 1936، ثم في حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، وصولاً إلى انقلاب 14 تموز 1958... ؛ حتى بلغ الأمر بالمؤسسة العسكرية أن تحوّلت، في مراحل من تاريخ العراق، إلى أداة قمعية غاشمة استُخدمت في قمع الشعب العراقي والتنكيل به، فضلًا عن الزجّ به في حروب خارجية بالوكالة، لا ناقة للعراقيين فيها ولا جمل، ولا تعود عليهم بمصلحة وطنية حقيقية.
وهذا التطور السلبي يكشف أن الدولة الملكية لم تنجح في ترسيخ الفصل الكامل بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية، وأن الجيش الذي أُنشئ بوصفه إحدى أدوات بناء الدولة أصبح في نهاية المطاف أحد العوامل الحاسمة في إسقاط النظام والحاق الاذى بالعراق والعراقيين .
4.3. الموظفون البريطانيون والهنود: الإدارة المستوردة ومحدودية الكوادر الوطنية
لا تكتمل دراسة نشأة الدولة العراقية من دون تناول الدور الذي أداه الموظفون البريطانيون والكوادر الإدارية القادمة من الهند البريطانية في تشكيل مؤسسات الحكم.
فبعد احتلال العراق، استعانت بريطانيا بخبرات إدارية وعسكرية مستمدة من تجربتها الاستعمارية في الهند، ونقلت إلى العراق نماذج وأساليب في الإدارة المالية والقضائية والبلدية والاتصالات والأشغال العامة.
وقد شغل مسؤولون بريطانيون مناصب المستشارين والخبراء ورؤساء بعض الدوائر، وكان لهم تأثير مباشر في صياغة القوانين والإجراءات الإدارية وتوجيه عمل المؤسسات.
كما استعانت الإدارة البريطانية بموظفين وخبرات من الهند البريطانية، وهو ما يعكس أن العراق لم يكن مجرد ساحة نفوذ سياسي بريطاني، بل كان أيضاً مجالاً لتطبيق خبرات وأدوات الحكم التي طورتها الإمبراطورية في مستعمراتها الآسيوية.
وتشير دراسة روزي لويلين جونز، المعنونة : الحكم البريطاني في الهند والانتداب البريطاني في العراق، إلى انتقال نماذج إدارية من الهند البريطانية إلى العراق، وإلى تأثير تلك النماذج في بناء الدولة الجديدة.
كما تناولت دراسة منشورة في مجلة الآداب بجامعة بغداد سنة 2021 الامتيازات والصلاحيات الواسعة التي تمتع بها عدد من الموظفين البريطانيين خلال الانتداب، وأثرهم في إدارة المؤسسات العراقية .
ومن المهم هنا تصحيح نقطة تاريخية: لا يصح وصف جميع هؤلاء الموظفين بأنهم هنود أو بأنهم جميعاً من رعايا الهند؛ فقد كان الجهاز يضم موظفين بريطانيين، وموظفين من الهند البريطانية، وخبراء من خلفيات مختلفة… ؛ كما أن وجود موظف بريطاني أو هندي في الإدارة لا يعني بالضرورة أنه كان عميلاً بالمعنى الاستخباراتي، وإنما كان يعمل ضمن الجهاز الاستعماري الذي أقامته بريطانيا.
وتشير وثائق تقرير التحقيق البريطاني في العراق إلى وجود ما يقارب ثلاثة آلاف موظف بريطاني في الإدارة العراقية سنة 1922، ثم تراجع العدد إلى ما يزيد قليلاً على مئتي موظف سنة 1930، مع استمرار بعضهم في الخدمة سنوات أخرى.. , وهذه الأرقام تخص الموظفين البريطانيين وفق التقرير، ولا ينبغي الخلط بينها وبين مجموع الموظفين العراقيين والهنود وسائر العاملين في الإدارة .
4.4. من الإدارة الأجنبية إلى النخبة الهجينة المرتبطة بها
لم يكن الهدف البريطاني النهائي بالضرورة إبقاء آلاف الموظفين الأجانب في العراق إلى أجل غير محدود؛ فذلك مكلف وغير عملي، كما أن نظام الانتداب كان يقتضي إظهار تقدم تدريجي نحو الإدارة الوطنية.
ولهذا اتجهت بريطانيا إلى إعداد نخبة محلية تتولى المناصب الحكومية، مع الاحتفاظ بالمستشارين والخبراء وأدوات التأثير في القرارات الاستراتيجية.
وهنا يمكن التمييز بين نمطين من النفوذ:
– النفوذ المباشر: من خلال الموظفين والمستشارين البريطانيين، والصلاحيات العسكرية والإدارية والاتفاقيات.
– النفوذ غير المباشر: من خلال بناء شبكة من رجال الدولة والضباط والسياسيين المحليين من بقايا العثمانيين ورعايا البريطانيين الذين ترتبط مصالحهم باستمرار النظام السياسي القائم وعلاقاته الخارجية.
وهذا النمط الثاني أكثر أهمية من الناحية السياسية؛ لأنه يسمح للقوة الخارجية بالمحافظة على مصالحها من خلال مؤسسات وطنية ظاهرياً، دون الحاجة إلى إدارة جميع تفاصيل الحكم بصورة مباشرة.
ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول هذه الفكرة إلى حكم مسبق على كل مسؤول عراقي عمل في العهد الملكي، فبعض رجال الدولة سعوا إلى توسيع استقلال العراق وتقليص النفوذ البريطاني، ودخلوا في خلافات حقيقية مع المندوب السامي والحكومة البريطانية.
وقد كان الملك فيصل نفسه طرفاً في صراعات مع المندوب السامي حول حدود السلطة والنفوذ، الأمر الذي يؤكد أن العلاقة بين الطرفين لم تكن خالية من التنافس والخلاف .
الفصل الخامس: المعاهدات البريطانية والسيادة العراقية المنقوصة
5.1. معاهدة سنة 1922: الاستقلال تحت الإشراف البريطاني
مثلت معاهدة 1922 بين العراق وبريطانيا أحد أهم الأطر القانونية التي نظمت العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الأولى من تأسيس المملكة.
فقد جاءت المعاهدة في وقت كانت فيه بريطانيا تسعى إلى تثبيت نظام الانتداب بصيغة أقل تكلفة من الاحتلال العسكري المباشر، بينما كانت الحكومة العراقية تسعى إلى اكتساب اعتراف دولي بوجود دولة عراقية ومؤسسات وطنية.
لكن الاتفاقية أبقت لبريطانيا نفوذاً واسعاً في الشؤون العسكرية والسياسية والإدارية، وكرست وجود المستشارين البريطانيين في مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة... ؛ ولذلك لم تكن المعاهدة، في نظر القوى الوطنية المعارضة، تعبيراً عن استقلال مكتمل، وإنما عن استمرار الهيمنة الأجنبية تحت غطاء قانوني ودستوري.
5.2. معاهدة سنة 1930: الاستقلال الرسمي واستمرار المصالح البريطانية
جاءت المعاهدة العراقية البريطانية سنة 1930 في سياق التحضير لانتهاء الانتداب ودخول العراق عصبة الأمم سنة 1932.
وقد مثلت خطوة مهمة في انتقال العراق إلى الاعتراف الدولي بوصفه دولة مستقلة، لكنها أبقت لبريطانيا امتيازات استراتيجية، ولا سيما في المجال العسكري والدفاعي، ومنحتها إمكانات مهمة للتأثير في السياسة العراقية.
ومن هنا نشأ خلاف بين اتجاهين:
الأول رأى أن المعاهدة كانت تسوية واقعية فرضتها موازين القوى الدولية، وأنها فتحت الطريق أمام الاعتراف الدولي باستقلال العراق.
أما الاتجاه الثاني فرأى أنها أبقت البلاد ضمن دائرة النفوذ البريطاني، وأن الاستقلال القانوني لم يكن كافياً ما دامت القرارات الاستراتيجية مرتبطة بمصالح قوة أجنبية.
والأقرب إلى التقييم التاريخي أن العراق حقق سنة 1932 استقلالاً دولياً مهماً، لكنه لم يتحرر بصورة فورية من جميع القيود السياسية والعسكرية والاقتصادية التي نشأت في عهد الانتداب.
5.3. النفط: الثروة الوطنية في ظل الامتيازات الأجنبية
كان النفط من أهم العوامل التي منحت العراق مكانة استراتيجية في الحسابات البريطانية والدولية.
وقد خضعت عمليات الاستكشاف والإنتاج والتصدير في المراحل الأولى لامتيازات وشركات أجنبية، وفي مقدمتها شركة نفط العراق، التي ارتبطت بمصالح بريطانية وأوروبية وأمريكية.
ولم يكن الخلاف حول النفط مقتصراً على حجم العوائد المالية، بل شمل طبيعة السيطرة على الموارد، وشروط الامتيازات، ومدى قدرة الحكومة العراقية على إدارة ثروتها الوطنية، وتوظيفها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى الرغم من زيادة الإيرادات النفطية في السنوات الأخيرة من العهد الملكي، فإن ذلك لم يؤدِّ إلى اختفاء الفقر أو القضاء على التفاوت الاجتماعي، كما لم تنعكس الثروة بالقدر الكافي على جميع المناطق والطبقات...؛ إذ استأثرت به العائلة الهاشمية والطبقة الحاكمة والفئات المرتبطة بها، واستحوذت عليه، ونهبت المال العام واستنزفت موارده بلا رادع، حتى غدا الإنفاق العام مجالًا لتكريس الامتيازات والمنافع الخاصة على حساب مصالح العراقيين وحقوقهم.
ومن هنا، فإن الحديث عن الازدهار الاقتصادي في العهد الملكي يجب أن يراعي التمييز بين نمو إيرادات الدولة، وبين مستوى معيشة السكان، وبين ملكية الموارد الوطنية والسيطرة الفعلية عليها.
الفصل السادس: البنية الاجتماعية والاقتصادية – الإقطاع والفقر واختلال التنمية
6.1. الإقطاع الزراعي وهيمنة كبار الملاك
كانت البنية الزراعية من أبرز مظاهر الاختلال الاجتماعي في العراق الملكي.
فقد تركزت ملكية مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في أيدي عدد محدود من كبار الملاك والشيوخ، بينما عاش قطاع كبير من الفلاحين في ظروف اقتصادية قاسية، واعتمدوا على علاقات إنتاج غير متكافئة جعلتهم عرضة للتبعية والفقر والاستغلال والجهل والامية والمرض .
وقد ساهمت السياسات الإدارية والاقتصادية في ترسيخ نفوذ بعض كبار الملاك والشيوخ ، الذين تحولوا إلى قوى اجتماعية وسياسية مؤثرة، وأصبحوا في حالات عديدة حلفاء للنظام الملكي.
ولم تكن هذه المشكلة مجرد خلل زراعي، بل كانت قضية تتصل بطبيعة السلطة نفسها؛ لأن امتلاك الأرض كان يمنح صاحبها نفوذاً اقتصادياً واجتماعياً، وقدرة على التأثير في الانتخابات والتمثيل السياسي والعلاقات الحكومية.
وقد تناول حنا بطاطو هذه المسألة بصورة موسعة في كتابه الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق، محللاً التحولات التي طرأت على طبقة الشيوخ والملاك والفلاحين، وعلاقة هذه الطبقات بالقصر الملكي والحركات السياسية المعارضة .
6.2. الفلاح العراقي بين التبعية الاقتصادية وغياب الخدمات
كان الفلاح العراقي من أكثر الفئات تأثراً باختلال البنية الاقتصادية والاجتماعية.
فقد عانت قرى ومناطق عديدة من نقص المدارس والمراكز الصحية والطرق ومياه الشرب والخدمات الأساسية، في حين ظل قسم كبير من السكان مرتبطاً بعلاقات اقتصادية غير متكافئة مع كبار الملاك والشيوخ .
ولذلك لم تكن المطالبة بالإصلاح الزراعي مجرد شعار سياسي، وإنما كانت تعبيراً عن مشكلة اجتماعية متراكمة تتعلق بالملكية والإنتاج وتوزيع الدخل والفرص.
وقد جاء قانون الإصلاح الزراعي بعد 14 تموز 1958 استجابةً لهذه المطالب، وإن كانت نتائج تطبيقه اللاحقة موضع نقاش تاريخي واقتصادي واسع... ؛ إلا أنها أنصفت كثيرًا من أبناء الأغلبية العراقية، وأسهمت في إحداث تحوّل جذري في أوضاعهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وغيّرت مسار حياتهم تغييرًا ملموسًا.
6.3. الأمية والصحة والإسكان: الوجه الآخر للدولة الملكية
تكشف الإحصاءات والمعلومات الواردة في المصادر الحكومية والتاريخية عن صورة اجتماعية بائسة و بعيدة كل البعد عن الصورة المثالية التي يقدمها بعض الممجّدين للعهد الملكي.
فقد بلغ عدد سكان العراق وفق احدى الإحصاءات سنة 1957 نحو 6,339,961 نسمة، وكانت البلاد تواجه تحديات كبيرة في مجالات التعليم والصحة والإسكان.
ومن أبرز المشكلات التي ميزت تلك المرحلة:
– ارتفاع الأمية، ولا سيما في الأرياف.
– محدودية المؤسسات الصحية والأطباء قياساً بعدد السكان.
– انتشار أمراض الملاريا والتراخوما والسل والدزنتري في مناطق مختلفة.
– انتشار المساكن الطينية والصرائف في الأوساط الفقيرة.
– ضعف الخدمات الأساسية في قطاعات واسعة من الريف.
– التفاوت في توزيع الثروة بين كبار الملاك والطبقات الفقيرة.
6.4. قيمة الدينار لا تعني بالضرورة رفاه المجتمع
من الأخطاء المنهجية الشائعة في تمجيد العهد الملكي الاستناد إلى قيمة الدينار العراقي في مقابل العملات الأجنبية، ثم اتخاذ ذلك دليلاً على أن العراقيين كانوا يعيشون في مستوى معيشي مرتفع.
فالقوة الاسمية للعملة لا تكفي وحدها لقياس الرفاه الاقتصادي، وإنما ينبغي النظر إلى القوة الشرائية الفعلية، ومتوسط الدخل، وتوزيع الثروة، وفرص العمل، والخدمات الصحية والتعليمية، ومستوى الفقر والإسكان.
فقد تكون العملة قوية في الأسواق الدولية، بينما تعاني شرائح واسعة من السكان من الفقر وضعف الخدمات، كما قد ترتفع الإيرادات العامة دون أن تصل منافعها بصورة عادلة إلى مختلف فئات المجتمع.
ومن ثم فإن تقييم الاقتصاد الملكي ينبغي أن يقوم على مجموعة من المؤشرات المتكاملة، لا على سعر الصرف أو المظاهر العمرانية وحدها.
الفصل السابع: الأزمات السياسية والاحتجاجات الشعبية – هشاشة الاستقرار الملكي
7.1. انقلاب بكر صدقي سنة 1936
كان انقلاب بكر صدقي أول انقلاب عسكري ناجح في تاريخ العراق الحديث، وقد كشف عن هشاشة النظام السياسي في مواجهة تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم.
ولم يكن هذا الحدث مجرد خلاف بين ضباط أو تنافس بين رجال السلطة، بل كان مؤشراً على أن المؤسسات الدستورية لم تتمكن من ترسيخ قواعد مستقرة لتداول السلطة وإدارة الصراعات السياسية.
كما كشف الانقلاب عن وجود تنافس داخل النخبة العسكرية والسياسية، وعن قابلية الجيش للتحول إلى أداة لتغيير الحكومات بالقوة.
7.2. حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941
مثلت حركة رشيد عالي الكيلاني محطة أخرى من محطات الصراع السياسي والعسكري في العهد الملكي.
وقد ارتبطت الحركة برفض النفوذ البريطاني، وبالتنافس الدولي خلال الحرب العالمية الثانية، وبالصراع بين اتجاهات سياسية عراقية مختلفة حول طبيعة العلاقة مع بريطانيا.
وانتهت المواجهة بالتدخل العسكري البريطاني وعودة القوات البريطانية إلى احتلال بغداد، ثم إعادة تثبيت النظام الملكي.
وهذا الحدث يقدم دليلاً واضحاً على أن الاستقلال العراقي لم يكن بمنأى عن التدخل العسكري الخارجي، وأن بريطانيا كانت مستعدة لاستخدام القوة عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية مهددة.
7.3. وثبة كانون الثاني 1948
اندلعت وثبة كانون الثاني سنة 1948 احتجاجاً على معاهدة بورتسموث التي أثارت رفضاً شعبياً وسياسياً واسعاً.
وقد شاركت في الاحتجاجات قوى طلابية وعمالية وسياسية، وامتدت التظاهرات إلى مناطق مختلفة، وأسفرت المواجهات عن سقوط ضحايا واعتقالات.
وكانت الوثبة تعبيراً عن رفض قطاعات واسعة من المجتمع استمرار النفوذ البريطاني، وعن المطالبة بإصلاح النظام السياسي وتوسيع المشاركة الوطنية.
7.4. انتفاضة سنة 1952 واحتجاجات سنة 1956
شهد العراق سنة 1952 موجة احتجاجات واسعة، شاركت فيها قوى سياسية واجتماعية متعددة، وارتبطت بالمطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي وإنهاء القيود المفروضة على النشاط العام.
ثم جاءت احتجاجات سنة 1956 في سياق العدوان الثلاثي على مصر وأزمة السويس، لتعكس اتساع التفاعل بين القضايا القومية العربية والواقع السياسي العراقي.
وقد ترافقت هذه الأحداث مع الإضرابات العمالية والطلابية والنشاط الحزبي، الأمر الذي كشف عن تصاعد المعارضة للنظام الملكي وتراجع قدرته على استيعاب المطالب الشعبية.
7.5. الدولة الدستورية والواقع السياسي
امتلك العراق في العهد الملكي دستوراً وبرلماناً وحكومات ومؤسسات إدارية، إلا أن وجود هذه المؤسسات لم يكن يعني بالضرورة أن الحياة السياسية كانت ديمقراطية بالمعنى الحقيقي والدقيق .
فقد عانى النظام من تدخلات السلطة التنفيذية، وتقييد النشاط السياسي في مراحل عديدة، وحل المجالس النيابية، واستخدام القوة في مواجهة الاحتجاجات، فضلاً عن تأثير النفوذ البريطاني في بعض القرارات الاستراتيجية , والهيمنة الطائفية للأقلية السنية .
ومن هنا ينبغي التمييز بين وجود المؤسسات الدستورية وبين فاعليتها واستقلالها وقدرتها على تمثيل المجتمع.
الفصل الثامن: الملك فيصل والملوك الذين أعقبوه – بين بناء الدولة ومحدودية السيادة
8.1. فيصل الأول ومحاولة تأسيس الدولة
لا يمكن إنكار أن الملك فيصل الأول واجه مهمة معقدة تمثلت في تأسيس دولة حديثة من أقاليم كانت خاضعة للإدارة العثمانية، وتوحيد مؤسساتها، وإنشاء جيش وطني، وبناء جهاز إداري وتعليمي وقضائي.
وقد سعى إلى توسيع قاعدة الحكم وإيجاد صيغة سياسية تجمع بين المكونات الاجتماعية المختلفة، لكنه اصطدم بمشكلات عميقة، في مقدمتها النفوذ البريطاني، والتفاوت الاجتماعي، وضعف الاندماج الوطني، والتنافس بين القوى السياسية , والهيمنة الطائفية للأقلية السنية .
ومن هنا لا يصح تصويره مجرد أداة بلا إرادة، كما لا يصح تقديم تجربته باعتبارها نموذجاً مكتملاً للاستقلال الوطني.
8.2. نوري السعيد: رجل الدولة وإشكالية التبعية
يعد نوري السعيد من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ العراق الملكي، وقد تولى رئاسة الوزراء مرات عديدة، وأسهم في صياغة السياسة الخارجية والعلاقات مع بريطانيا.
ويرى مؤيدوه أنه كان رجل دولة يمتلك خبرة سياسية وعسكرية واسعة، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز موقع العراق الإقليمي.
في المقابل، يرى منتقدوه أن ارتباطه الوثيق ببريطانيا، ودفاعه عن بعض المعاهدات والتحالفات الإقليمية، جعلاه أحد أبرز رموز استمرار النفوذ البريطاني.
والحقيقة أن تقييم نوري السعيد يجب أن يقوم على دراسة سياساته وقراراته ونتائجها، لا على إطلاق وصف العمالة أو الوطنية بصورة مسبقة.
إلا أن الأقرب إلى الواقع أن الرجل كان شخصية عادية من حيث المواصفات والقدرات والإمكانات، ولم يقدّم للعراق والعراقيين إنجازاً يُذكر، بل لعلّ إخفاقه في إدارة شؤون البلاد كان أحد العوامل التي أسهمت في سقوط العهد الملكي؛ فقد لازم الحكمَ الملكيَّ، ورافق حكوماته، وكان له نفوذ وتأثير في توجيهها منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى سقوط النظام الملكي… ؛ غير أن الإعلام البريطاني، إلى جانب بعض المنابر ذات التوجهات الطائفية، بالغ في تصوير مكانته، ونفخ في شخصيته، ورفع من شأنه بما يتجاوز قدراته الفعلية؛ إذ لم يكن متمكناً من اللغة العربية، ولا بارعاً في الخطابة أو التعبير، بل كان ضعيف البيان، عييَّ اللسان. ومع ذلك، أُحيطت شخصيته بهالة من الأساطير والمبالغات التي أسهم بعض الطائفيين والعنصريين في ترويجها، ولا سيما ممن ينطلقون من تصورات إقصائية تجاه المكوّنات العراقية الأخرى، في سياقٍ كثيراً ما اختلطت فيه الدعاية السياسية بتزييف الوقائع وقلب الحقائق رأساً على عقب.
8.3. الملك غازي: النزعة القومية والتوتر مع بريطانيا
اكتسب الملك غازي الأول شعبية لدى شرائح من العراقيين بسبب خطابه القومي ومواقفه التي عُدت أكثر استقلالاً عن الإرادة البريطانية.
إلا أن ذلك لا يعني أنه كان سياسيًّا من الطراز الرفيع، أو شخصيةً وطنيةً تتحلّى بالمسؤولية والحصافة؛ بل إن الصورة، على العكس من ذلك، تبدو أبعد ما تكون عن هذه الصفات… ؛ فقد انشغل باللهو والمجون، وأُثيرت حوله اتهامات بإقامة علاقات مثلية، وهو ما أثار استياءً واسعًا في مجتمع محافظ، كانت لهذه المسائل فيه حساسية اجتماعية وأخلاقية خاصة… ؛ وبدا، في سلوكه العام، مستهترًا متهتكًا، محدود الخبرة السياسية، قليل الكياسة والحنكة، بما لا ينسجم مع مقتضيات المسؤولية السياسية والوطنية.
وقد أثارت وفاته سنة 1939 إثر حادث سير جدلاً تاريخياً واسعاً، وظهرت روايات تحدثت عن احتمال وجود تدبير سياسي، إلا أن هذه الفرضيات لم تثبت بدليل تاريخي قاطع.
ولذلك ينبغي التعامل مع قضية وفاته باعتبارها موضوعاً خلافياً، لا حقيقة محسومة.
8.4. فيصل الثاني ونهاية التجربة الملكية
تولى فيصل الثاني العرش في مرحلة كانت فيها الأزمات السياسية والاجتماعية قد بلغت مستويات متقدمة، وكان النظام يواجه معارضة متنامية من التيارات القومية واليسارية والوطنية.
وكان فتىً غرًّا، قليل الخبرة والدراية، لا يكاد يفقه شيئًا في شؤون السياسة وتدبير الحكم، إذ كان منصرفًا إلى اللهو والملذات والاستمتاع بالحياة، بعيدًا عن مقتضيات المسؤولية السياسية وأعبائها… ؛ أما إدارة شؤون الحكم وتوجيه قراراته، فكانت في واقع الأمر بيد خاله ، الوصي عبد الإله، الذي تولّى توجيهه والتحكم في مسار قراراته، حتى بدا وكأنه يحركه كما تُحرَّك الدمى، فيما يظل هو واجهةً شكلية للسلطة أكثر منه صاحب قرار مستقل.
وقد تراجعت قدرة النظام على احتواء التحولات الإقليمية والاجتماعية، وازداد التوتر بين القصر والحكومة والقوى السياسية المعارضة.
وانتهى العهد الملكي بقيام ثورة 14 تموز 1958، التي أطاحت بالنظام وأعلنت قيام الجمهورية العراقية.
الفصل التاسع: صناعة الحنين إلى الماضي – بين الذاكرة السياسية والوثيقة التاريخية
9.1. كيف تحوّل العهد الملكي إلى عصر ذهبي في الذاكرة العراقية؟
من الظواهر اللافتة في الخطاب السياسي العراقي المعاصر تنامي تمجيد العهد الملكي، حتى أصبح في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية نموذجاً مثالياً للدولة العراقية، وكأن العراق كان يعيش آنذاك حالة من العدالة والرفاه والاستقرار، ولم يكن ينقصه سوى استمرار النظام الملكي.
وقد ساهمت الإخفاقات السياسية والاقتصادية التي شهدها العراق بعد عام 2003 في إعادة تشكيل صورة الماضي، إذ بات بعض العراقيين يقارنون واقعهم الراهن بما يتصورونه عن المرحلة الملكية، فيستحضرون قيمة الدينار، وأناقة المدن، والمباني الحكومية، والمكانة الدولية للعراق، ويتجاهلون كثيراً من الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشها السكان آنذاك.
مع التأكيد على أنه لا توجد مقارنة منصفة أو متكافئة بين عهد الحكومات الهجينة والعميلة والطائفية والاستبدادية، وبين حكومات العهد الديمقراطي الجديد، ولا سيما في مجالات الحريات العامة، والرفاه الاجتماعي، ومستوى المعيشة، وما شهده المجتمع من تحولات في أنماط الحياة واتساع هامش التعبير عن الرأي… ؛ فثمة اختلافات جوهرية بين المرحلتين في طبيعة النظام السياسي، وآليات إدارة الدولة، ومستوى الحريات المتاحة للمواطنين؛ ومن ثمَّ، فإن وضع العهدين في كفة واحدة، من دون مراعاة اختلاف الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية، ينطوي على قدر من الإجحاف في التقييم… ؛ فشتّان بين العهدين، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة إغفال إخفاقات الحكومات الديمقراطية أو التغاضي عن أوجه القصور والفساد وسوء الإدارة التي رافقت تجربتها.
وهذه الظاهرة معروفة في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي، حيث يميل الأفراد والجماعات، تحت تأثير أزمات الحاضر، إلى إعادة تشكيل صورة الماضي بصورة انتقائية، فيضخمون بعض إيجابياته ويغفلون إخفاقاته وسلبياته .
لكن المقارنة التاريخية لا ينبغي أن تقوم على المفاضلة العاطفية بين المراحل، وإنما على دراسة الظروف الموضوعية لكل مرحلة، ومؤشرات التنمية، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية، وطبيعة المشاركة السياسية.
9.2. الدولة الملكية بين الإنجاز المؤسسي والإخفاق الاجتماعي
من الإنصاف التاريخي الإقرار بأن العهد الملكي شهد تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة، وتطوير الإدارة، وإنشاء المدارس والمستشفيات والطرق والمشاريع العمرانية، كما شهد تطوراً تدريجياً في بعض القطاعات الاقتصادية والتعليمية.
لكن هذه الإنجازات لا تعني أن الدولة نجحت في تحقيق العدالة الاجتماعية، أو أنها استطاعت القضاء على الفقر والأمية، أو أنها وفرت التمثيل السياسي المتكافئ لمختلف المكونات العراقية... ؛ أو أن التأسيس كان صحيحًا ومنسجمًا مع معايير الوطنية والعدالة الاجتماعية، أو أن تلك المؤسسات كانت تعكس بناءً مؤسسيًّا راسخًا ومشروعات تنموية حقيقية؛ والحقيقة أنها لم تكن، في كثير من الأحيان، سوى مؤسسات شكلية ومشروعات سطحية، فيما كانت الدولة بأكملها تُدار بمنطق الطائفية والمحسوبية والعنصرية المناطقية، بعيدًا عن مقتضيات المواطنة المتكافئة والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد.
فوجود برلمان لا يعني بالضرورة وجود ديمقراطية مكتملة، ووجود جيش وطني لا يعني استقلال القرار العسكري، وارتفاع إيرادات النفط لا يعني استفادة جميع السكان منها، كما أن قوة العملة لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى المعيشة.
ومن ثم فإن تحويل العهد الملكي إلى أسطورة سياسية، أو تقديمه باعتباره مرحلة خالية من الأزمات، لا يقل إخلالاً بالمنهج التاريخي عن محاولة إدانته بصورة مطلقة وإغفال إنجازاته الجزئية والبسيطة .
9.3. التاريخ ليس ملكاً للمنتصرين ولا للمحنين
إن إحدى مشكلات كتابة التاريخ العراقي الحديث تتمثل في إخضاع الوقائع لمقتضيات الصراع السياسي المعاصر؛ فكل تيار يحاول استحضار الماضي بما يتناسب مع موقفه الحالي، فينتقي الشخصيات والأحداث التي تخدم روايته.
وهذا ما يجعل من الضروري إعادة دراسة العهد الملكي من خلال الوثائق البريطانية والعراقية، ومحاضر مجلس النواب، والاتفاقيات الدولية، والمراسلات الرسمية، والإحصاءات السكانية والاقتصادية، وشهادات المعاصرين، والدراسات الأكاديمية.
فالتاريخ ليس محكمة لتبرئة نظام أو إدانته وفق أهواء الحاضر، وإنما هو علم يدرس الوقائع في سياقاتها، ويفسر العلاقات بين الأسباب والنتائج، ويميز بين الحقيقة التاريخية والتأويل السياسي.
الفصل العاشر: ثورة 14 تموز 1958 – سقوط النظام الملكي وحصيلة التراكمات
10.1. الثورة بوصفها نتيجة لأزمة بنيوية
لم تأتِ ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958 من فراغ، ولم تكن مجرد تحرك عسكري معزول عن المجتمع والظروف السياسية المحيطة به.
فقد سبقتها عقود من التوتر بين السلطة والمجتمع، وتراكمت خلالها مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، من بينها:
1. استمرار النفوذ البريطاني في القرار السياسي والعسكري.
2. ضعف المشاركة السياسية الفعلية وتقييد النشاط المعارض.
3. اختلال توزيع الثروة والملكية الزراعية.
4. ارتفاع الأمية والفقر في قطاعات واسعة من المجتمع.
5. التفاوت التنموي بين المدن والأرياف.
6. تصاعد المطالب الوطنية بإنهاء التبعية الأجنبية.
7. تنامي الحركات القومية واليسارية والوطنية.
8. تزايد نفوذ المؤسسة العسكرية وتدخلها في السياسة.
9-الهيمنة الطائفية للأقلية السنية على مقدرات الدولة .
وقد تفاعلت هذه العوامل مع التحولات الإقليمية والدولية خلال خمسينيات القرن العشرين، ولا سيما صعود المد القومي العربي، وأجواء الحرب الباردة، وتنامي المعارضة للأحلاف العسكرية التي ارتبط بها العراق.
10.2. الثورة العسكرية والقاعدة الاجتماعية للتغيير
كان الجيش هو الأداة المباشرة التي أسقطت النظام الملكي، لكن نجاح التحرك العسكري ارتبط أيضاً بوجود بيئة اجتماعية وسياسية معارضة للنظام.
وقد تباينت مواقف القوى التي أيدت الثورة، كما اختلفت تصوراتها لمستقبل الدولة الجديدة، الأمر الذي ظهر لاحقاً في الصراعات السياسية التي شهدتها الجمهورية.
ولذلك ينبغي التمييز بين أسباب سقوط الملكية، وبين النتائج التي ترتبت على قيام الجمهورية؛ فالإخفاقات التي شهدتها الأنظمة اللاحقة لا تلغي وجود مشكلات بنيوية حقيقية في العهد الملكي، كما أن سقوط الملكية لا يجعل كل ما أعقبها نجاحاً سياسياً أو اجتماعياً.
10.3. نهاية العهد الملكي وبقاء إشكاليات الدولة
لم يؤدِّ سقوط النظام الملكي إلى اختفاء جميع المشكلات التي رافقت تأسيس الدولة العراقية؛ فقد استمرت إشكاليات العلاقة بين السلطة والمجتمع، ومشكلة التمثيل السياسي , والمشكلة الطائفية ، وتداخل الجيش بالسياسة، والتنافس على الموارد والنفوذ.
وهذا يعني أن بعض أزمات العراق كانت مرتبطة بطبيعة بنية الدولة التي تشكلت منذ تأسيس المملكة، وليس بمجرد وجود الملكية أو الجمهورية.
الخاتمة العامة: الدولة التي تأسست تحت الاحتلال وظلت تبحث عن شرعيتها الوطنية
إن دراسة العهد الملكي في العراق تكشف عن مرحلة تأسيسية شديدة التعقيد، تداخلت فيها المصالح الاستعمارية البريطانية مع الطموحات السياسية للنخب الهجينة والغريبة ؛ والمطالب الشعبية والمحلية، ومع التناقضات الاجتماعية والمذهبية والاقتصادية التي ورثتها الدولة الجديدة من العهد العثماني.
فالمملكة العراقية لم تنشأ في ظروف طبيعية تسمح للمجتمع العراقي باختيار نظامه السياسي وتحديد قيادته بصورة مستقلة، وإنما تشكلت في ظل احتلال أجنبي، أعقبته ترتيبات انتدابية شاركت بريطانيا في رسمها، وكان لها تأثير مباشر في اختيار الملك الغريب ، وتكوين الحكومة الهجينة ، وبناء الجيش، وتنظيم الإدارة، وتحديد طبيعة العلاقات الخارجية.
وكان من أبرز مظاهر هذه المرحلة إسناد العرش إلى الغريب فيصل بن الحسين، القادم من الحجاز، والاعتماد على مجموعة من الضباط والموظفين الذين ارتبطت خبراتهم واصولهم وجذورهم وثقافتهم بالمؤسسة العثمانية السابقة أو بالمشروع الهاشمي، فضلاً عن الاستعانة بالموظفين والمستشارين البريطانيين والكوادر الإدارية القادمة من الهند البريطانية.
ولم تكن المشكلة في أصول هؤلاء الأشخاص وحدها، وإنما في طبيعة النظام السياسي الذي تشكل من خلالهم، وفي مدى استقلاله عن القوة الأجنبية التي أسهمت في إقامته، وفي مقدار تمثيله للمجتمع العراقي بمختلف مكوناته.
ومن أكثر القضايا التي تستحق التوقف عندها ما تعرضت له قطاعات واسعة من الأغلبية الشيعية من تهميش سياسي وتضييق على بعض مرجعياتها وقياداتها، في أعقاب الدور البارز الذي أدته في مقاومة الاحتلال البريطاني وثورة العشرين.
فمن غير المنطقي تاريخياً أن تُدرس ثورة العشرين بمعزل عن نتائجها السياسية والاجتماعية، أو أن يُحتفى بتضحيات العراقيين في مقاومة الاحتلال، ثم يُغفل أثر التحولات التي أعقبت الثورة في إعادة توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة الجديدة.
لقد أظهرت التجربة أن مقاومة الاحتلال لا تضمن بالضرورة أن تكون القوى التي قادتها هي نفسها القوى التي ستتولى الحكم بعد رحيله، وأن القوة الأجنبية قد تتراجع عن الإدارة المباشرة، لكنها تستطيع المحافظة على جانب مهم من نفوذها من خلال بناء تحالفات سياسية وعسكرية وإدارية محلية.
كما أن وجود المؤسسات الدستورية لا يكفي لإثبات سلامة النظام السياسي، ما لم تقترن تلك المؤسسات بالسيادة الوطنية والتمثيل العادل والمشاركة الشعبية والعدالة الاجتماعية.
وفي الجانب الاقتصادي، لا يمكن إنكار ما تحقق من مشاريع ومؤسسات وإيرادات نفطية وتطور إداري، لكن هذه المنجزات المحدودة لم تكن كافية لمعالجة التفاوت الطبقي، والفقر الريفي، والأمية، وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، واختلال توزيع الثروة.
وعليه، فإن العهد الملكي لم يكن فردوساً سياسياً واجتماعياً كما تصوره بعض الخطابات الحنينية، ولم يكن أيضاً مرحلة خالية من الإنجازات البسيطة ؛ بل كان تجربة تأسيسية امتزج فيها بناء مؤسسات الدولة باستمرار النفوذ الأجنبي، والتفاوت الاجتماعي، والاختلال في التمثيل السياسي، والأزمات المتكررة بين السلطة والمجتمع.
والخلاصة أن المشكلة التاريخية الأعمق لم تكن في كون أول ملوك العراق قد قدم من الحجاز، ولا في أن بعض رجال الدولة خدموا الدولة العثمانية سابقاً، ولا في الاستعانة بالخبرات الأجنبية وحدها؛ وإنما في أن تأسيس الدولة لم يقم على مشاركة وطنية متكافئة، وأن القوى التي امتلكت النفوذ العسكري والسياسي الأكبر لم تكن بالضرورة ممثلة لجميع مكونات المجتمع العراقي أو معبرة عن تطلعاتها.
فالدولة الوطنية لا تُقاس بهوية الملك وحدها، وإنما بهوية المشروع الذي يحكمها، ومصدر شرعيته، ومدى استقلال قراره، وعدالة مؤسساته، وقدرته على تمثيل مواطنيه دون تمييز أو إقصاء.
……………………………
المصادر والمراجع الأساسية
1\. حنا بطاطو، الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق. من أهم الدراسات التي تناولت البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للعراق، والضباط الشريفيين، والملاك، والشيوخ، والفلاحين، وعلاقات النخبة بالقصر الملكي
2\. Adeed Dawisha, Iraq: A Political History.
3\. Abbas Kadhim, Reclaiming Iraq: The 1920 Revolution and the Founding of the Modern State.
4\. Rosie Llewellyn-Jones, The British Raj and the British Mandate in Iraq.
5\. Guiditta Fontana, Creating Nations, Establishing States: Ethno-Religious Heterogeneity and the British Creation of Iraq in 1919–23.
6\. Juan Cole, British Policy towards the Iraqi Shiites during the First World War. دراسة عن السياسة البريطانية تجاه الشيعة العراقيين خلال الحرب العالمية الأولى
7\. The British, the Sunnis and the Shi’is: Social Hierarchies of Identity under the British Mandate.
8\. حـاتم محسن جبر، «الموظفون البريطانيون وإدارة الدولة العراقية في عهد الانتداب 1921–1932: دراسة وثائقية للصلاحيات والامتيازات»، مجلة الآداب، جامعة بغداد، 2021.
9\. The Report of the Iraq Inquiry، المجلد الثاني عشر، ويتضمن عرضاً للسنوات الانتدابية والإدارة البريطانية وتطور مؤسسات الدولة.
10\. Encyclopaedia Iranica، مادة Iraq vi. Pahlavi Period, 1921–79، وتتضمن معلومات عن المواقف الشيعية من فيصل ومعاهدة 1922 وإبعاد علماء الدين .
11/. موسوعة “تاريخ الوزارات العراقية” للمؤرخ عبد الرزاق الحسني .
12/. تاريخ العراق المعاصر – العهد الملكي / المؤلف: فيبي مار (ترجمة: مصطفى نعمان أحمد).
13/. سقوط النظام الملكي في العراق / الدكتور فاضل حسين .
14/. دليل المملكة العراقية (لسنة 1935 – 1936) .
15/. عراق نوري السعيد / المؤلف: ليفالديمار جالمان (سفير الولايات المتحدة في العراق سابقاً).
16/. ذكريات من مسيرة الحكم الوطني الملكي في العراق/ المؤلف: باقر السيد أحمد الحسني .


