نوفمبر 4, 2026
1001693195

خالد الغريباوي

تأتي نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة لتشكل منعطفاً سياسياً لافتاً في تاريخ الولايات المتحدة، بعد الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري وتراجع نفوذه أمام التقدم الديمقراطي في الكونغرس ، ولم تكن هذه النتائج مجرد تنافس انتخابي،بل حملت رسائل سياسية عميقة بشأن مستقبل إدارة ترامب واتجاهات السياسة الأمريكية في المرحلة المقبلة.

إن الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري تمثل أكثر من مجرد خسارة انتخابية إنها زلزال سياسي أصاب بنية النفوذ داخل واشنطن ووجّه ضربة مباشرة للمشروع السياسي للرئيس دونالد ترامب وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى الأمريكية وانعكاساتها على الشرق الأوسط.

ورغم أن ترامب لا يزال أمامه عامان في البيت الأبيض فإن هذين العامين لن يكونا امتداداً للمرحلة السابقة فامتلاك السلطة التنفيذية شيء والقدرة على توظيفها سياسياً وتشريعياً شيء آخر. ومع انتقال الأغلبية في الكونغرس إلى الديمقراطيين سيجد ترامب نفسه أمام قيود سياسية ومؤسساتية متزايدة، وستصبح قدرته على تمرير أجندته الداخلية والخارجية أكثر صعوبة. فهو لم يفقد صلاحياته الدستورية لكنه فقد جزءاً مهماً من الغطاء السياسي الذي كان يستند إليه، وأصبح مضطراً إلى التفاوض مع خصومه بدلاً من فرض إرادته.

إن التداعيات الأهم لهذه الهزيمة ستظهر في الشرق الأوسط حيث اعتمدت إدارة ترامب سياسة الضغط الأقصى والتصعيد العسكري ومحاولة فرض معادلات سياسية وأمنية جديدة. في المقابل يميل الديمقراطيون ولا سيما المدرسة السياسية التي يمثلها أوباما إلى توظيف الدبلوماسية والاتفاقات السياسية واحتواء الأزمات دون التخلي عن المصالح الاستراتيجية الأمريكية، وهذا التحول قد يفتح الباب أمام مراجعة كثير من السياسات التي اتبعتها واشنطن خلال المرحلة الماضية.

وفي هذا السياق قد تكون إيران أحد أبرز المستفيدين من التحول الأمريكي فقد أثبتت خلال أشهر المواجهة أن سياسة القوة والضغط لا تستطيع حسم الصراع معها بسهولة وأن استمرار التصعيد يفرض أثماناً باهظة على الولايات المتحدة وحلفائها، ومن المرجح أن تسعى طهران إلى استثمار تراجع الجمهوريين لتعزيز موقعها التفاوضي وإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، خصوصاً إذا اتجهت الإدارة الأمريكية إلى إحياء المسار الدبلوماسي.

أما إسرائيل وبعض الحلفاء العرب فسيجدون أنفسهم أمام معادلة سياسية مختلفة إذ لن تكون قدرة ترامب على توفير الغطاء السياسي المطلق لخيارات التصعيد كما كانت سابقاً وسيكون عليهم إعادة تقييم رهاناتهم في ضوء التوازنات الجديدة داخل واشنطن وما قد تفرضه الأغلبية الديمقراطية من مراجعات وضوابط على السياسة الخارجية الأمريكية.

أما العراق فإنه يقف في قلب هذه التحولات وربما يكون من أكثر دول المنطقة تأثراً بها بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته السياسية والأمنية والاقتصادية مع واشنطن وطهران. وهنا ستكون الحكومة العراقية أمام فرصة مهمة لإعادة صياغة موقعها الاستراتيجي والانتقال من مجرد إدارة التوازنات بين القوتين إلى بناء سياسة وطنية أكثر استقلالية وفاعلية.

وقد نشهد تغيراً في طريقة تعامل بغداد مع الملفات الحساسة وفي مقدمتها الوجود الأمريكي والعلاقات الأمنية وملف الفصائل المسلحة والتعاون الاقتصادي والمالي فضلاً عن طبيعة العلاقة مع إيران، فضعف ترامب السياسي قد يمنح العراق مساحة أوسع للمناورة لكنه لا يعني انتهاء النفوذ الأمريكي أو تراجع أدوات الضغط الأمر الذي يتطلب من الحكومة قراءة دقيقة للمشهد وعدم الانجرار إلى رهانات المحاور.

إن التحدي الحقيقي أمام العراق هو ألا يكون مجرد متلقٍ لتداعيات التحولات الدولية بل طرفاً قادراً على استثمارها لتعزيز سيادته وتثبيت استقلال قراره السياسي وحماية مصالحه الوطنية بعيداً عن صراعات النفوذ الإقليمية والدولية.

نحن أمام عامين مختلفين تماماً في واشنطن فرغم بقاء ترامب في السلطة
فإن خسارة الجمهوريين للأغلبية تعني تراجع قدرته على قيادة مشروعه السياسي بالشكل السابق وما حدث قد لا يغير خريطة الشرق الأوسط بين ليلة وضحاها لكنه بالتأكيد سيغير حسابات اللاعبين فيه، فإيران ستعيد ترتيب أوراقها وإسرائيل ستراجع حساباتها والحلفاء العرب سيعيدون تقييم رهاناتهم فيما سيكون العراق أمام اختبار استراتيجي حقيقة، والسوال هل يستطيع تحويل هذا التحول الأمريكي إلى فرصة لتعزيز مكانته واستقلال قراره أم سيبقى أسير التوازنات التي يصنعها الآخرون؟