
د. فاضل حسن شريف
يُبين الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله في كتاب “التبيان في تفسير القرآن” عند تفسير الآية الكريمة “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (هود 46) تفاصيل عميقة ومباحث جليلة تعكس دقة المنهج التفسيري واللغوي والاعتقادي للشيخ حيث يستهل الشيخ تفسيره ببيان السياق القرآني المتصل بقطع الوصلة بين المؤمنين والكافرين ولو كانوا أقرب الأرحام، موضحاً في قوله تعالى “إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ” (هود 46) أن المراد ليس من أهل دينك وولايتك الذين وعدتك بنجاتهم؛ لأن الناجين هم المؤمنون خاصة دون من كفر، كما ينقل الشيخ الأقوال الواردة في نسبه وموقفه الاعتقادي المؤكد لكون القرابة الدينية والروابط الإيمانية هي الأصل المعول عليه في نظر الشرع لا مجرد النسب الفسيولوجي. ثم ينتقل الشيخ إلى تحليل القراءات والدلالة اللغوية في قوله تعالى “إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ” (هود 46) مبنياً القراءتين المشهورتين؛ قراءة الرفع “عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ” على التقدير: إن سؤالك أو فعله وركوبه في كفره عمل غير صالح، وقراءة النصَب والفعلية “عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صَالِحٍ” برفع الضمير والتعلق بفعل الغائب أي أن الابن قد أتى بعمل كفري غير صالح أخرجه عن أهليتك واستحقاق النجاة، ثم يقف الشيخ الطوسي عند قوله تعالى “فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ” (هود 46) مبيناً أنه نهي لنوح عليه السلام عن طلب ما لا يعلم حقيقته وحكمته الاستحقاقية في نجاته، وتنبيه على وجوب الوقوف عند ما أعلم الله به دون تجاوز للغيب، ثم يخوض الشيخ في توجيه قوله “إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (هود 46) موضحاً الوعظ الإلهي ولطفه بالأنبياء في العصمة والتعليم والتسديد لئلا يقع منهم طلب ما يتنافى مع حكمته وسنته العدلية، وبذلك يخلص الشيخ الطوسي إلى أن الآية تمثل أصلاً اعتقادياً وتربوياً عظيماً في تقدم رابطة العقيدة والدين على كافة الروابط النسبية والنسب.
ابن النبي نوح الذي لم يؤمن وغرق في الطوفان هو ابنه الرابع، واختلف المفسرون في اسمه، فقيل اسمه كنعان وقيل يام. أبرز التفاصيل والقصة في الإسلام: الاسم والنسب: هو ابن النبي نوح عليه السلام، وأمه هي زوجة نوح (واغلة أو نعمة)، وإخوته المؤمنون هم: سام، وحام، ويافث. مصيره: رفض ركوب السفينة مع أبيه، وقال: “سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ”، فحال الموج بينه وبين أبيه وكان من المغرقين في الطوفان. ذريته: مات غريقاً ولم يكن له أي ذرية. القصة القرآنية: وردت قصته في سورة هود “وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (هود 41-47)، حيث نادى نوحٌ ابنه شفقتاً عليه ليؤمن ويركب، لكن الله تعالى أخبر نوحاً بأنه ليس من أهله لقوله: “يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ”، أي بسبب كفره وعمله غير الصالح، وانقطع التكليف والنسب الروحي بين نبي وابنه الكافر. جاء في اسلام ويب عن فقد اختلفت الرواية في اسم ابن نوح الذي لم يسلم، وكان من المغرقين، فقال ابن كثير في تفسيره: هذا هو الابن الرابع، واسمه يام، وكان كافرًا ومثل ذلك في تفسير الطبري، وفي تفسير البيضاوي أن اسمه كنعان، وقال القرطبي: “ونادى نوح ابنه”: قيل: كان كافرًا، واسمه كنعان، وقيل: يام.
جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام: ويرى العلامة الطباطبائي أنّ الابن الذي غرق في الطوفان كان ابنًا حقيقيًا وفعليًا لـنوحعليه السلام. ويُستنبط ذلك من نوع الخطاب في الآية 42: “يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا” (هود 42)؛ إذ إنّ هذا الخطاب يدلّ على شفقة ورحمة المتكلم، ويُفهم منه أنّ الأب يحبّ ابنه، ويريد له الخير. وفي تفسير الأمثل، ومجمع البيان، وتفسير الطبري أيضًا، عُدّ القول بأنّ ابن نوح ابنٌ حقيقيٌ، هو الرأي الأصح. عدم علم نوح عليه السلام بكفر ابنه: ذهب كثير من المفسرين إلى أنّ كفر الابن لم يكن ثابتًا عند نوحعليه السلام؛ ولذلك دعاه ليركب السفينة؛ لأنّه لو كان كفر الابن ثابتًا عنده، لما دعاه ليركب السفينة. فقد دعا النبي نوحعليه السلام من قَبل على الكافرين، وطلب من الله تعالى ألا يترك منهم أحدًا حيًا على الأرض، واستثناء الابن من هذا الدعاء بسبب علاقة البُنوّة غير مقبول. ويرى بعض المفسرين أنّ طريقة رواية الحوار بين نوحعليه السلام وابنه في القرآن الكريم دليل على عدم علمه بكفر ابنه، ويقولون: لو كان النبي نوحعليه السلام يعلم بكفر ابنه لقال «ولا تكن من الكافرين» بدلًا من قوله “لَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ” (هود 42) فالجملة الأولى، أي الموجودة في القرآن الكريم، تفيد معنى المشاركة في البلاء، أو المعيّة والمجالسة، وهذا يدل على أنّ النبي نوحعليه السلام لم يكن يعلم بكفر ابنه؛ ولذلك قال له: لا تشارك الكافرين في العذاب. واعتبر العلامة الطباطبائي أنّ ظاهر الآيات يدلّ على أنّ الله وعد نوحًا بإنقاذ أهله وأسرته من الطوفان، ولأن نوحًا لم يكن يعلم بكفر ابنه، فقد ذكر هذا الوعد في الآية 45 من سورة هود.
وفقاً لما ذكرته المصادر والتفاسير التاريخية والدينية، فقد اختلف الرواة والمفسرون في تحديد العمر الدقيق لابن نوح الذي كفر وغرق في الطوفان (والمعروف في بعض المصادر باسم “كنعان” أو “يام”). ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة النبوية نص صريح يحدد سنّه بالسنوات عند وقوع الطوفان، بل اقتصر الذكر على أنه كان شاباً أو رجلاً عاصياً وُصف في النص القرآني بأنه كان في “مَعْزِلٍ” ورفض ركوب السفينة مع أبيه. أما في كتابات وتفاسير أهل الأثر والتاريخ، فقد جاءت تقديرات مختلفة تعتمد على الروايات التاريخية القديمة: ذكر بعض الإخباريين والمفسرين أنه كان بالغاً ولهم تقديرات غير جازمة تراوحت بين بضعة عقود إلى مئات السنين بناءً على أعمار الناس طويلة الأمد في تلك الفترات المبكرة من التاريخ البشري. بينما يرى فريق آخر أن التفاصيل التاريخية لم تحدد رقماً ثابتاً لسنّه، وكان التركيز الأساسي على موقفه واختياره عدم الإيمان وتأكيد أن النسب لا ينفع مع الكفر.
في كتب التفاسير والتاريخ الإسلامي، لم يثبت نص صريح ومباشر يقطع ببيان الحالة الاجتماعية لابن نوح عليه السلام الذي غرق (المشهور باسم يام أو كنعان)، ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة النبوية ما يشير إلى كونه كان متزوجاً أو غير متزوج. إلا أن بعض أهل الأثر والمفسرين كابن جرير الطبري وابن كثير أشاروا عند حديثهم عن نسل نوح عليه السلام وأولاده بعد الطوفان إلى ما يلي: انقراض نسله (إن وجد): يرى جمهور المفسرين أن ابن نوح الذي كفر وغرق لم يترُك عقباً أو ذرية باقية؛ استناداً لقوله تعالى: “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ”، حيث يذكرون أن الناجين من الطوفان وذرية نوح المؤمنين (سام، وحام، ويَافِث) هم فقط الذين امتد نسلم إلى البشرية بعد ذلك. روايات الإسرائيلية والتاريخ القديم: ورد في بعض كتب الإخباريين القدامى ذكر زوجات لأبناء نوح في السفينة (ثلاث زوجات لأبنائه الثلاثة المؤمنين)، ولم يذكروا وجود زوجة للابن الرابع الذي اعتزل وركب الجبل. بناءً على ذلك، فالمرجح عند المفسرين أنه مات دون أن يترك ذُرية باقية، وتظل تفاصيل زواجه من عدمه من الأمور السكوت عنها لعدم وجود نص صحيح يثبتها.
تتناول المصادر والروايات المأثورة عن أهل البيت عند الشيعة الإمامية خبر ابن نوح الذي غرق في الطوفان من أبعاد عقائدية وتفسيرية متعددة، وتتلخص التفاصيل المتعلقة بعمره وحالته الاجتماعية فيما يلي: العمر عند الغرق: لم تحدد الروايات المروية عن الأئمة رقماً عيناً أو سناً مخصصاً لـ “كنعان” (أو يام)، بل تشير إلى أنه كان رجلاً بالغاً مكلفاً يمتلك الكسب والإرادة المستقلة، ومدركاً لدعوة أبيه وحقيقة الطوفان، مما جعله حقيقاً بالعقاب الإلهي حين اختار الاعتزال والصعود إلى الجبل. حقيقة بنوّته وحالته الاجتماعية: وردت روايات عن الإمامين الباقر والصادق تشرح قوله تعالى “إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكِ” (هود 46) بأنها تنفي المعية في الدين والولاء لا النسب التكويني؛ فهو ابنه صلباً لكنه خرج عن أهليته بالشرك والعصيان. ولم تذكر المصادر الشيعية وجود زوجة له أو ذرية، بل اتفقت المرويات على أن نسل نوح الممتد للبشرية إنما جاء محصوراً من أبنائه المؤمنين الذين حملهم معه في السفينة (سام، وحام، ويافث).
اختار النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم عليا مصداقا لنفسه كما جاء في احاديث شريفة انه نفس علي وهو لا ينطق عن هوى”وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى” (النجم 3-4)، وفاطمة مصداق للنساء ليس فقط كونها ابنته بل تحمل عقيدته لان زوجة نوح عليه السلام مثال لمصداق النساء التي لا تحمل عقيدة ازواجهن بل عدوة الله “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ” (التحريم 10)، والحسن والحسين ابناء الرسول ومن اهله لانهما يحملان عقيدته وان لم يكونا من صلبه المباشر كون ابن نوح عليه السلام من صلبه ولكن ليس من اهله “قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ” (هود 46). وكان مسير النبي محمد اولا تليه فاطمة ثم علي وبعده الحسن والحسين عليهم السلام للدلالة على ذرية النبي المتعاقبة كما هي ذرية الانبياء السابقين والتي اشارت اليها ايات سورة ال عمران من اية 33 الى 61 ومنها “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم” (ال عمران 33-34). ان لكل نبي ثقل من اهله كما جاء في الحديث الشريف (ان لكل نبي اهلا وثقلا وهؤلاء اهل بيتي وثقلي) مشيرا الى علي وفاطمة والحسن والحسين عليه السلام” فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ” (ال عمران 61).