الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في موقع طريق الاسلام عن أخذ العبرة في حياتنا: المراجعات والتوقُّف والكشف عما أحدثناه من ثغرات تسببت لنا بالخسائر لا يعني بالضرورة أن كل ما نتعرض له مما يسوؤنا من مصائب أو أوجاع أو متاعب لها سبب مباشر منا، فلله في الوقائع والأحداث حِكَم ندرك بعضها، ويخفى عنا الكثير منها، والله قد بيَّن في كتابه أنه يعفو عن كثير مما نقع فيه ونستحق العقوبة عليه “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” (الشورى 30). ففي بعض مصائبنا رسائل تذكيرية أن ننتبه ونتوقف ونستغفر ونصلح ما قد فسد من الأعمال والأفكار والنيَّات، فالمقصود إذن هو الاعتبار الذي حثَّنا الله عليه وأمرنا به في كتابه “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى” (النازعات 26)، والاعتبار لا يكون بالغير فقط، بل بأنفسنا وما يقع عليها ومنها مجال واسع كذلك للاعتبار وأخذ العظة والفهم، وهذا ما تعلمنا إيَّاه آيات ربنا: “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ” (آل عمران 165). فأخذ العبرة مما يمرُّ بالإنسان، ومما يراه في واقعه مما يقع لغيره ومن المجتمعات، بل من الأمم كافة ومن تاريخها الماضي كذلك لهو مطلوب الله منا حثتنا عليه آياته ولفتتنا إلى أهميته: “فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ” (الحشر 2)، فما الآيات التي نزلت تعقيبًا على بعض مواقف المجتمع النبوي وآيات الدعوة للتفكر في عواقب الأمم السابقة إلا من أجل المراجعة ومحاسبة النفس والانتباه الدائم للأفكار والقيم والسلوكيات التي نسير بها في الحياة. وإذا كان هناك من ينتبه ويعرف أثر خطواته وأفكاره وقيمه على نفسه وحياته وعلى الآخرين، وتلك نعمة اليقظة والاتعاظ بالنفس، لكننا في الغالب لا نجد ذلك الاتعاظ واقعًا، ولا تجد النفس أثره إذا كان الإنسان غافلًا لا يراجع نفسه ولا يحاسبها على أخطائها، ويكتفى إما بمحاسبة الآخرين أو الذهاب إلى أقصى الطرف الآخر وهو لوم النفس وتقريعها الدائم وجلدها بالمشاعر السالبة حتى تفقد بريقها ورغبتها في الإصلاح والانتباه والنهضة من عثراتها. وإن أخذ العبرة والدروس من حياتنا كأفراد مما يعين المجتمع على المدى البعيد إذا كنا نرجو له صلاحًا ونريد أن ننفع أمتنا ونعيد لها دورها في النفع والإصلاح والتأثير، لذلك فإن أفضل ما يمكن أن نسديه إلى أنفسنا من خير أن تكون لنا وقفات ومراجعات في اليوم وفي الشهر وفي العام وفي مراحل العمر المختلفة، ولعل التدوين أو المناقشة مع من نثق بهم مما يعين على ذلك. ولا ينبغي أن نهمل أوقات الخلوة مع النفس والتأمل في مساراتها حتى تعتاد النفس على ذلك فلا تستثقله وتتهرب منه، بل يصبح خلقًا وعادةً أن ندرس أحوالنا ونعتبر بها، نسدد صوابها ونصحح خطأها فنستعيد ثقتنا بفهمنا وطريقنا ونفيد من خيره غيرنا.
جاء في كتاب ثورة العشرين ودورها في تأسيس الدولة الطائفية للدكتور عبدالخالق حسين: ننقل هنا مقتطفات من كتاب العلامة علي الوردي حول هذا التقارب الطائفي، إذ قال: “استفحل التقارب الطائفي في النصف الثاني من رمضان بشكل لم يسبق في العراق له مثيلاً من قبل. وقد اتضح ذلك بوجه عام عند مجيء وفد من الكاظمية لحضور حفلات بغداد إذ كان الوفد يأتي إلى بغداد بعربات الترامواي وعلى رأسه السيد محمد الصدر، فإذا قاربت العربات أول الدور من بغداد خرج لاستقبالها أهالي الجعيفر والسوامرة والتكارتة وغيرهم يحملون الشموع ويهللون ويكبرون. وإذا وصلت العربات المحطة كان في استقبالها جمهور غفير من أهل بغداد وفي مقدمتهم أحمد الشيخ داود أو غيره من علماء السنة، فيتعانق الشيخ والسيد عناقاً أخوياً كرمز للتآخي بين الطائفتين، وعند هذا يعج الجمهور بالصلاة على محمد وآل محمد. ويحدث مثل هذا حين يذهب وفد الأعظمية إلى الكاظمية، أو فد الكاظمية إلى الأعظمية. كما وحدثت في الكرخ حيث تألف موكب اللطم من محلتي السوامرة والتكارتة، ومحلة الشيخ بشار للمشاركة في العزاء، ويقال أن بعض اللاطمين أصيبوا في اليوم التالي بألم في صدورهم لأنهم لم يتعودوا على لطم الصدور من قبل. وكتبت جريدة (الاستقلال) في هذه المناسبة تقول: أن المآتم الحسينية اشترك فيها هذه السنة جميع المسلمين، فكنت تشاهد فوجاً من الشيعة ومعه أفواج من أهل السنة، كما تشاهد مشعلاً للشيعة ومعه أضعافه لأهل السنة. وفي اليوم العاشر من محرم ذهب الجميع إلى الكاظمية للاشتراك في الواقعة. ولكن هذا التقارب الطائفي لا يعني أن الجميع كانوا راضين عنه، إذ ذكرت المس بيل في أحد تقاريرها السرية البعض من هؤلاء ومن بينهم، سليمان فيضي الذي قال لها ما نصه: “أنتم لا يمكن أن تتركوا الأمور تجري على هذا المنوال الذي تجري عليه الآن ” ويضيف: “ويمكن أن أقول استطراداً أن هذا الاتحاد المتباهي بين الشيعة والسنة هو من أبغض الأمور إلى نفسي، ويجب أن أعتبر سيطرة الشيعة كارثة لا يمكن تصورها”. أما السيد عبدالرحمن النقيب فقد قال لمس بيل في حديثه معها جاء فيه: “خاتون، أن أمتكم أمة عظيمة وثرية قوية، فأين قوتنا نحن؟ وإنني إذ أقول مثل هذا القول أريد أن يدوم حكم الانكليز، فإذا أمتنع الإنكليز عن حكمنا فيكف أجبرهم على ذلك؟ وإنني أعترف بانتصاركم، وأنتم الحكام وأنا المحكوم”. ثم تطرق إلى الشيعة فأخذ يذمهم ذماً قبيحاً إذ قال: “إن أبرز صفة تميِّزهم هي الخفة، فهم أنفسهم قتلوا الحسين الذين يعبدونه الآن كما يعبدون الله. فالتقلب والوثنية تجتمعان فيهم فإياك أن تعتمدي عليهم”.
جاء في صوت الأمة العراقية عن ثورة العشرين بين التقييم الوطني والموقف الشيعي للكاتب سلمان رشيد الهلالي: اذا تركنا الجدل العقيم جانبا حول صحة الفشل الحكومي وحقيقته وماهيته وطبيعة النظام السياسي التوافقي والمحاصصة التي يشترك فيها جميع مكونات الشعب العراقي من الشيعة والسنة والكورد والاقليات الاخرى وسلمنا جدلا ان الحكم في العراق هو فقط (شيعي فاشل) فما علاقة المذهب والتاريخ والهوية الشيعية بذلك ؟ ولماذا لم يطلق على النظام البعثي السابق بالحكم السني الفاشل؟ ان اغلب دول العالم الثالث تصنف في تقارير الامم المتحدة ضمن خانة الدول الفاشلة وغير الرشيدة من ناحية التحول الديمقراطي والتنمية والحريات والتعددية والفساد والاستئثار بل ربما يكون العراق افضل حالا منها في كثير من المجالات مثل المستوى الاقتصادي للفرد والحريات والتعددية السياسية والثقافية وغيرها ولكن مع ذلك لم تتهم تلك الدول بمذاهبها وتاريخها وهويتها. فالدول العربية التي تعاني اليوم من اختلالات خطيرة مثل مصر وليبيا والسودان والمغرب والجزائر واليمن وسوريا من الفتن والحروب الاهلية والحصار والفقر والفساد وانتشار العصابات والدعارة وغيرها لم نجد ان تلك المجتمعات اتهمت مذاهبها وهويتها وتاريخها او ادعت انها غير جديرة بالحكم وانما تقول ان الحزب الفلاني او الرئيس العلاني هو الفاشل وغير جدير بالحكم عدا الحالة الشيعية الوحيدة في العالم التي حصل فيها التمدد للتاريخ والهوية والمذهب. فيما كان المفترض ان يقال ان الاحزاب الدينية قد فشلت والحل بالخيار العلماني الاخر وتنتهي المشكلة دون تعقيد ولكن يبدو ان سطوة الاعلام الطائفي والعربي الذي هو وراء تلك الهزيمة الذاتية والاستلاب والنقص لايريد الفصل بين العلماني الشيعي والاسلامي وانما يريد اتهام الجميع واسقاطهم ورفضهم حتى يحقق اهدافه الطائفية والسياسية. وان الامر واضح للعيان عند كل من يملك بصيرة او رؤية وان هناك ارادات اقليمية خليجية واعلامية واموال تدفع بهذا الاتجاه تريد النيل من الجماعة الشيعية وتاريخها وهويتها ورموزها حتى يبقى النسق السابق القائم على الشعور بالدونية والاستلاب والنقص ومن ثم التمهيد للهزيمة الذاتية التي تكون مقدمة للهزيمة السياسية وفقدان المشاركة في الادارة والحكم والعودة للاستبداد والعبودية والديكتاتورية. في الواقع ان النزعة الدونية في المجتمع الشيعي العراقي بعامة والكتاب والمثقفين الاكاديميين بخاصة قد اصبحت من المسلمات التي قد لايختلف عليها اثنان وتجدها يوميا عند العشرات من االكتاب الذين ينشرون اراؤهم بالفيس بوك او في المقالات بالانترنت التي لاهم لها غير مهاجمة التشيع ورموزه وتاريخه بل واصبح يعترف بها حتى المخصيين المصابين بها انفسهم من اجل ابعاد هذه التهمة عن تصرفاتهم ويلقونها على الاخرين من خلال الطريقة العراقية المعروفة بخلط الاوراق والتزييف وغيرها واصبح الخلاف الان بين المختصين حول سبب هذه الدونية واستفحالها وانتشارها وتمددها للجيل الجديد من الشباب والمراهقين الذين لم يعيشوا مرحلة الخصاء والتدجين والترويض البعثي والطائفي. كما لابد ان نشير الى الفرق بين مفهوم الخصاء عند الانتلجنسيا الشعية في العراق والذي ذكرناه عشرات المرات بمقالاتنا السابقة الموجودة بموقع الحوار المتمدن وبين الدونية عند الشيعة. (واهمها المقال – عقدة كيس الحاجة عند المثقفين الشيعة والكورد والمسيحيين) فالخصاء باختصار هو عدم قدرة الكاتب والمثقف الشيعي على نقد المركزية السنية والقومية العربية وماتبعها من افرازات من قبيل الاستبداد والبعثيين والارهابيين والاعلاميين والكتاب التابعين لها وغيرهم وبالاسم الصريح. والدونية هى التملق للمركزية السنية والشخصيات التابعة لها والدفاع عنها ضد اي هجوم – وخاصة اذا كان المهاجم شيعي – وتبرير اعمالها ومواقفها وتبييض صفحاتها وخاصة السوداء منها. واما سبب تركيزنا على مفهوم الخصاء والدونية عند الجماعة الشيعية في العراق هو الرغبة بسحبها من اللاشعور الى الشعور او من اللاوعي الى الوعي من اجل التحرر منها والسيطرة عليها. فكلنا يعلم ان الخصاء والدونية هى سلوكيات لاواعية وتصرفات لاشعورية لايعلم بها الانسان المصاب بها لانها في الاصل نوعا من الاختلالات النفسية التي تحصل عند الافراد الذين يعشون في ظل حكومات استبدادية وشمولية واقصائية (مثل الشيعة في العراق) او ضمن جماعات واقليات مهمشة ومستهدفة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا (مثل الكورد والمسيحيين) ومسؤولية الكتاب والمثقفين الواعين بالظاهرة هى عرضها ودراستها وتحليلها وتعريتها وتفكيكها والقاء الضوء عليها حتى يمكن للاخرين المصابين بها التحرر منها والتخلص من تاثيرها وعدم ابقائها ضمن نطاق اللاشعور. وابرزهم مظاهر الدونية والاستلاب عند الشيعة هو مايمثله بعض الشيوعيين العراقيين حول ثورة العشرين. فمن المعروف ان الحزب الشيوعي العراقي يحتفي رسميا بثورة العشرين ويعتبرها اولى حركات التحرر في تاريخ العراق المعاصر بل وربما اعتبرها احدى تاثيرات الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا عام 1917. الا ان الكثير من الشيوعيين الشيعة وتحت تاثير الدونية اللاشعورية والخصاء المعروف اخذ بمهاجمة ثورة العشرين بدعاوى ليبرالية !!! في ان الانكليز قد بنوا العراق الحديث وجلبوا له التمدن والتحضر والخلاص من الدولة العثمانية. وهو طبعا من اغرب الاراء ليس بسبب تلك المقولات التي ذكروها وانما خروجها من شيوعي ثوري متطرف. فالشيوعي العراقي الشيعي يكون شيوعي وثوري في جميع المواقع والاحوال عدا في الحالة الشيعية فانه يكون يميني ومحافظ بل وربما رجعي وسعودي وعروبي وهو مايدعم راينا السابق الذي ذكرناه عشرات المرات وعرضنا حوله امثلة لاتحصى حول ان الشيوعي الشيعي في العراق لايتصرف كشيوعي ويساري في اغلب الاحيان ولاتنطلق اراؤه وكتاباته وفق هذا المعيار وانما تنطلق من شيعيته المازومة وذاته المخصية وشخصيته المستلبة وشعوره بالدونية والنقص والضعة امام الاخر القومي والعربي والسني واخرها موقف الكاتب رشيد الخيون من ثورة العشرين والتهكم عليها والنيل منها بل ودعم رؤية المس بيل والحاكم بول بريمر عن الشيعة.