الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
قال الامام زين العابدين عليه السلام (وقد علمتُ أنه ليس في حكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة، وإنما يعجل من يخاف الفوت، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف. وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علواً كبيراً). والظالمون يخافون من الناس فيعجلون في ظلمهم. عليك بمعالجة الضعف بالدواء بان لا تعجل، والا تصبح العجلة مصدر شر لا خير “وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا” (الاسراء 11).
أما المسارعة إلى فعل الخيرات وانتهاز فرص النجاح عكس العجلة المذمومة فهو امر محمود قال تعالى: “وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ” (آل عمران 133). العجلة عكس الصبر والرفق قال الرسول (من حُرم الرفقَ حُرم الخيرَ كله).
وعندما ينزل بلاء او فقدان المال يقول الأنسان مستعجلا ربي خذ عمري بدلا من يارب سهل امري وطلب الفرج “وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا” (الاسراء 11). دائما اسأل الله العافية وان يهون عليك المصائب والصبر “كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ” (القيامة 20)، و “مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا” (الاسراء 18)، و “إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا” (الأنسان 27). وحتى في الحياة الاجتماعية فالعجلة ام المشاكل مثل الذي يجعل مؤخر المهر مبلغ عال جدا لا يستطيع تسديده بسبب رغبة عاطفية.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: وقوله: “بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا” ﴿الكهف 58﴾ أي ملجأ يلجؤون منه إليه بمنزلية الحكم الصادر عنه بما فيه إرضاء الجانبين ومراعاة الحقين فاعطي وصف الأنتقام الإلهي باستدعاء مما كسبوا أصل العذاب وأعطيت صفة المغفرة والرحمة أن يؤجل العذاب ولا يعجل، وعند ذلك أخذت المغفرة الإلهية تمحو أثر العمل الذي هو استعجال العذاب، والرحمة تفيض عليهم حياة معجلة. جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي. قال الله سبحانه “وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ” (يونس 11) لقضي أجلهم أي جاء وقت موتهم. جاء في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي بأن الله سبحانه إذا جازى المسيئين على أعمالهم بنفس العجلة التي يجب بها هؤلاء تحصيل النعم والخير، فستنتهي أعمار الجميع ولا يبقى لهم أثر كما جاء في سورة يونس. إلا أن لطف الله سبحانه لما كان شاملا لجميع العباد، حتى المسيئين والكافرين والمشركين، فلا يمكن أن يعجل بعذابهم وجزائهم لعلهم يعون ويتوبون، ويرجعون عن الضلال إلى الحق والهدى.
قال علي عليه السلام (وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت). واستعجل البعض في يوم الغدير سألوا نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم “سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ” (المعارج 1) يا محمد؟ أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. فهذا شئ منك أم من الله؟ فقال رسول الله: والذي لا إله إلا هو أن هذا من الله. فولوا مرددين قوله تعالى “وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” (الأنفال 32).
العجلة عكس التبيان والتثبت من اخبار الفساق “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” (الحجرات 6). ورد كثيرا في اللغة أم ترادف اسم اخر مثلا أم الكتاب هي الفاتحة، تسمى مكة أم القرى “وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا” (الأنعام 92)، يقال أم الفضائل للعلم بينما أم الرذائل للجهل، ويطلق على الخمر أم الخبائث، والعجلة ام الندائم، والحنطة ام الطعام. من المصطلحات الحديثة عجلة الأنتاج. والعجلة اسم يطلق على المركبة او السيارة.
قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ” (القيامة 16)، و “فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ” (الاحقاف 35) وهذا ارشاد قرآني للبشرية عن طريق رسول البشرية صلى الله عليه وآله وسلم القائل (التَّأَنِّي مِنَ اللهِ وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ).
قال أبو حاتم البستي (إن العَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، والعجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تسميها أم الندامات). قال الراغب: (العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة في عامة القرآن، حتى قيل: العجلة من الشيطان). قال المناوي ( التأني: التثبت في الأمور). قال ابن القيم (العجلة من الشيطان، فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب له أنواعاً من الشرور، وتمنعه أنواعاً من الخير وهي قرين الندامة).
ورد فى القرآن الكريم ركوب السفن “وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا” (هود 42) وكذلك قال الله تعالى “لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍۢ” (الأنشقاق 19) ورد انها تمثل تطور وسائط النقل ةهي خلق غير وسيلة ركوب الحيوانات كما قال الله تعالى “وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (النحل 8) وفعل يخلق جاء بالمضارع اي صناعة وسائا اخرى لم تعرف في ذلك الزمان وسوف تصنع وسائل اكثر تطورا في المستقبل كما قال الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام.
قال الشاعر: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ * وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ. قال العلامة السعدي رحمه الله: من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها أنه إذا أخبرهم فاسق بنبأ أي: خبر أن يتثبتوا في خبره ولا يأخذوه مجرداً فإن في ذلك خطراً كبيراً ووقوعاً في الإثم…فالواجب عند سماع خبر الفاسق التثبت والتبين فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه عُمِل به وصُدّق وإن دلت على كذبه كُذّب ولم يعمل به ففيه دليل على أن خبر الصادق مقبول وخبر الكاذب مردود وخبر الفاسق متوقف فيه. فمن صدق مرة فقد يكذب مائة كذبة فينبغي التنبه لذلك ومن ثبت صدق خبره فلا ينبغي التعجل بنشره وإذاعته قال الله عز وجل “إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا” (النساء 83).