المشاعر بين ظلام الجهل ونور الفهم

رياض سعد

هل نملك مشاعرنا… أم نحن المملوكون لها؟

سؤال ينغرس كإبرة في سويداء القلب ، يهزّ يقين الإنسان في ذاته وفي “مَن يحكم مَن” داخل مملكة النفس.

يبدأ كل شيء من هناك، من اللحظة التي لا نولد فيها بل نتسرّب إلى الوجود كزفرةٍ ضائعة في ليلةٍ ضبابية.

نحن لا نأتي إلى العالم كصفحة بيضاء، بل كلونٍ شفاف ينتظر أن يُلطّخ.

يرشّ علينا العالم توابل العائلة : سُكّر الحنان، ملح القسوة، خلّ الخوف…الخ ؛ فنُخمّر في براميل الطفولة دون أن ندري أن مذاق أرواحنا ليس لنا، بل للآخرين الذين سكبوها فينا قطرةً قطرة ... .

هل حزني هذا أنا؟

أم هو ظلّ الغرفة التي اختبأتُ فيها صغيرًا، أبكي بصمتٍ تحت بطانية من الذعر؟

هل فرحي نابع مني … ؛ أم هو رجعُ صوتٍ قديم قال لي “أحسنت” حين أطعت، لا حين فهمت؟

وهنا نتساءل مع سبينوزا: “إذا لم تفهم مشاعرك، فسوف تحكمك.”

إن المشاعر ليست من القلب كما توهّمنا…؛ بل هي كائنات دقيقة، تعيش في مختبر العقل، تتغذى على الصور، تنمو في ظلال الذكريات … ؛  تتنفس حين نتذكّر… :  لمسة، أو دفعة، أو همسةً منسية.

كل شعور يزورنا ليس طارئًا…؛ بل رسولٌ من عمقك، يحمل رسالةً بلغةٍ نسيتها…

رسالة من “أنت” إلى “أنت الذي غاب”.

هل يمكن السيطرة على المشاعر؟

ليس بالقمع، ولا بالهرب، بل بالنظر في المرآة التي أشعلت النار…؛  لا في النار ذاتها.

اسأل الشعور :من أرسلك؟

ما الفكرة التي أنجبتك؟

هل أنت خوفٌ من الفقد…؛ أم فقدٌ قديم ارتدى قناع الخوف؟

يرى سبينوزا أن العاطفة ليست عدوًا، بل فكرة مرتبطة بتغيّر في الجسد.

وفهم هذه الفكرة يعني امتلاك السلطة عليها، لا أن تمتلك هي زمام قراراتك.

فالعقل لا يجب أن يُقصى أمام سطوة العاطفة، بل أن يفهمها، يفكّكها، ويقودها إلى نور الوعي… ؛ وعندها فقط…؛ عندما ترى الغضب كصرخة جرحٍ لم يلتئم، وترى الحب كنداء اتحاد لا كشبكة امتلاك ، وتفهم أن الحزن ليس قدرك، بل تأويلك له…؛ تبدأ أولى خطواتك نحو التحرّر.

المشاعر ليست أغلالًا… بل مفاتيح.

وليست خصمًا… بل خريطة.

نحن لا نتحرر منها… بل نتحرر من جهلنا بها.

وهكذا يصبح فهم المشاعر ليس رفاهًا…

بل ضرورة للنجاة من العبث، من التكرار، من الضياع في دهاليز الذات.

فكما قال سبينوزا، في حكمةٍ لم تُثبت نصًا ولكنها تُجسّد فلسفته:

“إذا لم تفهم مشاعرك… فسوف تحكمك.”

وهذا الحكم، لا يُنطق به من محكمة العقل… بل من دهاليز اللاوعي.

فإما أن تفهم نفسك، أو تبقى عبدًا لما لا تفهمه.