مفهوم الاصطفاء في القرآن الكريم عند الشيخ المكراني (ح 1)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن دار السيدة رقية للقرآن الكريم: الاصطفاء والاجتباء للشيخ عبد الجليل المكراني: الاصطفاء في الروايات الشريفة: جاء في الروايات الشريفة الواردة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام (عليهم السلام) في الاصطفاء والاجتباء والاختيار الشيء الكثير، منها، ما أورده الصدوق في ذكر ما اختار الله تعالى من بين مخلوقاته، فروى بسنده إلى موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنّ الله تبارك وتعالى اختار من كل شيء أربعة: اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام، واختار من الأنبياء أربعة للسيف إبراهيم وداود وموسى وأنا، واختار من البيوتات أربعة، فقال: “إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين” (آل عمران 22)). وفي رواية (الكافي) بسنده إلى علي بن يقطين، عمّن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام أن يا موسى، أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: يا رب ولم ذاك؟ قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن يا موسى إني قلبت عبادي ظهراً لبطن فلم أجد فيهم أحداً أذل لي نفساً منك. يا موسى، إنّك إذا صلّيت وضعت خدك على التراب). وفي رواية ثالثة عن معاوية بن ثعلبة الكعبي، قال: لما قدم أبو ذر الغفاري مكة دخل المسجد وأخذ بحلقة باب الكعبة، ثم استقبل الناس بوجهه فقال: أيها الناس، “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (آل عمران 34). قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيته: الأسرة من نوح، والآل من إبراهيم، والصفوة والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد عليه وعليهم السلام. شرف شرفهم وبه أخذوا الفضل من فوقهم. فهم فينا كالسماء المرفوعة، والجبال المنصوبة، والكعبة المستورة، والشجرة الزيتونة، أضاء زيتها وبورك زبدها، وكالشمس الضاحية، والنجوم الهادية. ومن الأوصياء وصي آدم في علمه ومعدن العلم بتأويله، وإمام المرحومين، وقائد الغرّ المحجلين، والصديق الأكبر علي بن أبي طالب عليه السلام. فهذه وغيرها من الروايات التي ملأت بطون الكتب الحديثية بذكر هذا المقام وأهله وكيفية تعلّق الإرادة الإلهية في اختيار واصطفاء من له صلاحية أن يكون أسوة وقدوة يقتدى به فكراً وعملاً.

ويستطرد الشيخ المكراني قائلا عن الاصفاء: بعض أقوال علماء الإمامية في الاصطفاء: لم تخلُ كتب علماء الشيعة الإمامية من ذكر الاصطفاء والمصطفين الذين اختارهم الله مما يكشف عن اتفاقهم في المقام بشأن ما ورد في القرآن الكريم ومتون الروايات الشريفة بحق المصطفين وكيفية تعلّق الإرادة الإلهية بهم، والأهداف التي لأجلها اختارهم الله تعالى. ومن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” (آل عمران 33).قال الشيخ الطوسي قدس سره في ذلك: (اصطفى: اختار واجتبى، وأصله من الصفوة، وهذا من حسن البيان الذي يمثل فيه المعلوم بالمرئي، وذلك أنّ الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد، فمثّل به خلوص هؤلاء القوم من الفساد لما علم الله ذلك من حالهم؛ لأنّهم كخلوص الصافي من شائب الأدناس. فان قيل: بماذا اختارهم، أباختيار دينهم أو بغيره؟ قيل: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بمعنى أنّه اختار دينهم واصطفاه، كما قال: “وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ” (يوسف 82) وهذا قول الفراء. والثاني: قال الزجاج واختاره الجبائي أنّه اختيارهم للنبوّة على عالمي زمانهم. الثالث: قال البلخي: بالتفضيل على غيرهم بما رتّبهم عليه من الأمور الجليلة، لما في ذلك من المصلحة. والاصطفاء هو الاختصاص بحال خالصة من الأدناس، ويقال ذلك على وجهين: يقال: اصطفاه لنفسه، أي جعله خالصاً له يختصّ به. والثاني: اصطفاه على غيره، أي اختصه بالتفضيل على غيره، وهو معنى الآية). ثم ذكر إشكالاً مقدراً ربّما يتبادر في ذهن البعض، وهو كيف يمكن أن يقدّم الله تعالى اصطفاءهم، قبل امتحانهم واختبارهم وتكليفهم بالواجبات والأعمال؟ وأجاب عن ذلك قائلاً: (إذا كان في المعلوم أنّ صلاح الخلق لا يتمّ إلاّ بتقديم الأعلام لذلك بما قدم من البشارة بهم، والإخبار بما يكون من حسن أفعالهم، والتشويق إليهم بما يكون من جلالتهم، إلى غيره من الآيات التي تشهد لهم، والقوى في العقول والإفهام التي كانت لهم، وجب في الحكمة تقديم ذلك؛ لما فيه من حسن التدبير. فان قيل: من آل إبراهيم؟ قيل: قال ابن عباس والحسن: هم المؤمنون الذين على دينه، فيكون بمعنى اختصهم بميرة كانت منهم على عالمي زمانهم. وقيل: آل عمران هم آل إبراهيم كما قال: “ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ” (آل عمران 34) فهم موسى وهارون ابنا عمران. وقال الحسن: آل عمران المسيح؛ لأنّ أمّه مريم بنت عمران. وفي قراءة أهل البيت: (وآل محمد على العالمين). وقال أيضاً: إنّ آل إبراهيم هم آل محمد الذين هم أهله.

وقد بيّنا فيما مضى أنّ الآل بمعنى الأهل، والآية تدلّ على أنّ الذين اصطفاهم معصومون منزهون، لأنّه لا يختار ولا يصطفي إلاّ من كان كذلك، ويكون ظاهره وباطنه واحداً. فإذاً يجب أن يختص الاصطفاء بآل إبراهيم وآل عمران من كان مرضياً معصوماً سواء كان نبياً أو إماماً). وقال الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان): (الاصطفاء والاختيار والاجتباء نظائر، وهو افتعل من الصفوة. وهذا من أحسن البيان الذي يمثّل به المعلوم بالمرئي، وذلك أنّ الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد. فمثّل الله تعالى خلوص هؤلاء القوم من الفساد بخلوص الصافي من شائب الأدناس). وقال أيضاً في تفسير الآية الكريمة المتقدمة: (أي: على عالمي زمانهم بأن جعل الأنبياء منهم. وقيل: اختار دينهم كقوله: “وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ” (يوسف 82) عن الفراء. وقيل: اختارهم بالتفضيل على غيرهم بالنبوّة وغيرها من الأمور الجليلة التي رتّبها الله لهم في ذلك من مصالح الخلق. وفي هذه الآية دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم أجمعين الصلاة والسلام، لأنّ العالمين يعمّ الملائكة وغيرهم من المخلوقين، وقد فضّلهم سبحانه واختارهم على الكل. وقوله: (ذرية)، أي أولاداً وأعقاباً، “بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ” (التوبة 67) قيل: معناه في التناصر في الدين، وهو الإسلام، أي، دين بعضها من دين بعض، كما قال: “الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ” (التوبة 67)، أي في التناصر والتعاضد على الضلال، وهو قول الحسن وقتادة. وقيل: بعضها من بعض في التناسل والتوالد، فإنهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، لأنه قال الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض، واختاره أبو علي الجبائي. وقال السيد الطباطبائي رحمه الله: (الاصطفاء أخذ صفوة الشيء وتمييزه عن غيره إذا اختلطا، وينطبق هذا المعنى بالنظر إلى مقامات الولاية على خلوص العبودية). وقال كذلك: (فالاصطفاء على العالمين نوع اختيار وتقديم لهم عليهم في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم).

وعن العصمة وعلاقتها بالاصطفاء يقول الشيخ عبد الجليل المكراني: هناك علاقة لا انفكاك فيها بين الاصطفاء والعصمة، ولا يكون معصوم إلاّ بالاصطفاء من الله تعالى، فاختيار الله لنبي أو إمام مفروض الطاعة يكون قدوة للناس، يستلزم وفق مقتضى الحكمة أن يكون ـ النبي أو الإمام ـ منزهاً عن كل عيب أو نقصان، صافي النفس من كل الشوائب التي تعرض للأنفس العادية. ولهذا كانت الطهارة أهم صفة المصطفين من الأنبياء والأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهي ما يصطلح عليها بالعصمة. أقسام العصمة: الأولى: العصمة التكوينية، وهي خاصة بالأنبياء والأئمة والأوصياء عليهم السلام، وقد دُلّ عليها بقوله تعالى: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً” (الأحزاب 33) وكذا قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” (آل عمران 33)، وهذه العصمة عصمة مطلقة، أي بها يُصان النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام الحقّ عليه السلام عن الخطأ أو الاشتباه عمداً أو سهواً في كل شيء، فهو منزّه عن كل صفة توجب تنفّر الناس. قال المحقق البحراني: (ينبغي أن يكون منزّهاً عن كل أمر ينفّر عن قبوله أما في خُلقه كالرذائل النفسانية من الحقد والبخل والحسد والحرص ونحوها، أو في خلقه كالجذام والبرص، أو في نسبه كالزنا ودناءة الآباء، لأن جميع هذه الأمور صارف عن قبول قوله والنظر في معجزته، فكانت طهارته عنها من الألطاف التي فيها تقريب الخلق إلى طاعته واستمالة قلوبهم إليه). الثانية: العصمة الاكتسابية، وهي ليست مختصة ببعض العباد دون بعضهم، وإنّما هي لجميع عباده المخلصين، والجميع مأمور بها من قبل المولى تبارك وتعالى، كما في قوله عز وجل مخاطباً لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله: “فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ” (هود 112). فالجميع مأمورون بالاستقامة على الصراط المستقيم، ومتى ما علم الله تعالى باستعداد وتهيؤ واحد من عباده للاعتصام به والابتعاد عن معصيته، هيّأ له جميع سبل الوصول إلى ذلك، وقد كان من بين الذين نالوا هذا المقام العظيم من غير أئمة أهل البيت عليهم السلام: العباس بن علي بن أبي طالب، علي بن الحسين الأكبر، زينب بنت أمير المؤمنين، فاطمة بنت موسى بن جعفر، حبيب بن مظاهر، سلمان المحمدي، وغيرهم ممّا لا يسع المقام لذكرهم ولا ذكر الشواهد والدلائل على ذلك. وهناك من لم يصل إلى هذا المقام ولكن الله تعالى اختصّه بنعمة العلم وفضيلته، من قبيل المحقق الحلّي الذي نال درجة الاجتهاد وهو في الثالثة عشرة من عمره، والسيد إسماعيل الصدر جدّ الشهيد محمد باقر الصدر الذي قام بتأليف كتب عديدة وهو في السنة السابعة من عمره، والسيد محمد حسين الطباطبائي رئيس جامعة القرآن في قم، والحائز على شهادة الـ (الدكتوراه) في تحفيظ وتفسير القرآن، وغيرهم كثيرون.