د. فاضل حسن شريف
تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل جلاله “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) ثم ابتدأ سبحانه بتفصيل الأحكام فقال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا” (المائدة 2) أي: صدقوا الله ورسوله، فيما أوجب عليهم “لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ” (المائدة 2) اختلف في معنى شعائر الله على أقوال: أحدها: إن معناه لا تحلوا حرمات الله، ولا تتعدوا حدود الله، وحملوا الشعائر على المعالم أي: معالم حدود الله، وأمره ونهيه، وفرائضه، عن عطاء، وغيره. وثانيها: إن معناه لا تحلوا حرم الله، وحملوا الشعائر على المعالم أي: معالم حرم الله من البلاد، عن السدي وثالثها: إن معنى شعائر الله: مناسك الحج، أي: لا تحلوا مناسك الحج فتضيعوها، عن ابن جريج، وابن عباس. ورابعها: ما روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يحجون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم. فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله عن ذلك. وخامسها: إن شعائر الله هي: الصفا، والمروة، والهدي من البدن، وغيرها، عن مجاهد. وقال الفراء: كانت عامة العرب لا ترى الصفا والمروة من شعائر الله، ولا يطوفون بينهما، فنهاهم الله عن ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وسادسها: إن المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في إحرامكم، عن ابن عباس، في رواية أخرى. وسابعها: إن الشعائر هي العلامات المنصوبة للفرق بين الحل والحرم، نهاهم الله سبحانه أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام، عن أبي علي الجبائي. وثامنها: إن المعنى لا تحلوا الهدايا المشعرة أي: المعلمة، لتهدى إلى بيت الله الحرام، عن الزجاج، والحسين بن علي المغربي، واختاره البلخي. وأقوى الأقوال هو القول الأول، لأنه يدخل فيه جميع الأقوال من مناسك الحج وغيرها، وحمل الآية على ما هو الأعم أولى. “وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ” (المائدة 2) معناه: ولا تستحلوا الشهر الحرام بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين، كما قال تعالى: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ” (البقرة 217) عن ابن عباس، وقتادة. واختلف في معنى الشهر الحرام هنا، فقيل: هو رجب، وكانت مضر تحرم فيه القتال. وقيل: هو ذو القعدة، عن عكرمة. وقيل: هي الأشهر الحرم كلها، نهاهم الله عن القتال فيها، عن الجبائي، والبلخي، وهذا أليق بالعموم. وقيل: أراد به النسئ كقوله “إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ” (التوبة 37) عن القتيبي. “وَلَا الْهَدْيَ” (المائدة 2) أي: ولا تستحلوا الهدي: وهو ما يهديه الإنسان من بعير، أو بقرة، أو شاة، إلى بيت الله، تقربا إليه، وطلبا لثوابه. فيكون المعنى: ولا تستحلوا ذلك، فتغصبوه أهله، ولا تحولوا بينهم وبين أن تبلغوه محله من الحرم، ولكن خلوهم حتى يبلغوا به المحل الذي جعله الله له.
وقوله “وَلَا الْقَلَائِدَ” (المائدة 2) معناه: ولا تحلوا القلائد، وفيه أقوال أحدها: إنه عنى بالقلائد الهدي المقلد، وإنما كرر لأنه أراد المنع من حل الهدي الذي لم يقلد، والهدي الذي قلد، عن ابن عباس، واختاره الجبائي. وثانيها: إن المراد بذلك القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج، مقبلين إلى مكة، من لحاء السمر (اللحاء: قشر الشجرة. السمر: شجر معروف واحدتها سمرة.)، فإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها إلى المشعر، عن قتادة قال: كان في الجاهلية، إذا خرج الرجل من أهله، يريد الحج، يقلد من السمر، فلا يتعرض له أحد، وإذا رجع يقلد قلادة شعر، فلا يتعرض له أحد. وقال عطا: إنهم كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، يأمنون به إذا خرجوا من الحرم. وقال الفراء: أهل الحرم كانوا يتقلدون بلحاء الشجر، وأهل غير الحرم كانوا يتقلدون بالصوف، والشعر، وغيرهما. وثالثها: إنه عنى به المؤمنين، نهاهم أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم، يتقلدون به، كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم، عن عطا في رواية أخرى، والربيع بن أنس. ورابعها: إن القلائد ما يقلد به الهدي، نهاهم عن حلها، لأنه كان يجب أن يتصدق بها، عن أبي علي الجبائي، قال: هو صوف يفتل ويعلق به على عنق الهدي. وقال الحسن: هو نعل يقلد بها الإبل، والبقر، ويجب التصدق بها إن كانت لها قيمة. والأولى أن يكون نهيا عن استحلال القلائد، فيدخل الإنسان والبهيمة، أو يكون نهيا عن استحلال حرمة المقلد، هديا كان ذلك، أو إنسانا “وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ” (المائدة 2) أي: ولا تحلوا قاصدين البيت “الْحَرَامَ” أي: لا تقاتلوهم لأنه من قاتل في الأشهر الحرم، فقد أحل، فقال: لا تحلوا قتال الآمين البيت الحرام: أي القاصدين. والبيت الحرام: بيت الله بمكة، وهو الكعبة، سمي حراما لحرمته. وقيل: لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره. واختلف في المعني بذلك فمنهم من حمله على الكفار، واستدل بقوله فيما بعد: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ” (المائدة 2) الآية. ومنهم من حمله على من أسلم، فكأنه نهى أن يؤخذ بعد الإسلام بذحل (الذحل: الثأر. وقيل العداوة والحقد. وقيل طلب مكافأة بجناية جنيت عليك.) الجاهلية، لان الإسلام يجب ما قبله.
قوله “وَلَا الْقَلَائِدَ” (المائدة 2) معناه: ولا تحلوا القلائد، وفيه أقوال أحدها: إنه عنى بالقلائد الهدي المقلد، وإنما كرر لأنه أراد المنع من حل الهدي الذي لم يقلد، والهدي الذي قلد، عن ابن عباس، واختاره الجبائي. وثانيها: إن المراد بذلك القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج، مقبلين إلى مكة، من لحاء السمر، فإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها إلى المشعر، عن قتادة قال: كان في الجاهلية، إذا خرج الرجل من أهله، يريد الحج، يقلد من السمر، فلا يتعرض له أحد، وإذا رجع يقلد قلادة شعر، فلا يتعرض له أحد. وقال عطا: إنهم كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، يأمنون به إذا خرجوا من الحرم. وقال الفراء: أهل الحرم كانوا يتقلدون بلحاء الشجر، وأهل غير الحرم كانوا يتقلدون بالصوف، والشعر، وغيرهما. وثالثها: إنه عنى به المؤمنين، نهاهم أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم، يتقلدون به، كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم، عن عطا في رواية أخرى، والربيع بن أنس. ورابعها: إن القلائد ما يقلد به الهدي، نهاهم عن حلها، لأنه كان يجب أن يتصدق بها، عن أبي علي الجبائي، قال: هو صوف يفتل ويعلق به على عنق الهدي. وقال الحسن: هو نعل يقلد بها الإبل، والبقر، ويجب التصدق بها إن كانت لها قيمة. والأولى أن يكون نهيا عن استحلال القلائد، فيدخل الإنسان والبهيمة، أو يكون نهيا عن استحلال حرمة المقلد، هديا كان ذلك، أو إنسانا “وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ” (المائدة 2) أي: ولا تحلوا قاصدين البيت “الْحَرَامَ” أي: لا تقاتلوهم لأنه من قاتل في الأشهر الحرم، فقد أحل، فقال: لا تحلوا قتال الآمين البيت الحرام: أي القاصدين. والبيت الحرام: بيت الله بمكة، وهو الكعبة، سمي حراما لحرمته. وقيل: لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره. واختلف في المعني بذلك فمنهم من حمله على الكفار، واستدل بقوله فيما بعد: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ” (المائدة 2) الآية. ومنهم من حمله على من أسلم، فكأنه نهى أن يؤخذ بعد الإسلام بذحل الجاهلية، لان الإسلام يجب ما قبله.
“يَبْتَغُونَ” (المائدة 2) أي: يطلبون يعني الذين يأمون البيت “فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا” (المائدة 2) أي: أرباحا في تجاراتهم من الله، وأن يرضى عنهم بنسكهم على زعمهم، فلا يرضى الله عنهم وهم مشركون. وقيل: يلتمسون رضوان الله عنهم، بأن لا يحل بهم ما حل بغيرهم من الأمم من العقوبة، في عاجل دنياهم، عن قتادة، ومجاهد. وقيل: فضلا من الله في الآخرة، ورضوانا منه فيها. وقيل: فضلا في الدنيا، ورضوانا في الآخرة، وقال ابن عباس: إن ذلك في كل من توجه حاجا، وبه قال الضحاك، والربيع. واختلف في هذا فقيل هو منسوخ بقوله “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ” (التوبة 5) عن أكثر المفسرين. وقيل: لم ينسخ في هذه السورة شيء، ولا من هذه الآية، لأنه لا يجوز أن يبتدئ المشركون في الأشهر الحرم بالقتال، إلا إذا قاتلوا، عن ابن جريج، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وروي نحوه عن الحسن. وذكر أبو مسلم: إن المراد به الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما زال العهد بسورة براءة، زال ذلك الحظر، ودخلوا في حكم قوله تعالى “فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا” (التوبة 28). وقيل: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية “لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ” (المائدة 2) عن الشعبي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وقيل: إنما نسخ منها قوله “وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ” (المائدة 2) إلى “آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ” (المائدة 2) ذكر ذلك ابن أبي عروبة، عن قتادة قال: نسخها قوله “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ” (التوبة 5) وقوله “مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ” وقوله “إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا” (التوبة 28) في السنة التي نادى فيها بالأذان، وهو قول ابن عباس. وقيل: لم ينسخ من هذه الآية إلا القلائد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
قوله تعالى “وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا” (المائدة 2) معناه: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا فيها الصيد الذي نهيتم أن تحلوا، فاصطادوه إن شئتم حينئذ، لان السبب المحرم قد زال، عند جميع المفسرين “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ” (المائدة 2) أي: ولا يحملنكم. وقيل: لا يكسبنكم “شَنَآنُ قَوْمٍ” (المائدة 2) أي: بغضاء قوم “أَنْ صَدُّوكُمْ” أي: لأن صدوكم أي: لأجل أنهم صدوكم “عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” يعني النبي وأصحابه، لما صدوهم عام الحديبية “أَنْ تَعْتَدُوا” (المائدة 2) ومعناه: لا يكسبنكم بغضكم قوما الاعتداء عليهم، بصدهم إياكم عن المسجد الحرام. قال أبو علي الفارسي: معناه لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانا، ولا تقترفوه. هذا فيمن فتح أن، ويوقع النهي في اللفظ على الشنآن، والمعني بالنهي المخاطبون كما قالوا: لا أرينك ههنا “وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ” (المائدة 2). ومن جعل “شَنَآنُ” (المائدة 2) صفة، فقد أقام الصفة مقام الموصوف، ويكون تقديره. ولا يحملنكم بغض قوم والمعنى على الأولى. ومن قرأ: “أَنْ صَدُّوكُمْ” (المائدة 2) بكسر الألف، فقد مر ذكر معناه و “أَنْ تَعْتَدُوا” معناه: أن تتجاوزوا حكم الله فيهم إلى ما نهاكم عنه. نهى الله المسلمين عن الطلب بذحول الجاهلية، عن مجاهد، وقال: هذا غير منسوخ، وهو الأولى. وقال ابن زيد: وهو منسوخ “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2) وهو استئناف كلام، وليس بعطف على “تَعْتَدُوا” فيكون في موضع نصب. أمر الله عباده بأن يعين بعضهم بعضا على البر والتقوى، وهو العمل بما أمرهم الله تعالى به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يعين بعضهم بعضا على الإثم، وهو ترك ما أمرهم به، وارتكاب ما نهاهم عنه، من العدوان، وهو مجاوزة ما حد الله لعباده في دينهم، وفرض لهم في أنفسهم، عن ابن عباس، وأبي العالية، وغيرهما من المفسرين. “وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2): هذا أمر منه تعالى بالتقوى، ووعيد، وتهديد لمن تعدى حدوده، وتجاوز أمره يقول: احذروا معصية الله فيما أمركم به، ونهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا عذابه. ثم وصف تعالى عقابه بالشدة. لأنه نار لا يطفأ حرها، ولا يخمد جمرها، نعوذ بالله منها.