كامل سلمان
قد يصاب بالصدمة كل من يقرأ هذا العنوان بأن العلمانية أو الدولة المدنية نظام حكم فيه رضا الرب فيبدأ بالتسائل كيف يكون ذلك ؟ ومرد تساؤله لأن عقله تشبع بمفهوم العلمانية ضد الدين وأن رجال الدين حصراً مخولين من الله على إقامة نظام الحكم الإلهي الذي يرضي الرب فمن الصعب التصور بأن العلمانية هي حكم يرضي الرب ، هذا النوع من التفكير موجود عند طيف واسع من الناس الذين لا يفهمون حقيقة أو معنى الدولة المدنية ( العلمانية ) . علينا أن نعرف بأن كل شيء فيه الخير للناس أبدعته يد الإنسان أو عقل الإنسان أو إرادة الإنسان فهو هدف إلهي للإنسان على الأرض حسب النصوص الدينية لأن كل الأوامر الإلهية بفعل الخير هي موجهة للناس كافة ولم تذكر الكتب السماوية بأن فعل الخير حصراً بأسم رجال الدين وأن الله يأمر بالعدل والإحسان ويأمر بسلامة الحياة على الأرض كلام موجه لكل الناس ، من الجانب الأخر عندما نقرأ في القرآن الكريم بأن الله هو المشافي فهذا لا يعني بأن الدواء الذي أبدع عقل الإنسان في صناعته حرام تناوله على اعتبار أن الله هو من يشفي المرضى فلماذا اللجوء إلى الدواء وخير دليل لجؤ المراجع ورجال الدين إلى الدول العلمانية ( الكافرة ) لأغراض العلاج ؟ وكذلك الخيل والحمير والبغال لتركبوها ، فهل صناعة وسائل النقل الحديثة تجاوز على إرادة الله ، فهل هناك من رجل دين يركب البغال ويترك سيارات ( التاهو)؟ وعندما يقول تعالى رزقكم في السماء وما توعدون فهل يعني ذلك أن العمل وجلب الرزق مخالف لتعاليم الله ؟ فإذا كان صنع الدواء وصنع وسائط النقل والعمل لجلب الرزق لا تخالف أهداف الرب فبالتأكيد سيكون بناء نظام الحكم العادل الذي يخدم الناس ويحافظ على كرامة الناس الذين كرّمهم الله سيكون فيه رضى الله وقد يكون بالأساس إيحاء من الله . نعم نظام الحكم العلماني يحقق رسالة السماء في العدل والإحسان فهو نظام حكم إلهي بكل معنى الكلمة من حيث الهدف . العلمانية لا تفرق بين الناس ولا تبخس حقوق الناس ولا تميز هذا سيد وذاك عامي وهذه جارية وتلك حرة وهذا عبد حبشي وذاك حر قريشي لكن المشكلة عند رجال الدين الذين يوافقون على كل ما جاءت به العلمانية إلا نظام الحكم والسبب لأن كل ثمرات العلمانية لا تمسهم بسوء إلا نظام الحكم فأنه يسلب حقهم في التسلط على الناس لذلك أدخلوا العلمانية في خانة الحرام فالمسألة عندهم ليست مسألة رضى الله وإنما جشع أنفسهم ، بمعنى أدق أن رجال الدين هم المخالفين لإرادة الله وهم في الحقيقة لا يلتقون مع الهدف الذي وضعه الله للناس في كتبه ورسالاته ، يحاولون أن يضعوا العلمانية في خانة بغض الله وهم يعلمون ليس في العلمانية ما يبغض الله فالناس تعيش الأمن والسلام والعدل والتطور والمساواة في ظل النظام العلماني دون تمييز فأين بغض الله ؟ يقولون نظام الحكم العلماني كفر وإلحاد ، فهل يعُقل أن تكون العلمانية كفر وإلحاد وهي تعطي حق التدين والعبادة للناس كافة ولم نسمع في تأريخ الأنظمة العلمانية إضطهاداً للدين أو ملاحقة المتدينين بل العكس تماماً نرى الناس تتنعم بحرية الدين والتدين في هذا النظام ، والمتدينون هم الأكثر استحواذاً واستغلالاً للحرية التي وفرتها لهم الأنظمة العلمانية فهذه مواقع التواصل الإجتماعي والأنترنيت تعج بمنشورات ونشاطات المتدينين ونجد فيها أكثر الناس عبثاً وتطاولاً على عقائد وحريات الاخرين هم المتدينون من مختلف الديانات ورغم ذلك لم يمنعهم أحداً أحتراماً لحقوقهم المدنية التي شرعتها قوانين الأنظمة العلمانية . مشكلتنا ليست دينية بل هي مشكلة المصالح الخاصة لمن تظاهر بالتدين ولمن أدعى بأنه يمثل الدين فهؤلاء جلهم ورثوها وهم يعتاشون على أتعاب الناس وتأتيهم المكاسب على طبق من ذهب دون جهد فقاموا بمحاربة العلمانية لأن العلمانية وحدها تحرمهم كل إمتياز نالوه طوال قرون مضت ، فلو عملت الأنظمة العلمانية على إعطاء امتيازات خاصة لرجال الدين لخرجوا الينا الوعاظ بعشرات الأحاديث النبوية والتأويلات القرآنية التي تبشر بالعلمانية لخلاص الناس من الظلم آخر الزمان كما اعتادوا ذلك وهو عليهم هين كما فعلوه من قبل في أمور أخرى ، نفس رجال الدين عندما يتعرضون للظلم والمطاردة من بعض الأنظمة الدموية يلجؤون إلى الأنظمة العلمانية الغربية لحماية أنفسهم ، هذه الحقائق يعرفها الجميع . خلاصة القول الحق والعدل والإنصاف والرحمة لم تفلح الأنظمة الدينية في إيجاد السبيل لتطبيقها بل عجزت عن تطبيقها ونجحت الأنظمة العلمانية في إيجاد السبل لتطبيقها والرب دائماً ينصر ويبارك ويسدد خطى من يكرم ويقدس خلق الله . حكم الله هو إقامة الحق والعدل بين الناس بدليل قوله تعالى ( ياداود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) إقامة الحق والعدل وعدم اتباع الهوى ( بمعنى اتباع القانون ) وهذا لا يمكن حدوثه إلا في دولة القانون وهي الدولة المدنية العلمانية ، ، فعندما يكون الحق والعدل واتباع القانون هو هدف النظام العلماني فإذاً هذا النظام يلتقي مع هدف الإله في الأرض أي أن نظام الحكم العلماني هو نظام فيه رضى الله كما اسلفنا في عنوان المقال . كل الخلاف والإختلاف ولب المشكلة هي التسمية عند غالبية أعداء العلمانية ( العلمانية ) فعندما يسمع الإنسان غير المتعلم هذه التسمية الغريبة وهو بالتأكيد لا يسمعها من مثقف أو متعلم بل يسمعها من أحد الذين لا يعرفون معنى نظام الحكم ويسمعها بإمتعاض ممزوجة مع مفردة الكفر أي ( العلمانية الكافرة ) هكذا يسمعها سيتقزز وينفر منها ، ومفردة العلمانية بالأساس ليست لها جذور لغوية وتأريخية في ديننا ، فلو اطلقنا تسمية أخرى غير العلمانية على النظام العلماني وقمنا بتسميته مثلاً نظام حكم القانون أو نظام حكم العدل لقضي الأمر .