كامل سلمان
ثقافة وأخلاق وشخصية الناقد تظهر بوضوح من خلال أسلوب نقده للمقالات أو للسلوك الشخصي أو للحالة التي يراد نقدها ، فالناقد يستطيع أن يستعرض ثقافته ونبل أخلاقه وعلميته وفصاحة لغته من خلال النقد وبعكس ذلك فهو مجرد متطفل يعبث بحديقة غناء ، فعندما يكون النقد علمياً وموضوعياً بعيداً عن الميول العاطفية وبطرح أخلاقي راقي سيفرض الناقد رأيه وينال التقدير والاحترام مشكورا وما أجمل النقد عندما ينتفع منه الكاتب والقارىء والمتابع وفي أحيان كثيرة يعطي النقد جمالية ورونقا للمقال ، هكذا يحصل الرقي والتطور الاجتماعي وهكذا تنمو ملكات الوعي عند أفراد المجتمعات ، لا أن يكون النقد كلاماً مسموماً نابعاً من عقول نتنة متخلفة همها تفريغ سوادها على الصفحات البيضاء النقية التي وفرت له الفرصة لقول ما يريد قوله ، بعض الناس يعانون من علل نفسية ويطلبون من الآخرين مجاراتهم بالكلام بحجة النقد ، من الأفضل علاج أنفسهم عند ذوي الاختصاص والابتعاد عن الساحة الثقافية لأنهم في المكان الخطأ وبعض أخر في جعبتهم أفكاراً يودون طرحها لكن بسبب سوء سريرتهم يظهر نقدهم كالقيء العفن الذي أمضى به صاحبها ليالي وأياماً يتلوى من مرارتها فتنفر الناس منهم وتضيع عليهم الفرصة في الوصول إلى مبتغاهم . الثقافة ليست مجرد معلومات ، الثقافة عالم متكامل من المعرفة والأخلاق والعلم والرؤى السديدة . ليس فينا من هو كامل الأخلاق والثقافة فكلنا فينا نواقص وعيوبا لكن ليس لنا الحق في عكس عيوبنا على الآخرين حين نقدهم ، هذه مشكلة الجهلاء الذين يظنون بأنهم يعلمون وهم لا يعلمون يتصرفون بسلوكيات شاذة مع الأخرين وكأنهم يتصرفون مع أطفالهم الذين يعيشون في كنفهم مرغمين ، وبالتأكيد أطفالهم تشبعوا من شذوذ آباءهم الأخلاقي والنفسي . الإنسان المتحضر يحدد الهدف من النقد ثم يختار الأسلوب الأمثل للنقد وفي كل الأحوال يعيد على نفسه الحذر تكراراً من نسيان الوقوف صاغراً أمام القيم الأخلاقية التي هي سر الأرتباط بالناس ولا يسمح لها العبور من فوقها لتفريغ الملوثات الكامنة في داخله على الآخرين ليقول ما يحلو له قوله . ظاهرة العبور على الأخلاق في النقد أو في الرد ظاهرة شائعة في مجتمعاتنا وسببها دائماً عقم الأفكار والفهم المبتور للثقافة والمعتقدات الساذجة التي تستحوذ على عقول هؤلاء . عندما تنبىء المفكر العالمي هربرت ماركيوس في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد في ستينيات القرن الماضي تنبىء بنموذج الإنسان الذي يروم التغيير في مجتمعه مستقبلاً من منطلق البعد الواحد ثم عرج على العيوب التي ستصاحب هذا النوع من الإنسان وسلبياته وكيف سيأخذ الأمور من بعد واحد وقد نسب ذلك كله إلى مخلفات التطور التكنلوجي كما يسميها والتي ستخلق هذا النوع من الإنسان وفعلاً كانت تنبئاته صادقة فها هي ظاهرة الإنسان ذو البعد الواحد تنتشر في مجتمعاتنا ، يريد تحقيق أشياء هو لم يدركها بعد . تناقضات الأفكار بسبب تطورات التكنلوجيا قد لا تخدم جميع الناس فتظهر طبقة عشوائية في المجتمع تريد تحقيق كل شيء من لا شيء مثل المدن العشوائية التي تبرز خلف المدن الكبيرة ، وهذه المدن العشوائية تشكل ضغطاً على جمالية المدن الكبيرة فيجب أن يكون هناك تعامل خاص معها لأن فكرة أزالتها تبدو مستحيلة ، بالضبط كالأدوية التي تعالج الأمراض تصطحب معها في أحيان كثيرة أضرار جانبية على المريض ، فما على الطبيب المعالج سوى توخي الحذر في وصفته الطبية . الحقيقة هناك ثقافة دخيلة واسعة الإنتشار تعصف بمجتمعاتنا هي اسمها وعنوانها ثقافة لكنها كتلة كلامية ملوثة بالأحقاد والكراهية وخالية تماماً من الأخلاق ، الناس اصحاب الثقل الثقافي والمعرفي سيضطرون لمواجهتها ولا يسمحون لها أن تسرح وتمرح بسلاسة في باحة العقلاء والطيبين ولن يسمحوا لها أن تكون صورة للثقافة التي يبحث عنها أصحاب النفوس الزكية ، مهما زاد التخلف والانحطاط في المجتمع فالثقافة ثقافة والأخلاق أخلاق وما عداها قشور تنتهي إلى حاويات القمامة . نحن نكتب لنرفع من درجات الوعي عند الناس ولابد من ناقدين جيدين يسعفوننا في تحسين كتاباتنا وتطوير أفكارنا وبنفس الوقت علينا أن نتوقع هجمات الناقدين السيئين الذين يتربصون بما ينفع الناس فتخرج عفونة أفكارهم بالطعن والايذاء بعنوان النقد لكن دائماً الافكار الصحيحة تعلو ولا يعلى عليها شيء .