رقصة في مدار العدم

رياض سعد

إنه شعور يختلط فيه الثقل بالخفّة، كأنك تحمل جبلًا من الحديد على صدرك، بينما جسدك يتطاير في فراغ بلا أرض ولا سماء… ؛  تلمس النقيضين في اللحظة نفسها: دفء يلسع كالجليد، وبرودة تحرق كالجمر… ؛  تضحك بملامح باكية، وتبكي بملامح باسمة ، ويختلط الحنين إلى شيء لا تعرفه من قبل مع نفور من كل ما تعرفه الآن… .

إنه الوجود حين يتسرب من بين أصابعك، فيتركك عالقًا بين أن تكون وأن لا تكون… ؛ عندها تشعر أنك تسبح في محيط من اللاشيء والعدمية ، محيط لا ماء فيه ولا شاطئ، لكنه يغرقك بقوة تياراته الخفية… ؛ فهناك قوة غامضة تسحبك في كل الاتجاهات، قوة تمنحك استقرارًا قاتلًا، وكأنك جزء من صخرة أبدية ترفض الانفصال عنك.

وعندما تحاول الانفلات، ولو بخطوة واحدة، تجد نفسك تصطدم بجدار هلامي  لا نهاية له، جدار ليس صلبًا ولا هشًا، بل كائن حي يبتلعك ببطء … ؛  تمتد أيادٍ مصنوعة من ظلال كثيفة … ؛  أيادٍ تعرفك أكثر مما تعرف  نفسك، تلتف حولك برقة مفترسة، وتبتلعك كما يبتلع الظمآن رذاذ الماء بعد رحلة طويلة في صحراء مجهولة.

هناك، في ذلك القاع اللامرئي، لا يعود لخطواتك أثر، ولا لصوتك صدى، كأنك تذوب في العدم طواعية، لا لأنك ترغب، بل لأنك تعبت من مقاومة الجاذبية السوداء التي تحتضنك حتى الفناء.