رقصة في مدار العدم

رياض سعد

ثمّة لحظةٌ غامضة يتصالح فيها المستحيل مع نقيضه، لحظة تشعر فيها أنّ جبلًا من الأزمنة المنهارة جاثمٌ فوق صدرك، فيما روحك، في الوقت ذاته، تتفلّت من قوانين المادة كريشةٍ ضائعة في فراغٍ لم يُخلق له سقفٌ ولا قاع.. ,  عندها لا يعود للثقل معنى، ولا للخفة تعريف؛ فكلاهما يذوبان في شعورٍ واحدٍ عصيّ على اللغة، كأنّ الوجود نفسه قد أصيب بدوارٍ كونيّ وراح يدور حول فراغه الداخلي.

تلمس النار وهي ترتجف ببرودة الجليد، وتحتضن الجليد وهو يتوهّج بحرارة الحريق… ,  تضحك بوجهٍ تبلّله دموعٌ لا تراها، وتبكي بشفاهٍ نسيت كيف تنطفئ عنها ابتسامةٌ شاحبة.. ,  ويستيقظ في أعماقك حنينٌ هائل إلى شيءٍ لم تعرفه قط، كأنّ روحك تتذكّر وطنًا سابقًا على الولادة، أو فردوسًا ضاع قبل أن يُخلق الزمن، فيما يتسرّب إلى قلبك نفورٌ عميق من كل ما تعرفه، حتى من صورتك المنعكسة في مرايا الأيام.

هناك يبدأ الوجود بالتسرّب من بين أصابعك كدخانٍ مقدّس، وتكتشف أنك معلّق بين ضفّتين لا تنتميان إلى نهر: بين أن تكون وأن لا تكون، بين الحضور الذي يوشك أن يصير غيابًا، والغياب الذي يتنكّر في هيئة حضور.. ,  تشعر أنك تسبح في محيطٍ من العدم الخالص؛ محيطٍ بلا ماء، وبلا أمواج، وبلا شاطئٍ تنتظره السفن التائهة، ومع ذلك يغرقك أكثر مما تغرقك أعماق البحار.. ,  تياراته غير مرئية، لكنها تعرف طريقها إلى أعمق الشقوق في روحك، فتجرفك نحو أماكن لا أسماء لها.

وتدرك، بحدسٍ يشبه النبوءة، أنّ قوّةً مجهولة تجرّك في جميع الاتجاهات في آنٍ واحد.. ,  ليست قوةً معادية ولا صديقة، بل شيء أقدم من التعريفات كلّها؛ شيء يمنحك سكونًا مرعبًا يشبه الموت وهو ما يزال يتنفّس.. ,  فتشعر أنّك التصقت بصخرةٍ أزلية نائمة في قلب الكون، صخرة لا تمسكك بيديها، بل تمسكك بفكرة وجودها، وكأنها جزءٌ من قدرك الذي كُتب قبل أن تتكوّن ملامحك في رحم الغيب.

وحين تحاول الهرب، لا بحثًا عن النجاة بل عن معنى واحدٍ يبرّر هذا التيه، تصطدم بحاجزٍ هلاميّ لا نهاية له.. ,  ليس جدارًا من حجرٍ ولا من ضوء، بل كائنٌ هائل مصنوع من اللامرئي ، يتنفّس حولك ببطء، ويتمدّد كلّما ظننت أنك اقتربت من الخلاص., ,  كل خطوةٍ نحو الخارج تتحوّل إلى خطوةٍ أعمق نحو الداخل، وكل بابٍ تفتحه يقودك إلى غرفة أخرى من متاهة نفسك.

ومن شقوق العتمة تنبثق أيادٍ من ظلالٍ كثيفة، ليست ظلالًا فحسب، بل ذكرياتٌ متجسّدة، وخيباتٌ قديمة، وأسئلةٌ دفنتها ولم تمت.. ,  تمتدّ نحوك برفقٍ مخيف، برفق الأم التي تحمل طفلها نحو نومٍ أبدي، وتلتف حول روحك كما تلتف الكروم السوداء حول أطلال معبدٍ مهجور.

كانت تعرفك أكثر مما تعرف نفسك؛ تعرف أسماء جراحك السرية، وعدد المرات التي انكسرت فيها دون أن يراك أحد، وتعرف أيضًا كم تعبت من حمل ذاتك عبر هذا العالم.

وهناك، في ذلك القاع الذي لا يُرى ولا يُقاس، تتلاشى الحدود بينك وبين الفراغ… ؛  لا يبقى لخطواتك أثر، ولا لصوتك صدى، ولا لذكرياتك وزن.. ,  تشعر أنك تذوب قطرةً قطرة في جسد العدم الهائل، لا استسلامًا ولا رغبةً في الفناء، بل لأنك بلغت النقطة التي تصبح فيها المقاومة شكلًا آخر من أشكال التعب.

فتفتح الجاذبية السوداء ذراعيها لك، لا كوحشٍ يريد افتراسك، بل كأمٍّ كونيةٍ عمياء تعيد أبناءها إلى رحم الصمت الأول.. ,  وهناك، في قلب ذلك الاحتضان المخيف والحنون معًا، تدرك أن العدم ليس نقيض الوجود كما ظننت طويلًا، بل ظله الأقدم، صورته المنسية في المرآة الأولى، وأنك منذ البداية لم تكن تفعل سوى رقصةٍ بطيئةٍ في مدارٍ لا نهائيّ حول الفراغ الكامن في مركز كل شيء.