مختبر الأوهام: سَرْدَنَةُ الحروف تحت مجهر الأيديولوجيا والارتباطات المشبوهة

رياض سعد

في الملحمة الثقافية والمعمعة الاعلامية المعاصرة ، حيث تتحول الكلمات إلى كائنات هجينة واستبيانات شعبية  تُساق إلى “مختبر التحرير و مراقبة الملأ  الاعلى ” لتُجرَّب عليها سموم الأيديولوجيا ويشق مقص الشيطان احشائها ، يبرز رئيس التحرير بوصفه “فنان تشريح مريض” يقطع جسد النص لاستخراج أحشائه الأيديولوجية… ؛  إنه ليس محررًا، بل “خزّاف أوهام” يشكِّل الحروف على هيئة تماثيل طينية تسبح بحمم آرائه وارتباطاته وتوجيهات اسياده وشياطينه … ؛  هنا، في مملكة الورق المُلوَّثة، تُختزل حرية التعبير إلى لعبة “البحث عن الجُملة المفقودة” في متاهةٍ يسيطر عليها حراسٌ يحملون مصابيحَ مسمومةً تُضيء فقط ما يوافق هواجسهم. 

والصدمة الكبرى تكمن في أن الجميع هنا “مُؤدلجون او مرضى او دمى ” حتى النخاع الا ما رحم ربي ، لكن المرض الحقيقي يبدأ حين يلبس رئيس التحرير رداء “حَكَم الأولمبياد الفكري” ويوزع الميداليات على الكلمات التي ترقص على إيقاع طبوله البدائية … ؛  فالكاتب الذي يرفض الرقص يُحكم عليه بالإعدام الرمزي: إما أن يُحذف اسمه من سجل النشر، أو يُدفن نصه في مقبرة “المسودات السرية”… ؛ و الأغرب أن هؤلاء “القضاة” يحكمون على نصوصٍ لم يقرأوها، كأنهم يَزنون الهواء بميزان الحديد! 

اللغة هنا ليست وسيلة تواصل، بل ساحة إبادة… ؛ و مصطلحات مثل “الطائفية والخيانة ” و”العنف والعمالة ” تُستخدَم كـ”مبيدات حشرية” لرشِّ الكلمات الحرة قبل أن تلوث حديقة أفكارهم المُعقَّمة.

ويا للعجب!

فهم يبنون سورًا من الزجاج حول الجمهور باسم “حمايته”، بينما هم يسرقون منه حقَّ رؤية العالم خلف زجاجهم الملوَّن!

الغرابة تتعمق حين يُصدق المؤدلج أكاذيبه لدرجة أنه يرى نفسه “فيلسوف الضمير الجمعي”، بينما هو مجرد دمية في يد ممولٍ يحرك خيوطها بخيوط الذهب… ؛  إنهم يرفعون شعارات الحرية كالرايات الحمراء في مصارعة الثيران، لكنهم ينسون أن الثور هنا هو جمهورٌ يقظ بدأ يشم رائحة الدم في حلبة الأكاذيب! 

أما الكاتب المحاصر، فيتحول إلى ” عامل تنجيم في مناجم الحروف والكلمات ” يحفر في صخور الرقابة بحثًا عن ذهب الحقيقة… ؛  إنه يعلم أن المنصات المستقلة أشبه بـ”جزر مهجورة” في محيط الأيديولوجيا، لكنه يظل يرسو عليها أملاً في أن تصير يومًا موانئَ لأساطيل الفكر الحر… ؛  والسؤال الذي يطارده كالكابوس: مَن سيفك قيود الحروف الأولى ليبدأ التمرد؟