مدينة الانتظار… حكاية الشاب الذي وُلد في طابور

رياض سعد

في مدينةٍ تُسمّى “الانتظار”، وُلد شاب لا يعرف اسماً لنفسه… ؛ و في هذه المدينة، الناس لا يولدون بأسماء، بل بأرقام، يظلون يحملونها حتى يأتي دورهم في “النداء العظيم” الذي يُقال إنه بداية الحياة الحقيقية.

منذ صغره، عاش الشاب في أزقة ضيقة محاطة بجدران عالية، عليها لافتات حكومية باهتة تقول: “التعليم هو طريق المجد”… ؛ فاذا به  يجلس على مقعد مهترئ في مدرسة رمادية، حيث كان المعلمون يلقّنون التلاميذ شعارات أكثر مما يعلّمونهم حياة… ؛  في كل صباح، كان يسمع هدير الطبول القادمة من قصر الحاكم، وهي تُذكّر الجميع أن الطاعة أهم من الخبز، وأن الانتظار هو فضيلة.

حين كبر، قاده الطريق إلى جامعة تشبه قلعة عتيقة، أبوابها مغطاة بغبار عقود طويلة من الكلام… ؛ و هناك، قرأ كثيراً عن العالم، لكنه لم يره يوماً… ؛  ظنّ أن الشهادة التي سيحصل عليها هي مفتاح القلعة الكبيرة التي تحرس مدينة الانتظار، لكن حين تخرّج، اكتشف أن القفل قد تغير، وأن المفتاح الذي أُعطي له كان مجرد قطعة معدنية صدئة.

بدأ يبحث عن عمل في سوق المدينة، لكن السوق كان غريباً: الباعة ليسوا من أهل المدينة، والأجور تحددها أيادٍ من وراء الجدران… ؛  كان عليه أن يقاتل كي يحصل على وظيفة، ليس بسلاح كفاءته، بل برشوة أو قرابة أو ولاء… ؛  وحين وجد عملاً أخيراً، كان الأجر يكفي بالكاد لشراء يومين من الخبز… ؛  وبقية الأيام يقتات على الصبر.

في تلك اللحظة، جاءه صوت من المذياع القديم في المقهى يقول: “إذا أردت الزواج، عليك أن تبني بيتاً”، فضحك الشاب، لأنه يعرف أن بيوت المدينة لا تبنى إلا بأحجار لا تُباع إلا في السوق السوداء… ؛  ومع ذلك، تزوج، وأنجب طفلين، وبدأت رحلته الجديدة مع المستشفيات والمدارس والديون، حتى صار يركض في دائرة مغلقة، يطارد نهاية لا تأتي.

وفي كل مساء، كان يجلس في زاوية المقهى، محاطاً بأصدقاء فقدوا أسماءهم وأحلامهم، يتنفسون دخان النرجيلة، ويستمعون إلى الأخبار التي لا تتغير: الحاكم باقٍ، السوق كما هو، والمدينة ما زالت تنتظر… النداء العظيم.

لكن الحقيقة التي لم يقلها أحد، أن النداء لن يأتي… ؛ في مدينة الانتظار، الأجيال تولد وتموت وهي في الطابور، والشمس لا تشرق إلا على من يسكنون القصر. أما الشاب العراقي – ذلك الرقم الذي وُلد في الطابور – فقد صار ظلّاً يمشي، لا يبحث عن مستقبل… ؛ بل عن مخرج من هذه المدينة التي لا أبواب لها.