فروقات قرآنية (الضياء والنور) (ح 3)

فاضل حسن شريف

قال الله تعالى عن ضياء “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” ﴿يونس 5﴾، “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ” ﴿الأنبياء 48﴾، “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ” ﴿القصص 71﴾.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قال الله جل جلاله “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) ثم زاد سبحانه في الاحتجاج للتوحيد فقال: “هُو الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً” بالنهار “وَالْقَمَرَ نُورًا” بالليل والضياء أبلغ في كشف الظلمات من النور وفيه صفة زائدة على النور “وقدره منازل” أي: وقدر القمر منازل معلومة “لتعلموا” به وبمنازله “عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ” وأول الشهر وآخره وانقضاء كل سنة وكميتها وجعل الشمس والقمر آيتين من آيات الله تعالى وفيهما أعظم الدلالات على وحدانيته تعالى من وجوه كثيرة منها خلقها وخلق الضياء والنور فيهما ودورانهما وقربهما وبعدهما ومشارقهما ومغاربهما وكسوفهما وفي بث الشمس الشعاع في العالم وتأثيرها في الحر والبرد وإخراج النبات وطبخ الثمار وفي تمام القمر وسط الشهر ونقصانه في الطرفين ليتميز أول الشهر وآخره من الوسط كل واحد من ذلك نعمة عظيمة من الله سبحانه على خلقه ولذلك قال “مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ” لأن في ذلك منافع للخلق في دينهم ودنياهم ودلائل على وحدانية الله وقدرته وكونه عالما لم يزل ولا يزال “يفصل الآيات” أي: يشرحها ويبينها آية آية “لقوم يعلمون” فيعطون كل آية حظها من التأمل والتدبر وقيل إن المعنى في قوله “وقدره منازل” التثنية أي: قدر الشمس والقمر منازل غير أنه وحده للإيجاز اكتفاء بالمعلوم كما مر ذكر أمثاله فيما تقدم وكما في قول الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن جول الطوي رماني.

عن مركز الرصد العقائدي كيف يكون الله نوراً مع أن النور مستفاد من غيره؟ للشيخ أحمد الكعبي: وعندما نتأمّل في حقيقة الوجود، نجد أنّ كلّ شيء إنّما يكون ظاهراً بذاته من حيث هو موجود، فالوجود ذاته يتضمّن خاصيّة الظهور، ولذلك يصحّ وصفه بأنّه نور، لكنّ بما أنّ الموجودات الممكنة لا تملك وجودها بذاتها، بل هي مخلوقة بإيجاد الله سبحانه، فإنّ وجودها وما يتفرّع عنه من ظهور إنّما هو مستند إلى الله تعالى، الذي هو المصدر المطلق للوجود والنور. وعلى هذا، فإنّ الآية الكريمة: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور 35) لا تعني أنّ الله هو نورٌ من نوع النور الفيزيائيّ المنتشر في الكون، بل المعنى أنّ الله تعالى هو السبب في وجود وظهور كلّ ما في السماوات والأرض، فهو الذي يفيض النور، أي الوجود والظهور، على جميع الكائنات. وهذا ما يُفهم من إضافة النور إلى السماوات والأرض، ثمّ نسبته إلى الله سبحانه، أي أنّ النور الذي به تنكشف حقائق الأشياء هو من الله تعالى، لا من ذاتها. وبالتالي، فإنّ تفسير قوله: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور 35) بأنّه (منوّر السماوات والأرض)، يُقصد به أنّ الله تعالى هو الذي يمنحها الوجود والظهور، لا أنّ نورَه قائمٌ فيها كشيءٍ ماديٍّ، تعالى الله عن ذلك. وعليه، فإنّ المقصود بكون الله نور السماوات والأرض أنّه مصدر النور الوجوديّ العام الذي به تظهر الأشياء وتتحقق، وهذا النور هو عين الرحمة الإلهيّة الشاملة التي وسعت كلّ شيء. وقد أشار إلى ذلك العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه في (تفسير الميزان ج15 ص122). ونستنتج ممّا تقدّم: أنَّ معنى قوله تعالى: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور 35) هو أنّ الله سبحانه: نورٌ وجوديٌّ أي هو سبب وجود كلّ ما سواه، ونورٌ هدايتيّ أي هو مَن يهدي العقول والقلوب، ونورٌ معنويّ أي يظهر به الحقّ ويُكشف به الباطل. وهذا لا يتعارض مع الفرق بين (الضياء) و(النور) الحسيّ، كما هو واضح. اللّهمّ اجعل لنا نوراً في قلوبنا، ونوراً في قبورنا، ونوراً في سمعنا، ونوراً في أبصارنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

عن القمر قال الله عز وجل في آيات قرآنية عديدة منها “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” ﴿لقمان 29﴾، “يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ” ﴿فاطر 13﴾، و “وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ” ﴿يس 39﴾، و “لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ” ﴿يس 40﴾، و “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ” ﴿الزمر 5﴾، و “وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ” ﴿فصلت 37﴾، و”اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ” ﴿القمر 1﴾، و”الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ” ﴿الرحمن 5﴾، و “وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا” ﴿نوح 16﴾، و”كَلَّا وَالْقَمَرِ” ﴿المدثر 32﴾، و”وَخَسَفَ الْقَمَرُ” ﴿القيامة 8﴾، و”وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ” ﴿القيامة 9﴾، و”وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ” ﴿الإنشقاق 18﴾، و”وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا” ﴿الشمس 2﴾.