دفع الشبهات حول زيارة ومشاة أربعين الامام الحسين عليه السلام (ح 9)

فاضل حسن شريف

تكملة للحلقة السابقة جاء في موقع شفقنا عن زيارة الاربعين في أقوال الائمة وردود العلماء فی دفع الشبهات حولها: وحكى الشيخ القمي في المفاتيح هذه الرواية عن التهذيب ومصباح المتهجد في الدّليل على رجحان الزيارة في الأربعين من دون تعقيب باحتمال إرادة أربعين مؤمناً. والشيخ المفيد قال باستحباب الزيارة في العشرين من صفر في كتابه مسار الشيعة، والعلاّمة الحلّي في التذكرة والتحرير، وملا محسن الفيض في تقويم المحسنين. رابعاً: يَثبت استحباب زيارة العشرين من صفر بالاطلاقات الدالة على استحباب زيارته مطلقاً، وفي كلّ شهر، فقد روى الشيخ الطوسي ـ بعد حديث الإمام العسكري عليه السّلام حديثاً عن داود بن فرقد قال: قلت للإمام أبي عبد الله عليه السّلام: ما لِمَن زار الإمام الحسين عليه السّلام في كلّ شهر من الثواب؟ قال: له من الثواب ثواب مائة ألف شهيد مثل شهداء بدر. وصفر داخل ضمن قوله عليه السّلام: في كلّ شهر، فتُستحبّ زيارة الإمام الحسين عليه السّلام في العشرين من صفر على وجه التحديد بقرينة حديث الإمام العسكري عليه السّلام: “زيارة الأربعين”، أي في اليوم المعهود وهو العشرون من صفر. النقطة الثانية: الغاية من زيارة أربعين الإمام الحسين يوم العشرين من صفر، أي زيارة الأربعين. يمكننا أنْ نصنّف الغاية من زيارته الأربعينيّة كلّ عام إلى ثلاثة مستويات: المستوى الأوّل: تخليد ذكراه عليه السّلام وتجديد الحزن عليه. بيان ذلك: إنّ النواميس المطردة مواظبة على الاعتقاد بالفقيد بعد أربعين يوماً مضين من وفاته بإسداء البِرِّ إليه وتأبينه وعدّ مزاياه في حفلاتٍ تُعقَد وذكريات تُدَوَّنُ تخليداً لذِكْرِه، في حين أنّ الخواطر تكاد تنساه، والأفئدة أوشكت أنْ تُهْمِلَهُ، فبذلك تُعاد إلى ذكراه البائدة صورةٌ خالدةٌ بشِعْرٍ أو بخطابٍ بليغٍ تتضمّنه الكتب حتى يعود من أجزاء التاريخ، فيصير الفقيدُ حيّاً كلّما تُلِيَتْ هاتيكَ النُّتَف من الشعر، أو وقف الباحث على ما أُلقيت فيه من كلماتٍ تأبينيّةٍ بين طيّات الكتب فيقتصّ أثره في فضائله وفواضله، وهذه السنّة الحسنة تزداد أهميّةً كلّما ازداد الفقيدُ عَظَمَةً، وكَثُرَتْ فضائله، وهي في رجالات الإصلاح والمقتدى بهم من أكابر الدين أهمّ وآكد، لأنّ نَشْرَ مزاياهم وتعاليمهم يحدو ويحثّ إلى اتّباعهم واحتذاء مثالهم في الإصلاح وتهذيب النفوس. و يشهد له ما ورد عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه  عن النبيّ صلّى الله عليه وآله: إنّ الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحاً.

وعن زرارة عن مولانا الإمام الصّادق عليه السّلام: إنّ السّماء بكت على الحسين عليه السّلام أربعين صباحاً بالدّم، والأرض بكت عليه أربعين صباحاً بالسّواد، والشّمس بكت عليه أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، والملائكة بكت عليه أربعين صباحاً، وما اختضبت امرأةٌ منّا ولا ادّهَنَتْ ولا اكتَحَلَتْ ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد وما زلنا في عَبْرَة من بعده. يؤكد هذه الطريقة المألوفة والعادة المستمرّة بين النّاس من الحداد على الميّت أربعين يوماً، فإذا كان يوم الأربعين أُقيم على قبره الاحتفال بتأبينه، يحضره أقاربُه وخاصتُهُ وأصدقاؤُه، وهذه العادة لم يختص بها المسلمون، فإنّ النصارى يقيمون حفلة تأ بينيّة يوم الأربعين من وفاة فقيدهم يجتمعون في الكنيسة ويعيدون الصّلاة عليه المسماة عندهم بصلاة الجنازة، ويفعلون ذلك في نصف السّنة وعند تمامها، واليهود يعيدون الحداد على فقيدهم بعد مرور ثلاثين يوماً وبمرور تسعة أشهر وعند تمام السنة، كلّ ذلك إعادةً لذكراه وتنويهاً به وبآثاره وأعماله إنْ كان من العظماء ذوي الآثار والمآثر. وإحياء النصارى واليهود ذكرى الأربعين لموتاهم لا يستلزم إنكارها، إذ ليس من الضروري أنْ تكون كلُّ الأفكار الموجودة في تاريخ النصارى واليهود سيئةً، قد تكون بعض الأفكار عندهم لها أساس ديني يتوافق مع شريعتنا فلا يجوز حينئذٍ ردّه لكونه يتوافق مع النصارى واليهود، فإذا قام الدّليل الشرعي عندنا على صحّة فعلٍ أو عملٍ معيَّنٍ حتى لو توافق مع المخالفين لنا فلا يجوز ردّه لأنّ ردّه يقتضي ردَّ الدّليل الشرعي الذي قام على صحّة الفعل المعيَّن. وعلى كلّ حال، فلا يجد المنقِّب في الفئة الموصوفة بالإصلاح والصّلاح رجلاً اكتنفته المآثر بكلّ معانيها، وكانت حياتُه وحديثُ نهضته وكارثةُ قتله، دعوةً إلهيّةً وطقوساً إصلاحيّةً، وأنظمةً اجتماعيّةً وتعاليمَ أخلاقيّة، ودروساً دينيّة إلاّ سيّدَ الشّهداء أبا عبد الله الحسين عليه آلآف التحيّة والسّلام، شهيد الله تعالى فهو أولى من كلّ أحد بأنْ تُقامَ له الذكريات، وتشدَّ الرحالُ للمثول حول مرقده الأقدس في يوم الأربعين من قتله حصولاً على تلكم الغايات الكريمة. وما يفعله الناس من الحفلات الأربعينية الأولى على موتاهم فلا يكررونها كلّ سنة كما يكرّرونها لأجل الإمام الحسين عليه السّلام، من جهة كون مزايا أولئك الرِّجال محدودة منقطعة الآخر، بخلاف سيّد الشّهداء عليه السّلام فإنّ مزاياه لا تُحَدُّ، وفواضله لا تُعَدُّ، ودرس أحواله جديدٌ كلّما ذُكِر، واختصاصُ أثره يحتاجه كلُّ جيلٍ، فإقامة المآتم عند قبره في الأربعين من كلّ سنة إحياءٌ لنهضته المقدَّسة، وتعريفاً بالقساوةِ التي ارتكبها الأمويون ولفيفُهم، ومهما أمعن الخطيبُ أو الشّاعرُ في قضيته، تُفتح له ابوابٌ من الفضيلة كانت موصدة عليه قبل ذلك، ولهذا اطردت عادة الشيعة على تجديد العهد بتلكم الأحوال يومَ الأربعين من كلّ سنة، ولعلّ رواية مولانا أبي جعفر عليه السّلام: “إنّ السّماء بكت على الإمام الحسين عليه السّلام أربعين صباحاً تطلع حمراء وتغرب حمراء”، تلميحٌ إلى هذه العادة المألوفة بين النّاس، وحديث الإمام الحسن العسكري عليه السّلام: “علامات المؤمن خَمس..” يرشدنا إلى تلك العادة المطردة المألوفة للناس، فإنّ تأبين سيّد الشّهداء عليه السّلام، وعقد الاحتفالات لذِكْرِهِ في هذا اليوم إنما يكون ممن يَمِتُّ به بالولاء والمشايعة، ولا ريب في أنّ الذين يتصلون به وينتسبون إليه بالمشايعة هم المؤمنون المعترفون بإمامته عليه السّلام، إذاً فمن علامة إيمانهم وولائهم لسيّد شباب أهل الجَنَّة المنحور على مجزرة الشّهادة الإلهيّة المثول في يوم الأربعين من شهادته عند قبره الأطهر لإقامة المأتم وتجديد العهد بما جرى عليه وعلى أهل بيته وصحبه من الفوادح العظيمة.

عن العتبة الحسينية المقدسة: مشي النساء إلى كربلاء (قراءة في الأدلة والنصوص الشرعية): تاريخية مشي النساء: إن المتتبع لتاريخ الإنسانية ـ وخصوصاً تاريخ العرب ـ يجد ظاهرة المشي من يوميات الإنسان رجلاً كان أو امرأةً، حيث إن كثيراً من الأعمال والمهن تُمارَس مشياً على الأقدام، ولعل ظاهرة الرعي والزراعة من أهم تلك المهن التي تحتاج إلى المشي، ونحن نجد أن المرأة كانت ولا زالت تُمارس هاتين المهنتين وباستمرار، والقرآن يحكي لنا أن نساء مقدسات وبنات أنبياء كنَّ يُمارِسن ذلك، كما في قصة ابنتي النبي شعيب عليه السلام والتي أصبحت إحداهما زوجاً لكليم الله النبي موسى عليه السلام، حيث كانتا تمارسان الرعي وسقي الغنم، إذ قال تعالى: “وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ  قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ *  فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ” (القصص 23-24). وكذلك يحكي لنا القرآن سير موسى عليه السلام مع أهله: “فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ” (القصص 29). بل إن بعض النساء المقدسات ـ ومنهن السيدة الطاهرة خديجة ـ كانت تمارس الخروج من البيت والمشي بسبب طبيعة عملها في التجارة، وقد تزوّج منها النبي الأعظم عليها السلام وهي تاجرة. وإن السيرة التاريخية العامة تذكر مئات النساء اللاتي ذاع صيتهن وقد اكتنف عملهن بالمشي، خصوصاً المشي للأُمور المهمة والتواصل الاجتماعي والثقافي والعلمي والأدبي. وامتدت تلك السيرة إلى زمن الإسلام وخروج المرأة في بعض الحروب لمساعدة الرجل في الأُمور الطبية واللوجستية وغيرها، وتحمّلها لبعض المهام والمشاغل العامة. كما أن مسألة خروج المرأة المعاصرة أصبح شيئاً واضحاً ولا غبار عليه، خصوصاً بعد أن عملت بسلك الطب والتعليم والهندسة والتربية وغيرها من ميادين الحياة.

ولنقف على الأحداث التي يذكرها القرآن المختصة بالسيدة مريم العذراء رضوان الله عليها، لارتباطها الواضح بموضوع هذا البحث: قال تعالى: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا  * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا” (مريم 16-18). إن الآية تحكي قصة السيدة العذراء مريم وما جرى من مراسيم تحضيرية لأجل الولادة، ومن أهم تلك المراسيم هو خروجها لوحدها إلى مكانٍ قصيٍّ، والقصي: هو المكان البعيد القاصي المحتجب عن الأهل والأقارب والبلدة، فخرجت لوحدها لتأتي بالمولود المقدس. وقد ذكر بعض العلماء المعاصرين في قصة خروجها أُموراً تفيدنا في المقام: الأول: إن خروجها كان لوحدها، وهذا يدل على مشروعية الخروج ما دام الخروج مطابقاً للموازين الشرعية مع كامل الحجاب والعفة وما دام لغاية سامية وهي طاعة الله. الثاني: إن خروجها كان لمكان بعيد عن أهلها، وهذا يدل على مشروعية الخروج إلى مكان بعيد ما دامت مأمونة على نفسها ومعروفة بعفتها وشرفها. الثالث: إن الكلام مع الأجنبي بحد ذاته ليس محرماً، ما دام مطابقاً للموازين الشرعية، وليس فيه خضوع بالقول ولا يحتوي على كلام غزلي ولا تعمد الإسماع. وبذلك يتضح أن ظاهرة مشي النساء قديمة وممتدة وعامة، وبمرأى ومسمع من الأنبياء والأئمة والصلحاء، ولم يعترضوا على أصل الظاهرة، وإنما هناك أحكام وشروط تشريعية تنظم الخروج والمشي، وتجعله في حيز الجائز الذي لا فساد ولا إفساد فيه.

عن مركز الأبحاث العقائدية: بعض الروايات في ثواب المشي الى الامام الحسين عليه السلام: لقد شجع الائمة عليهم السّلام على المشي لزيارة الحسين عليه السلام من خلال ذكر الثواب لذلك ففي كامل الزيارات لابن قولويه ص 253 قال: حدثني أبي وجماعة مشايخي عن سعد بن عبد الله ومحمد بن يحيى و عبد الله بن جعفر الحميري وأحمد بن إدريس جميعا، عن الحسين بن عبد الله، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبد الجبار النهاوندي، عن أبي سعيد، عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي عليهما السلام إن كان ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى. وقال: وحدثني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه وجماعة رحمهم الله، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن علي بن عبد الله ابن المغيرة، عن العباس بن عامر، عن جابر المكفوف، عن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشيا كتب الله له بكل خطوة الف حسنة ومحا عنه الف سيئة ورفع له ألف درجة. فإذا اتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك وامش حافيا، وامش مشي العبد الذليل، فإذا اتيت باب الحائر فكبر أربعا، ثم امش قليلا ثم كبر أربعا، ثم ائت رأسه فقف عليه فكبر أربعا وصل عنده، واسأل الله حاجتك. وقال: حدثني أبي رحمه الله، عن الحسين بن الحسن بن ابان، عن محمد بن أورمة، عمن حدثه، عن علي بن ميمون الصائغ، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: يا علي زر الحسين ولا تدعه، قال: قلت: ما لمن أتاه من الثواب، قال: من أتاه ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة ورفع له درجة، فإذا أتاه وكل الله به ملكين يكتبان ما خرج من فيه من خير ولا يكتبان ما يخرج من فيه من شر ولا غير ذلك، فإذا انصرف ودعوه وقالوا: يا ولي الله مغفورا لك، أنت من حزب الله وحزب رسوله وحزب أهل بيت رسوله، والله لا ترى النار بعينك ابدا، ولا تراك ولا تطعمك ابدا. وقال: حدثني أبي رحمه الله، عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن عبد العظيم بن عبد الله بن الحسن، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن أبي حماد الاعرابي، عن سدير الصيرفي، قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام فذكر فتى قبر الحسين عليه السلام، فقال له أبو جعفر عليه السلام: ما أتاه عبد فخطا خطوة الا كتب الله له حسنة وحط عنه سيئة. وقال: حدثني محمد بن جعفر القرشي الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أحمد بن بشير السراج، عن أبي سعيد القاضي، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في غريفة له وعنده مرازم، فسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشيا كتب الله له بكل قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أتاه في سفينة فكفأت بهم سفينتهم نادى مناد من السماء: طبتم وطابت لكم الجنة.