مؤيد عباس العقابي: هندسة الثقة في إدارة الهوية الوطنية

حسين شكران الأكوش العقيلي  

مقدمة 

في زمنٍ تتقاطع فيه أزمة الثقة بين المواطن والدولة، وتتعثر فيه مؤسسات الخدمة العامة أمام تحديات البيروقراطية، تبرز الحاجة إلى نماذج قيادية تُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمؤسسة. من بين هذه النماذج، يسطع اسم اللواء الحقوقي مؤيد عباس العقابي، الذي حوّل إدارة الهوية الوطنية من إجراء روتيني إلى رسالة وطنية، ومن مؤسسة جامدة إلى فضاء إنساني نابض بالاحترام والكرامة.

من السيرة إلى الرسالة

اللواء مؤيد العقابي يشغل  منصب معاون مدير عام الأحوال المدنية والجوازات والإقامة في وزارة الداخلية العراقية، ويُعرف بإدارته لمكتب شؤون المعلومات المركزي التابع للمديرية العامة للأحوال المدنية والجوازات والإقامة. يتميز بحضور ميداني يومي، حيث يتابع سير العمل بنفسه، ويتفاعل مباشرة مع المواطنين، ما يعكس فلسفة إدارية قائمة على القرب من الناس، واحترام كرامتهم.

اشتهر العقابي بجملته المتداولة بين المراجعين:  

(اكعد اشرب كهوتك ومعاملتك تكضي) 

وهي عبارة تختزل نهجه في جعل المؤسسة مكانًا مريحًا للمواطن، بعيدًا عن تعقيدات البيروقراطية، وقريبًا من روح الخدمة العامة.

فلسفة الإدارة( من الوثيقة إلى الكرامة) 

لم تكن إدارة الهوية بالنسبة للعقابي مجرد إصدار وثائق، بل صيانة كرامة. فقد أدرك أن البطاقة الوطنية ليست رقمًا، بل شهادة انتماء، وأن الجواز ليس مجرد تصريح سفر، بل بوابة كرامة. من هنا، جاءت فلسفته الإدارية قائمة على تبسيط الإجراءات، احترام الوقت، وتكريم الإنسان.

النزاهة كمنهج لا شعار

في بيئة إدارية كثيرًا ما تُتهم بالفساد أو التراخي، اختار العقابي طريقًا مختلفًا النزاهة الفاعلة. لم يكتفِ برفض المحسوبية، بل أسس لنظام رقابي داخلي يضمن العدالة في توزيع الخدمة، ويمنع التمييز بين المواطنين. فكان حضوره في الميدان، وتواصله المباشر مع المراجعين، رسالة واضحة بأن المسؤول الحقيقي لا يختبئ خلف الجدران.

أثر التجربة: من الإصلاح إلى الإلهام

إن تجربة اللواء مؤيد العقابي تصلح أن تُدرّس في معاهد الإدارة العامة، لا بوصفها حالة فردية، بل نموذجًا لإصلاح مؤسسي من الداخل. فقد أثبت أن التغيير لا يحتاج إلى قرارات فوقية فقط، بل إلى إرادة قيادية تؤمن بأن الخدمة العامة هي شرف وواجب، لا مجرد وظيفة.

مقارنة رمزية

في حين تتعثر مؤسسات أخرى في دوامة الإجراءات، استطاع العقابي أن يخلق نموذجًا إداريًا يُقارن بتجارب ناجحة في دول متقدمة، رغم محدودية الموارد. إن فلسفته تشبه في جوهرها نماذج (الإدارة بالرحمة) التي ظهرت في بعض الدول الإسكندنافية، لكنها تنبع من بيئة عراقية خالصة، وتستند إلى قيم محلية أصيلة.

خاتمة: دعوة للتوثيق والتكريم

إن تجربة العقابي ليست مجرد نجاح إداري، بل إلهامٌ لكل من يرى في الوظيفة العامة رسالة وطنية. لقد أعاد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وفتح بابًا جديدًا لفهم الهوية الوطنية بوصفها عقدًا اجتماعيًا حيًا، لا مجرد رقم في قاعدة بيانات.

فليكن هذا المقال دعوة لتكريم النماذج الإصلاحية، وتوثيق تجاربها، وتعميم أثرها، لأن الوطن لا يُبنى فقط بالقوانين، بل بالقدوات.