شعبان شهر النبي الأكرم: أحاديث نبوية متداولة في مصادر أتباع أهل البيت (ح 404)

د. فاضل حسن شريف

9251- جاء في موقع منتدى الكفيل عن السنّة النبوية وتنصيب علي للإمامة: حديث الغدير، حديث الولاية الكبرى، حديث إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب تعالى. وهو حديث نزل به كتاب الله المبين، وتواترت به السنّة النبوية، وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى اليوم الحاضر، وقد صبّ شعراء الإسلام واقعة الغدير، في قوالب الشعر، وهو من أحسن ما أثار قرائحهم الشعرية وإليك فيما يلي حاصل تلك الواقعة، وخطبة النبي الأكرم فيها: أجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الخروج إلى الحج في السنة العاشرة من الهجرة، وأذّن في الناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به حجته، تلك الحجة التي سميت بحجة الوداع، وحجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام (تسميتها بالبلاغ وبالتمام والكمال، لنزول قوله سبحانه: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ” (المائدة 67). وقوله سبحانه: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” (المائدة 3) في ذلك الحج)، ولم يحج غيرها منذ هاجر إلى أن توفّاه الله سبحانه.اشترك معه جموع لا يعلم عددها إلاّ الله، وأقلّ ما قيل إنّه خرج معه تسعون ألفاً، فلما فقضى مناسكه وانصرف، راجعاً إلى المدينة، ومعه والذين أتوا من اليمن. فلما قضى مناسكه وانصرف، راجعاً إلى المدينة، ومعه من كان من الجموع المذكورات، ووصل إلى الغدير “”خم”” من الجحفة، التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس، الثامن عشر من ذي الحجة، نزل جبرئيل الأمين عن الله تعالى بقوله: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ” (المائدة 67)، وكان أوائل القوم قريبين من الجحفة، فأمر رسول الله أن يرد من تقدم منهم، ويحبس من تأخّر عنهم، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، نودي بالصلاة، صلاة الظهر، فصلّى بالناس، وكان يوماً حاراً، يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء، فلما انصرف من صلاته، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع رافعاً عقيرته، فقال: “الحمد لله، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ ولا مضلّ لمن هدى،أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وناره حق، وأنّ الموت حق، وأنّ الساعة آتية لاريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور”؟.

9252- تكملة للفقرة 9251: قالوا: “”بلى نشهد بذلك””. قال: “اللّهم اشهد”. ثم قال: “يا أيُّها الناس، ألا تسمعون؟”. قالوا: “نعم”. قال: فإنّي فرط على الحَوْض (أي متقدِّمكم إليه)، فانظروني كيف تَخْلُفوني في الثقلين””. فنادى مناد: “وما الثّقلان يا رسول الله؟”. قال: “الثّقل الأكبر، كتاب الله، والآخر الأصغر، عترتي، وإنّ اللّطيفَ الخبيرَ نبّأني أنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تَقَدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا”. ثم أخذ بيد علي فرفعها، حتى رؤي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: “أيّها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟”. فقالوا: “الله ورسوله أعلم”. قال: “إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم. فمن كنت مولاه فعلي مولاه” يقولها ثلاث مرات “ثم قال: اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب”. ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي” (المائدة 3). فقال رسول الله: “الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي”. ثم أخذ الناس يهنئون عليّاً، ومّمن هنّأه في مقدم الصحابة الشيخان أبوبكر وعمر، كل يقول: بخ بخ، لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي، ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وقال حسان، أئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليٍّ أبياتاً، فقال: قل على بركة الله، فقام حساناً، فقال: يناديهم يـوم الغـديـر نبيّهم بخُمّ واســمع بالرســول مناديـــــاً فقـال فمن مولاكـم ونبيّكـم فقالوا ولـم يبـدوا هنـاك التّعاميــا إلهك مـولانـا وأنـت نبيّنــا ولـم تلق منا في الولايـة عاصيــا فقال له قم يا علــيّ فإنّنـي رضيتك من بعـدي إماماً وهاديـــا فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا لـه أتبـاع صــدق مواِلـيــا هناك دعى اللّهم وال وليّه وكــن للـذي عـادى عليّا معاديـــا. فلمّا سمع النبي أبياته قال: “لا تزال ياحسّان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك”. هذا مجمل الحديث، في واقعة الغدير، وقد أصفقت الأمّة على نقله، فلا نجد حديثاً يبلغ درجته في التواتر والتضافر، ولا في الإهتمام نظماً ونثراً.

9253- تكملة للفقرة 9252: إنّ كتب الإمامية في الحديث وغيره، مفعمة بإثبات قصة الغدير والإحتجاج بمؤداها. فمن مسانيد معنعنة إلى مُنْبَثَقِ أنوار النبوة، إلى مراسيل أرسلها المؤلفون إرسال المسلَّم، وحذفوا أسانيدها لتسالم الفريقين. وأمّا المحدثون وغيرهم من أهل السنّة فلا يتأخرون عن الإمامية في نقل الحديث والبخوع لصحته، والركون إليه، والتصحيح له، والإذعان بتواتره إلا شُذّاذ تنكبوا عن الطريقة، وقد ألّف غيرواحد من علماء الإسلام كتباً مستقلة، فلم يقنعهم إخراجه بأسانيد مبثوثة في الكتب، فدوّنوا ما انتهى إليهم من أسانيده، وضبطوا ما صحّ لديهم من طرقه، كل ذلك حرصاً على متنه من الدثور، وعن تطرق يد التحريف إليه، منهم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير المعروفين (ت 224 – م 310 هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المعروف بابن عقدة (م 333 هـ)،أبو بكر محمد بن عمر محمد بن سالم التميمي البغدادي (م 355 هـ) وغيرهم. ولأجل إيقاف القارئ على اهتمام الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، والعلماء، والأدباء، والفقهاء، بنقل الحديث وضبط أسانيده، نذكر عدد رواته في كل قرن على وجه الإجمال ونحيل التفصيل إلى الكتب المعدّة لذلك. 1- روى الحديث من الصحابة 110 صحابياً، وطَبْع الحال يستدعي أن يكون رواته أضعاف المذكورين، لأنّ السامعين الوعاة له كانوا مائة ألف، أو يزيدون. 2 – رواه من التابعين 84 تابعياً. وأما عدّة الرواة من العلماء والمحدثين فنذكرها على ترتيب القرون. 3- عدد من رواه في القرن الثاني: 56 عالماً ومحدّثاً. 4- عدد من رواه في القرن الثالث: 92 عالماً ومحدّثاً. 5- عدد من رواه في القرن الرابع: 43 عالماً ومحدّثاً. 6- عدد من رواه في القرن الخامس: 24 عالماً ومحدّثا. 7- عدد من رواه في القرن السادس: 20 عالماً ومحدّثاً. 8- عدد من رواه في القرن السابع: 20 عالماً ومحدّثاً. 9- عدد من رواه في القرن الثامن: 19 عالماً ومحدّثاً. 10- عدد من رواه في القرن التاسع: 16 عالماً ومحدّثاً. 11- عدد من رواه في القرن العاشر: 14 عالماً ومحدّثاً. 12- عدد من رواه في القرن الحادي عشر: 12 عالماً ومحدّثاً. 13- عدد من رواه في القرن الثاني عشر: 13 عالماً ومحدثاً. 14- عدد من رواه في القرن الثالث عشر: 12 عالماً ومحدّثاً. 15- عدد من رواه في القرن الرابع عشر: 19 عالماً ومحدّثاً. وقد أغنانا المؤلفون في الغدير عن إراءة مصادره ومراجعه، وكفاك في ذلك كتب لمّة كبيرة من أعلام الطائفة: منهم العلاّمة السيد هاشم البحراني (م 1107) مؤلف غاية المرام. ومنهم السيد مير حامد حسين الهندي اللكهنوئي (م 1306)، ذكر حديث الغدير، وطرقه، وتواتره، ومفاده في مجلدين ضخمين في ألف وثمان مائة صحيفة وهما من مجلدات كتابه الكبير “العبقات”، فقد أتمّ الله به الحجة، وأوضح المحجة، وكتابه العبقات كتاب جليل، فاح أريجه في العالم، وطبق حديثه المشرق والمغرب. ومنهم العلامة المتتبع المحقق الفذّ الشيخ عبد الحسين النجفي (ت 1320 – م 1390) في كتابه الفريد “الغدير”، وبعين الله، إنّ كتابه هذا هو المعجز المبين، ومن حسنات الدهر الخالدة، جزاه الله خير الجزاء.

9254- تكملة للفقرة 9253: الأمر الثالث: دلالة الحديث: إنّ دلالة الحديث على إمامة مولانا أمير المؤمنين، دلالة واضحة لم يشك فيها أي عربي صميم، عصر نزول الحديث وبعده إلى قرون، ولم يفهموا من لفظة المولى سوى معنى الإمامة، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء إلى أن ولّد الدهر إمام المشككين، فجاء بتشكيكات، كسائر تشكيكاته، التي تاب منها عند احتضاره. والدلالة مركزة على أن لفظ المولى نصّ فيما نثبته من الإمامة بالوضع اللغوي، أو بالقرائن المحتفة به. وعلى كلا التقديرين، يكون الحديث حجةً قاطعةً في الإمامة، ونحن نسلك كلا الطريقين. الطريق الأول: الدلالة بالوضع اللغوي: إنّ “مفعل” “هنا” بمعنى “أفعل”، ولفظ “مولى” أريد منه هنا الأولى، سواء أقلنا إنّه المعنى الوحيد “كما سيوافيك” أو أحد معانيه، كما في قوله سبحانه: “فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” (الحديد 15). والمفسّرون للآية على فريقين منهم من حصر التفسير بأنّها أولى بكم، ومنهم من جعله أحد المعاني، وهؤلاء أئمة العربية، عرفوا أنّ هذا المعنى من معاني اللفظ اللغوية، ولولاه لما صحّ لهم تفسيره به، يقول الخازن: “هي مولاكم، أي وليّكم، وقيل أولى بكم، لما أسلفتم من الذنوب، والمعنى: هي التي تلي عليكم، لأنّها ملكت أمركم وأسلمتم إليها، فهي أولى بكم من كل شيء”. وقد نقل كون المولى بمعنى الأول، الرازي في تفسيره عن الكلبي النّسابة (م 146) والفرّاء (م 207). وأبو عبيدة معمّر بن المثنى البصري (م 210)، والأخفش الأوسط (م 218). ونهاية العقول. واستشهد أبو عبيدة ببيت لبيد: فقدت كلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أنّه مولى المخافة خلفها وإمامها حتى أنّ البخاري، صاحب الصحيح، في قسم التفسير منه، فسّره بـ “أولى”. نعم هنا شبهة ذكرها الرازي في تفسيره، حسب أنّها تصادم دلالة الحديث على الولاية الكبرى للإمام عليٍّ عليه السَّلام، فقال في تفسير قوله سبحانه: ﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، “لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة، لصحّ استعمال كلّ واحد منهما في مكان الآخر، فيجب أن يقال: هذا مولى من فلان، ولمّا بطل ذلك، عَلِمنا أنّ الذي قالوه معنىً، وليس بتفسير”. وقال في نهاية العقول: “لو كان المولى يجيء بمعنى الأولى، لصحّ أن يقرن بأحدهما، كلّما يصحُّ قَرْنُه بالآخر، لكنه ليس كذلك، فامْتَنَع كون المولى بمعنى الأولى، مع أنّه لا يقال: هو مولى من فلان، ولا يصحّ أن يقال: “هو أولى” بدون من”. يلاحظ عليه: قد فات الرازي أنّ اتّحاد المعنى أو الترادف بين الألفاظ، إنّما يقع في جوهريات المعاني لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب،تصاريف الألفاظ، وصيغها. مثلاً: الإختلاف الحاصل بين المولى والأولى، بلزوم مصاحبة الثاني بالباء (أولى به)، وتجرّد الأول منه، إنّما حصل من ناحية صيغة إفعل من هذه المادة، كما أنّ مصاحبة “من”، هي مقتضى تلك الصيغة مطلقاً، إذن مفاد “فلان أولى بفلان”، و”فلان مولى فلان”، واحد، حيث يراد به “الأولى به من غيره”، ويشهد لذلك أنّ “افعل” بنفسه، يستعمل مضافاً إلى المثنّى والجمع، أو ضميرهما بغير أداة، فيقال: زيد أفضل الرجلين، أو أفضلهما، وأفضل القوم وأفضلهم، ولا يستعمل كذلك إذا كان ما بعده مفرداً، فلا يقال: زيد أفضل عمرو، وإنّما يقال هو أفضل منه، ولا يرتاب عاقل في اتّحاد المعنى في الجميع.